تحليل- أحمد التلاوي

جولة أفريقيَّة جديدة يقوم بها الرئيس الصيني "هو جين تاو" بدأها بزيارةٍ إلى السودان ووصل فيها إلى أطراف القارة السمراء جنوبًا في زامبيا أكَّدَ فيها على مجموعةٍ من الحقائق التي تكشَّفَت في غضون السنوات القليلة الماضية من أنَّ قلب القارة الأفريقيَّة وتخومها على الأطلنطي والهادي شرقًا وغربًا سوف تكون هي قلب حركة السِّياسة الدوليَّة خلال الفترة القريبة القادمة.

 

وفي هذا الإطار ومن خلال ظروف وملابسات جولة جين تاو فإنَّه يمكن القول إنَّ هذه الجولة- وبالذات ما يتصل بشقها الخاص بالسودان هي واحدة من أبرز المناسبات السِّياسيَّة على مستوى علاقات الخرطوم وأفريقيا الدوليَّة ربما منذ زيارة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رافسنجاني على رأس وفد نافَ على الخمسين من رجال الأعمال ورجال الحكم في إيران إلى السودان في منتصف التسعينيات الماضية.

 

وبالرغم من أنَّ الجولة الأفريقيَّة الحالية لرأس السُّلطة في التِّنين الصيني النامي تتغلَّف بغلافٍ اقتصادي بارز إلا أنَّ القلب والمحتوى سياسي وأمني بكل تأكيدٍ وفق العديد من الشواهد التي تطرحها تفاصيل وفعاليات الزيارة؛ سياسي لجهة الملفات التي بحثها جين تاو في السودان بالذات؛ أولى محطات جولته الأفريقيَّة، وأمنيَّة مع مساسها بقضايا تمس الأمن القومي للغرب والشرق على حدٍّ سواء؛ مثل ملفات دارفور وأمن الطاقة وإمدادات النفط والوضع السياسي في بلدان وسط القارة السمراء، وكلها قضايا تهم الولايات المتحدة وتحالفها الأنجلو- سكسوني- الصهيوني؛ ولذلك فمن المرجح أنْ تكون جولة جين تاو الأخيرة محل نظر داخل أروقة المؤسسات الأمنيَّة والدبلوماسيَّة وكذلك البحثيَّة في واشنطن ولندن، وتل أبيب التي تُكِنُّ مؤسَّساتها الاستخباراتيَّة الفاشلة اهتمامًا خاصًّا بمناطق جنوب السودان وكينيا وأوغندا.

 

وفي حقيقة الأمر فإنَّ مُلابسات زيارة جين تاو إلى السودان بالذات تحمل دلالات بالغة الأهميَّة في إشاراتها المبدئيَّة، وأبرز هذه الدلالات هو نجاح الخرطوم في تحقيق اختراق كبير في تفكيره الإستراتيجي تجاه رسم علاقات السودان الخارجيَّة، نحو ربط مصالحها بمصالح قوى دوليَّة أُخرى في مواجهة قوى غاشمة تُريد النيل من هذا البلد العربي المسلم، وكلها أمور لا يُجدي معها سوى خلق شبكة من المصالح الحقيقية التي تُجبر لاعب دولي "هادئ الطباع" مثل الصين على الحركة والدَّعم، بخلاف الحديثُ الذي لا يُجدي في هذا المُقام عن الصداقة بين الشعوب، وعلاقات دول الجنوب المتميزة!!

 

خلفية في المشهد الدولي

مبدئيًّا لا يمكن فصل الجولة الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني إلى السودان وبلدانٍ أفريقيَّة أخرى عن التطورات السِّياسيَّة الإقليميَّة والقاريَّة التي تشهدها القارة السمراء في الفترة الأخيرة، وكذلك أهميتها المتناميَّة على مختلف المستويات بالنسبة للقوى الدوليَّة بشكلٍ عام، وبالذات بالنسبة لكلٍّ من الصين وفرنسا و- بالطبع- الولايات المتحدة، ومعها بريطانيا بطبيعة الحال والانتماء.

 

 الصورة غير متاحة
 
في حقيقةِ الأمر فإنَّ أول طرفٍ أدرك مُبكرًا الأهميَّة القصوى التي سوف تكتسبها القارة على مختلف المستويات الأمنيَّة والسِّياسيَّة والاقتصاديَّة، وبخاصة على مستوى سوق الطاقة العالمي في ظل حرب النفط والمياه التي بدأت تُلقي بظلالها على كوكب الأرض هي إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون؛ حيث عَمِدَ كلينتون في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وزوال النفوذ الشيوعي- السوفيتي السابق تحديدًا- عن مناطق مهمة من القارة، كما في إثيوبيا والقرن الأفريقي وفي أنجولا وجنوب غرب أفريقيا وغيرها إلى محاولة مد نفوذ بلاده إلى أفريقيا متوسِّعًا في ذلك على حساب النفوذ الفرنسي والروسي والصيني التقليدي في القارة.

 

فَجَرَت عمليات إطاح