كتب- أحمد التلاوي
يختتم اليوم الأحد 17/12/2006م في العاصمة العراقيَّة بغداد مؤتمر المصالحة الوطنيَّة في العراق، والذي دعا إليه رئيس الوزراء العراقي جواد نوري المالكي في شهر يونيو 2006م الماضي بعد تولِّيه رئاسة الحكومة الحالية والتي تمَّ تشكيلها بعد مخاضٍ سياسي عسير هدَّد العمليَّة السياسيَّة في العراق برُمَّتِها في حينه.
المؤتمر الحالي في العراق هو الآخر- مثل الحكومة التي دعت لعقده- واجه مخاضًا عسيرًا لكي يخرج إلى حيِّز النُّور، وأبرز دليلٍ على ذلك تأخُّر انعقادِ المؤتمر لمدة ستة أشهر كاملة لتوفير أكبر قدرٍ من فرص النجاح له، ولكن وفق عددٍ من المؤشرات أيضًا؛ فإن فرص نجاح هذا المؤتمر تبدو ضئيلة.
وفي هذا الصدد فإنَّ بعض المسئولين العراقيين قد استبقوا المؤتمر بالإعلان عن ذلك، وقالوا إنَّهم لا يتوقعون أنْ يكون المؤتمر مثمرًا بدرجةٍ كبيرةٍ، كما أنَّه ومع اقتراب انعقاده حفل الأسبوع المنصرم بالعديد من الرؤى المتشائمة من جانب المواطنين والمراقبين في العراق، وقالوا إنَّه وفي ظل الوضع الأمني المتدهور في البلاد؛ فإنَّ كثيرًا من العراقيين يخشون أنْ يكون العُنف في البلاد قد يكون "بلغ مستوًى يصعب وقفه".
ويمكن من خلال النظر في الساحة السياسية العراقية وامتداداتها الإقليمية التعرف على الأسباب التي من أجلها قد يفشل المؤتمر والاحتمالات التي سوف يضعها ذلك الفشل المحتمل أمام الأزمة العراقية.
غياب السنة والشيعة
من الممكن التعرف على الأسباب التي تدفع إلى القول بفشل المؤتمر الذي من المقرر أن يختتم أعماله اليوم من خلال فحص الجهات التي قاطعت المؤتمر والثقل الذي تتمتع به في المجتمع العراقي والأسباب التي حدت بتلك الجهات إلى مقاطعته، ومن أبرز تلك الجهات:
1- هيئة علماء المسلمين: فقد أعلنت الهيئة مقاطعتها لأعمال المؤتمر؛ الأمر الذي أفقده الكثير من الأهمية لأن الهيئة تعتبر المرجعية الدينية الأكبر للسنة في العراق؛ الأمر الذي يُعطيها ثقلاً كبيرًا وبخاصة في ظلِّ هيمنة المشاعر الدينية في توجيهِ المجتمع العراقي للعديد من العوامل، ومن بينها دخول الاحتلال إلى البلاد ولجوء المواطن إلى الدين كملجأ أخيرٍ يمكن من خلاله التصدي للاحتلال.
وتأتي مقاطعة الهيئة بسبب عدم اعترافها بشرعية الحكومة العراقية باعتبارها حكومة أسسها الاحتلال الأمريكي إلى جانب السياسات الطائفية للحكومة الحالية التي يسيطر عليها الشيعة؛ الأمر الذي دفع الأمين العام لهيئة علماء المسلمين الشيخ حارث الضاري إلى وصف تلك الحكومة بأنها حكومة لفريقٍ سياسي لا حكومة لكل العراقيين، كما دعا الدول العربية إلى سحب اعترافها بتلك الحكومة.
2- التيار الصدري: لم يشارك في المؤتمر لأن التيار أعلن أنه سوف يعلق مشاركته في البرلمان وفي الحياة السياسية بصفةٍ عامة إذا أصرَّ رئيس الحكومة جواد المالكي على مقابلةِ الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وقد أتم المالكي اللقاء بالفعل في 30 من نوفمبر الماضي مما دفع التيار الصدري إلى تنفيذ تهديده.
وتكتسب مقاطعة التيار الصدري- الذي يقوده الزعيم الشيعي مقتدى الصدر- لذلك المؤتمر أهميةً إذا ما عرفنا أنه من كبارِ الداعمين لحزبِ الدعوة الذي ينتمي إليه المالكي، بل وكان من أحد العوامل البارزة التي ساهمت في ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة بعدما طالبت القوى السياسية المختلفة بعدم تولي زعيم حزب الدعوة الدكتور إبراهيم الجعفري فاقترح التيار الصدري أن يتولى شخصٌ من حزب الدعوة المنصب بدلاً من الجعفري.
ويعني ذلك أنَّ حكومةَ المالكي باتت تواجه احتمالاتِ العُزلة السياسية في الداخلِ العراقي إلى جانب الانتقادات التي تعرَّضت لها من الحلفاء الغربيين وبخاصة الأمريكيين، وهو ما وضح في التهديدات التي انطلقت على لسانِ العديدين من المسئولين الأمريكييين بسحب الدعم المُقدَّم إلى الحكومة العراقية في حالة عدم حدوث تقدمٍ في مستوى الأجهزة الأمنية العراقية بما يسمح بحدوثِ استقرارٍ ميداني في البلاد يؤدي إلى بدء قوات الاحتلال الأمريكية انسحابها من العراق.
وبجانب ذلك فقد أعلنت جبهة الحوار الوطني التي يقودها صالح المطلك أحد أكبر الساسة السنة في العراق حاليًا أنها لن تشارك في المؤتمر أيضًا بسبب السياسات الطائفية التي تتبعها الحكومة العراقية، وفي مقدمتها عدم القدرة على التصدي لنفوذ الميليشيات في العراق، والتي تتبع في الغالب قوى سياسية عراقية مشاركة في الحكومة إلى جانب عدم مشاركة القائمة العراقية التي يقودها رئيس الحكومة الأسبق إياد علاوي والتي تعد واحدةً من القوى العلمانية في الحياة السياسية العراقية، وتضمُّ ساسة ومثقفين من السنة والشيعة إلى جانب عددٍ من أعضاء حزب البعث المنحل الذين لم تُلاحقهم السلطات العراقية أو سلطات الاحتلال الأمريكي.
ويعني ذلك أن العديدَ من القوى السياسية العراقية مختلفة الألوان وذات الثقل السياسي رفضت المشاركة في ذلك المؤتمر، وحتى مشاركة عددٍ من القيادات في حزب البعث المنحل بالمؤتمر لا تعني أنَّ كل البعثيين يشاركون لأن البعثيين من أنصار علاوي لم يشاركوا، كما أنَّ هناك العديدَ من القيادات البعثية تنخرط في صفوف المقاومة العراقية وترفض المشاركة في العملية السياسية الحالية بسبب مسئولية الاحتلال الأمريكي عنها مما يشير إلى أنَّ المؤتمرَ فقد القدرة على تحقيق الهدف الرئيسي له وهو تحقيق المصالحة؛ حيث إنَّ ممثلين عن مختلف التيارات السياسية والدينية في العراق يرفضون المشاركة مما يستحيل معه أن يحقق المصالحة، وهو ما يعني أنَّ المؤتمرَ أصبح "مشلولاً سياسيًّا" قبل أن يبدأ إن جاز ذلك التعبير.
المعوقات
وهناك العديد من الأسباب التي تتعلق بالواقع السياسي الراهن في العراق والتي تعوق أية محاولات تجري للمصالحة وفي مقدمتها:
- سيادة النزعة الطائفية في التعامل مع الملفات السياسية ومحاولات إقصاء السنة في العملية السياسية لعدة دوافع
- السنة أيضًا لهم مخاوفهم التي تمنعهم من قبول فكرة "المصالحة الفورية"؛ حيث يتعرضون إلى العديد من الانتهاكات التي تقع على يد الميليشيات الشيعية وبخاصة ميليشيا جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر إلى جانب عمليات القتل والتشريد التي يتعرضون لها على يد قوات الاحتلال الأمريكية مما يُشكِّل عائقًا أمام قبولهم فكرة المصالحة وبخاصة لأنها تتم في ظل الاحتلال، كما أنَّ السنةَ يخشون نظام الفيدرالية الذي يعني تقسيم البلاد إلى 3 أجزاء وفق العرق والمذهب ويرجع رفض السنة إلى خشيتهم على وحدةِ العراق إلى جانب أنَّ الجزءَ الأوسط من العراق والذي سيكون من نصيبِ السنة سوف لا يتمتع بأيةِ موارد نفطية، بالإضافةِ إلى أنَّ غيابَ الحكومة المركزية سيساهم في دعم موقع تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين والذي ينتشر بصورةٍ كبيرةٍ في منطقة الأنبار الواقعة غرب العراق.
وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ السنةَ يؤكدون أن الفيدرالية سوف تؤدي إلى مذابح تطهيرٍ عرقي في الأماكن المختلطة السكان؛ حيث إنَّ السنةَ في الجنوب الشيعي سيتعرضون إلى عمليات تطهير وتهجير بغرض الحفاظ على "نقاء الجنوب الشيعي"، وبالتالي فإنَّ للسنة العديدَ من الاعتراضات الوجيهة التي تمنعهم من قبول فكرة "المصالحة الوطنية الفورية".
- عدم مصداقية الحكومة العراقية في تعهداتها الخاصة بوقف العنف الطائفي في البلاد من خلال التعهد بدمج الميليشيات في صفوف الأجهزة الأمنية وغيرها من التعهدات التي كررها رئيس الحكومة جواد المالكي في كلمته بافتتاح المؤتمر، حيث لم تسفر تلك الإستراتيجيات إلا عن تدهورٍ كاملٍ للوضعِ في العراق؛ حيث اجتاحت الميليشياتُ التابعة للقوى السياسية الشيعية المؤسساتِ الأمنيةَ المختلفة وبدأت في ممارسة عمليات التطهير الطائفي ضد السنة مما وضع البلاد على حافة الحرب الأهلية.
- غياب الأفق السياسي عن الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع المشكلة الطائفية والسياسية في العراق، حيث عمل الأمريكيون على الاعتماد على الشيعة في بداية احتلالهم للعراق إلا أنَّ تلك الخطط أسفرت عن تفاقم العنف في البلاد ومذابح وصلت إلى حدِّ التصفيةِ العرقية ضد السنة مما دفع الأمريكيين إلى التوجه نحو السنة من أجل إدماجهم في العملية السياسية لوقف العنف الطائفي ومحاولة وقف المقاومة سنية الطابع إلا أن استمرارَ وجود الميليشيات الشيعية وطائفية التعامل الحكومي مع السنة لم يؤد إلى تغير في الأوضاع، كما أنَّ المقاومةَ رفضت التسليم بوجود الاحتلال؛ مما أدَّى إلى انهيارِ الإستراتيجية الأمريكية في العراق وأوصل البلاد إلى الوضع التي هي عليه حاليًا إلى جانب إفلاس الإدارة الأمريكية وعجزها عن إيجاد بدائل سياسية يمكن من خلالها تحسين الوضع الحالي، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى طلب الاستشارة من جانب كل الأطرافِ في الداخل الأمريكي بدءًا من وزارة الخارجية إلى الحزب الديمقراطي مرورًا بوزارة الدفاع.
الخلاصة أن طريق المصالحة العراقية مسدود بالعديد من الاعتباراتِ السياسية والأمنية، وهي الاعتبارات التي تتوزع على مختلف القوى السياسية والمذهبية العراقية، وبالتالي فإنَّ مجرد إقامة مؤتمر مصالحة لن ينفع في إتمامِ تلك المصالحة المرجوة ما لم يشارك فيها جميع المعنيين بالشأن العراقي.