كتب- أحمد التلاوي
انتهت المهلة التي كان اتحاد المحاكم الصوماليَّة قد حدَّدتها للقوات الإثيوبيَّة الغازية للخروج من البلاد، وعلى ذلك اندلعت المعارك بين الطرفَيْن ولا تزال مستمرةً مُنْذ يومَيْن وما بين كرٍ وفرٍ بين قوات المحاكم والقوات الإثيوبيَّة تستمر الأزمة الصوماليَّة في التصاعُد بشكلٍ قد يؤدِّي إلى حريقٍ إقليميٍّ كبير، مع سقوط الأقنعة وثبوت وجود قوات إثيوبيَّة في الصومال، وتتجاوز مهمتها ما زعمت أديس أبابا أنَّه مجرد حماية الحكومة الصوماليَّة الانتقاليَّة في بيداوا.
وتواصلت الاشتباكات في المناطق المختلفة جنوب الصومال بين قوات اتحاد المحاكم الإسلاميَّة من جهةٍ والقوات الحكوميَّة والإثيوبيَّة من جهةٍ أخرى، وقد حققت قوات المحاكم تقدُّمًا كبيرًا حيث سيطرت على بلدة إيدلي القريبة من مدينة بيداوا التي تتخذ الحكومة الانتقالية منها مقرًّا، بينما دخلت القوات الإثيوبيَّة بلدة جلكاعيو التي تسيطر عليها المحاكم، بالإضافةِ إلى الأنباء التي تحدثت عن أنَّ إثيوبيا تحشد قواتها على جبهة جديدة قرب بونت لاند شمال شرق البلاد، مما ينذر باتساع نطاق المواجهة في الصومال.
وتتصاعد احتمالات الحريق في القرن الأفريقي من خلال ما يمكن استشفافه من التطورات الأخيرة التي تمر بها منطقة القرن الأفريقي على مختلف المستويات السياسيَّة والأمنيَّة؛ حيث تكشَّفَتْ العديد من الحقائق حول الوضع الراهن لاتجاهات السياسة الإقليميَّة والدَّوليَّة في هذا الإقليم، والذي بات اسم اللعبة فيه واشنطن وأجندتها التي تُعارِض أي وجود سياسي شرعي ومشروع للإسلاميين في أيَّة منطقة في العالم، حتى ولو كان بلدًا مأزومًا يبحث عن الأمن والاستقرار المفقودَيْن منذ سنواتٍ بعيدة مثل الصومال.
والحقيقة أنَّ التَّدخُّل الأمريكي في الصومال وفي منطقة القرن الأفريقي بوجهٍ عام له طابعٌ فريدٌ من نوعه عن مثيله من التَّدخُّلات الأمريكيَّة في العالم؛ فلا يزال هذا التَّدخُّل مستمرًا في تبنِّي نمط التَّدخُّلات الدوليَّة من جانب القوى الكبرى إبان سنواتِ الحربِ الباردة؛ حيث تتبنى الولايات المتحدة نمط "الحرب بالوكالة" في صدد التعاطي مع الملفات التي تهمها في هذه المنطقة الحيويَّة من العالم على فقرها الاقتصادي وأزماتها السياسيَّة والاجتماعيَّة المدمرة والشديدة التعقيد في خريطتها.
ومصطلح "الحرب بالوكالة" هذا شاع خلال سنوات الحرب الباردة للدلالة على حالة أو أزمة إقليميَّة مُتفاعلة تُمارس القوى الدوليَّة الكبرى والعظمى أدوارها فيها من خلال شركاء أو وكلاء إقليميين لوجود عوامل عديدة تمنع هذه القوى من الاشتراك أو التَّدخُّل بشكلٍ مباشرٍ في هذه الأزمة، مثل أنْ يترتب على هذا التَّدخُّل أزمة أكبر أو تضارُب بين هذه القوى وقوى أخرى كبرى أو عظمى مما يتهدَّد مصالحها أو أمنها القومي بشكلٍ مباشرٍ.
وكان الصراع في الشرق الأوسط بين العرب والكيان الصهيوني أحد أبرز هذه الصراعات التي تمَّ فيها ظهور هذا النمط من الحروبِ بالوكالة، مع وقوف كلٌّ من الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة وراء كل طرفٍ من أطراف الصراع، وقد عجز العرب على إدراك النصر الحاسم في المعركة؛ نظرًا لاعتماد العرب خلاله على طرفٍ لا يشاركه العقيدة أو الانتماء الفعلي للقضية وكانت تحرِّكُه المصلحة، بخلاف الطرف الأمريكي الذي خاض الصراع إلى جوار الكيان الصهيوني بانتماءاتٍ عقيديَّة، واعتباراتٍ تمس الأمن القومي الأمريكي في صميمه.
وكذلك كان الحال في الصراع بين الهند وباكستان؛ حيث قام الأمريكيون عبر حلفائهم في باكستان بمحاولة عرقلة تطوُّر التحالف الهندي- السوفيتي والدور المتنامي لنيودلهي في حركة عدم الانحياز التي تصدَّت للوجود الأمريكي والغربي الاستعماري في العالم.
وعلى هذا النسق يبدو وكأنَّ الزمن قد توقَّفَ بإدارة رعاة البقر الأمريكيين الحالية في واشنطن عند سنوات الصراع الدولي في الحرب الباردة، والطرف الموجود هذه المرة هنا لدعم المشروع الأمريكي في القرن الأفريقي هو إثيوبيا، التي بدَّلَت هويتها ما بين الشرق والغرب في السنوات القليلة الماضية.
الأجندة الأمريكيَّة