الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تمر أمتنا الإسلامية خلال هذه المرحلة الحاسمة بظروف قاهرة وأحداث جسام، يستعلي فيها الباطل ليصل مداه، وينتفش ليبلغ منتهاه، ويستضعف فيها المسلمون في غير مكان، ويتداعى عليهم الأعداء؛ حتى يظن المؤمنون أنهم قد كُذبوا، إلا أنهم ورغم كل هذه الصعاب التي تواجههم وتلك التحديات التي تحيط بهم يقتربون بحول الله من ساعة النصر ويتلمسون - ببرد اليقين - طريقَ الخلاص وبوادر الأمل القريب.
إنها البشارة تأتي للمسلمين من كتاب ربهم، في قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4]، لتدرك خطورة الموقف الذي اكتنف أهل الحق حينها، ثم ما تلبث أن تقرأ قوله تعالى تبعًا لذلك: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} (القصص: 5).
وها هو المصطفى صلى الله عليه وسلم يبعث في أمته الأمل وهو يعالج الآلام في غزوة الأحزاب وهو محاصر بالأعداء مع صحبه الكرام، والعدو يحيط بهم من كل جانب: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (الأحزاب: 10-11).
ثم تجد الحبيب يحمل البشارة والأمل إلى المسلمين ويضرب الصخرة التي استعصت على صحابته فيقول: «بسم الله»، فيضرب ضربة فيكسر ثلثها، فيكبِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: "أعطيت مفاتيح اليمن"، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثًا آخر، فيكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: "أعطيت مفاتيح الشام"، ثم يضرب الثالثة فيقطع بقية الحجر من جهة فارس، فيكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: "أعطيت مفاتيح فارس".
ويقول الإمام حسن البنا في رسالة "دعوتنا" : "أحب أن تعلم يا أخي أننا لسنا يائسين من أنفسنا، وأننا نأمل خيرًا كثيرًا ونعتقد أنه لا يحول بيننا وبين النجاح إلا هذا اليأس، فإذا قوي الأمل في نفوسنا فسنصل إلى خير كثير إن شاء الله تعالى؛ لهذا نحن لسنا يائسين ولا يتطرق إلى قلوبنا، والحمد لله، وكلّ ما حولنا يبشِّر بالأمل، على الرّغم من تشاؤم المتشائمين".
إن أمتنا تصنع الأمل وتقاوم اليأس بالجهد والاجتهاد والعمل والصبر والمثابرة؛ فتجد في مكامن اليأس طريقًا للخلاص وفي مرابض الأذى بداية للأمل، يقول الله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} ( يوسف: 87).
ويسعون في الأرض فسادًا
إننا نطالع ما يحيطنا من أحداث بيقين الأمل، رغم ما نراه من العربدة الصهيونية المدعومة بغطرسة أمريكية جامحة لم تقف عند حدود ما تم ارتكابه من جرائم وانتهاك سيادة الدول، ولكنها تتسع لبسط سيطرتها على بلدان المنطقة كلها وفقًا لما يصرح به قادتهم بلا مواربة أو خجل؛ بإعلان مخططاتهم ورغبتهم في امتداد كيانهم من النيل إلى الفرات.
إن الكيان الصهيوني الغادر الذي يسعى لبسط نفوذه على دول المنطقة ومن بينها مصر، يدرك أن سلطة الانقلاب التي مالأته ولزمت الصمت على جرائمه في غزة ولبنان وسوريا ورهنت مصيرها بمصيره لا تعبر عن حقيقة مواقف شعبها أو العقيدة الحقيقية لجيشها؛ والتي تعتبر هذا الكيان العدو الاستراتيجي للأمة، وترفض كل محاولات صناعة عدو بديل من أبناء الأمة، ومن هنا تكون بداية النصر.
إن ما يفعله اليوم الكيان الصهيوني في حرب إيران يؤكد السعي المستمر لإشعال الحروب وإيقاد نارها، وإجهاض كل محاولات لإخمادها، أو السعي للتهدئة رغبة في إشعال الحروب وتوليد الصراعات، يقول الله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (المائدة: 64).
إن واجب الوقت هو العودة الراشدة إلى الوحدة والالتئام بين دول المنطقة؛ لتدير خلافاتها بعيدًا عن الصراع واستهداف المقدرات، والالتزام بحسن الجوار، وعدم الاستجابة إلى مخططات الصهاينة في إشعال الحروب وتأجيج الصراعات، بدلًا من الانجرار إلى العدوان على دول الجوار كما حدث من اعتداء إيران على دول الخليج واستهداف منشآتها ومؤسساتها وترويع الآمنين من سكانها.
إن الممارسات الصهيونية المتزايدة ومحاولات الزج بالعالم في أتون معارك دامية وإشعال حروب طاحنة؛ فتح رغم ذلك بابًا للأمل بعدما استفاقت الملايين من شعوب العالم على أخطار هذا الكيان ووقفت على جرائمه وتعرفت على ممارساته؛ فكانت المظاهرات التي اجتاحت الولايات المتحدة، والوعي المتنامي في أغلب دول الغرب الذي يصل إلى قناعة بخطورة المسار الذي يسلكه هذا الكيان وتترسم خُطاه الإدارة الأمريكية؛ هو شعاع من نور في النفق المظلم .
ثقتنا في الله يقين لا ينقطع
يا أبناء أمتنا: إننا أمام هذه الأحداث الجسام علينا أن نتحرك نحو المستقبل بوعي وإدراك؛ ثقة بالله وأخذًا بكل أسباب التمكين لدين الله، ويقينًا بأن الله تعالى يُملي للظالمين حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، وأن أخذه أليم شديد.
وواجبنا مع الثقة بالله والأخذ بالأسباب أن نعتصم بوحدتنا؛ لنكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وأن نتمسك بأخوتنا ورابطتنا الإيمانية التي تعلو على كل روابط الدنيا.
وأخيرًا.. نهمس في آذان حُكام أمتنا ونقول: عليكم بتضميد الجراح ولملمة الفرقاء وتحقيق المصالحة مع شعوبكم؛ فهم خط الدفاع الأول عن الأمة، وبدونهم لن تقوم لكم قائمة، فاللهَ اللهَ في شعوبكم، اِجْمَعوا الكلمة وداووا الجراح واطلقوا الحريات؛ فلعل الله تعالى أن يكتب لنا نصرًا عزيزًا، وهو على كل شيء قدير.
صناعة اليأس تهدم المجتمعات
وفي مصر ما زالت سلطة الانقلاب تتفرغُ لصناعة اليأس، حيث تزداد معاناة الشعب، وتتفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المجتمع الذي أحاطته النوائب من كل مكان، في ظل حالة من التغييب للمصلحين والدعاة وتجريف للكفاءات، وإسكات لكل صوت شريف، وإفقار للغالبية العظمى من الشعب.
إن وقوع أكثر من خمسة حوادث أنهى أصحابها حياتهم فيها خلال أيام معدودات، إنما يمثل جرس إنذار للأخطار التي باتت تهدد المجتمع وتستهدف وجوده، وتؤكد على الحاجة إلى استدراك عاجل ووقفة حازمة وبحث سريع عن سبل النجاة من مصير لن يقف عند ما نرى من كوارث.
إن الوقائع التي يشهدها المجتمع المصري لن يصلحها قانون - وإن كان عادلًا- في ظل واقع اجتماعي واقتصادي يحتاج إلى نُفرة المخلصين لاستنقاذه من الوهدة التي وقع فيها، ومن الانهيار الذي حلَّ به؛ فالبناء الحقيقي للمجتمعات وصناعة الأمل بين أفراده لا يتم إلا من خلال فتح الأفق السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ كخطوة أولى تسبق أي إصلاح تشريعي أو قانوني.
وعلى مسار الأمن القومي يتوسع الانقلاب في ارتهان مقدرات مصر لأعدائها، ووضع المقصلة على رقاب الشعب كله من خلال صفقات الغاز المشبوهة مع الاحتلال، حيث لم يكتف بصفقة الغاز التي وقعها مع الاحتلال الصهيوني بقيمة 35 مليار دولار، وارتهن فيها مصانع مصر وبيوتها تحت إرادة عدو يتربص بنا ويصرح بالرغبة في احتلال بلادنا، وإنما يستمر اليوم في جرائمه بمزيد من الارتهان لإرادة العدو من خلال ما أعلنته صحف صهيونية من توقيع سلطة الانقلاب مذكرة تفاهم مع شركة قبرصية تخضع لسيطرة الاحتلال بهدف توريد الغاز الطبيعي من حقل “أفروديت” ضمن اتفاق طويل الأمد يمتد إلى 15 عامًا، وهو الحقل نفسه الذي يقع في الحدود المصرية وفقًا لاتفاق ترسيم الحدود الذي ورفضته سلطة الانقلاب.
إن جماعة "الإخوان المسلمون" وهي تتابع هذا الواقع؛ تدرك ما يمر بمصر من ملمات وما يتعرض له الشعب من جرائم متراكمة وكوارث متلاحقة، تتزايد أخطارها يومًا بعد يوم حتى وصلت إلى المدى الذي ينذر بالخطر وينبئ عن انفجار شعبي واسع نخشى أن يتحول إلى فوضى لا نرضاها، فمقدرات مصر نحميها بأرواحنا ونزود عنها بكل ما نملك.
أما الشعب المصري الذي يعاني من الويلات في ظل هذا الانقلاب وتتعرض مصالحه وأمنه القومي للخطر؛ فنحن في القلب منه، لا نتقدم عنه ولا نتأخر، ونحن - بحمد الله - لم نغب عنه يومًا ولن نغيب، ولم نترك الميدان يومًا ولن نتركه، نشعر بنبض الشارع ونستجيب لندائه، ندافع عن حرية شعب وكرامة مجتمع ومستقبل وطن، ونؤكد أن محاولات الانقلاب دفع المصريين إلى اليأس الذي يصنعه على عينه لن تفلح ولن تحقق مبتغاها، بل سيظل الشعب -ونحن في القلب منه- نتطلع للحظة الانعتاق من الاستبداد والفساد، وما هي عنا ببعيد، فنحن نرقب ضوءًا في نهاية النفق وأملًا يلوح في الأُفق {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} (الشعراء:227).
والله أكبر ولله الحمد،،،
أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "
الجمعة 29 شوال 1447 هجرية - الموافق 17 أبريل 2026م