وسط شكاوى الشعب المصري من ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الدخول بفعل التضخم، أعلن رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي قبل أيام المضي قدماً نحو إعادة تشكيل منظومة الدعم الغذائي التي يعتمد عليها أكثر من نصف سكان البلاد، في خطوة يقول إنها تستهدف القضاء على الهدر وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، بينما يخشى مراقبون من أن تتحوّل إلى أكبر عملية استبعاد للمستفيدين منذ بدء نظام البطاقات التموينية. وفي تصريحاته، كثف مدبولي دفاعه عن خطط التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي.
وفقاً لمصادر، يشمل المشروع إعادة صياغة منظومة يعتمد عليها حالياً نحو 69 مليون مواطن للحصول على الخبز المدعم، إضافة إلى نحو 61 مليون مواطن يستفيدون من بطاقات التموين للحصول على السلع الأساسية. ووفقاً لوثائق الموازنة الجديدة للعام المالي 2026/ 2027، خصصت الحكومة ما يقرب من 170 مليار جنيه لدعم الخبز والسلع التموينية، مقارنة بنحو 160 مليار جنيه في موازنة العام السابق، سبقها حذف ملايين المصريين من قوائم الدعم السلعي، بعد تضييق شروط منح الدعم للأسر والأفراد؛ ما يحيل نحو 10 ملايين مواطن إلى خارج دائرة الدعم، ممن ينطبق عليهم شرط واحد من الشروط الثمانية المحددة من قبل وزارة التموين، وهو الحصول على حد أدنى من الدخل يوازي 8 آلاف جنيه شهرياً.
برغم زيادة المخصصات الاسمية بموازنة الدعم، تؤكد أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، يمن الحماقي، "أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تراجع القيمة الحقيقية للدعم"، بما يثير تساؤلات حول قدرة أي نظام نقدي جديد على الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين. في المقابل، تقول الحكومة إن "النظام الحالي يسمح، على مدار عقود مضت، بتسرب جزء من الدعم إلى غير المستحقين، كما يخلق تشوهات سعرية وسوقاً موازية للسلع المدعمة".
وقال وزير التموين بحكومة الانقلاب شريف فاروق، في تصريح صحفي، إن التحول إلى الدعم النقدي سيمنح المواطن حرية أكبر في اختيار احتياجاته بدلاً من إلزامه بسلة محددة من السلع، حيث سيجري تنفيذه عبر مشروع رقمي ضخم لتوحيد منظومة التوزيع والرقابة، يقوم على ربط المخابز ومنافذ التموين وقواعد البيانات الحكومية في شبكة إلكترونية موحدة، بما يسمح بتتبع حركة الدعم لحظة بلحظة.
وبحسب مصادر مطلعة على المشروع بوزارة التموين، أكدت لـ"العربي الجديد" أن المنظومة الجديدة ستعتمد على بطاقات إلكترونية تحمل أرصدة مالية أو نقاطاً شرائية يمكن استخدامها داخل شبكة موحدة من المنافذ التموينية والمخابز والسلاسل التجارية المتعاقدة مع الدولة، تمنح حامل البطاقة 220 جنيهاً شهرياً لشراء احتياجاته من الخبز والسلع الضرورية، معتبرة أن المشروع يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الدعم التي اتبعتها مصر لعقود، إذ تنتقل الدولة تدريجياً من دعم السلع نفسها إلى دعم المواطن مباشرة .
وتواجه خطة إلغاء الدعم معارضة واسعة من المواطنين وعدد من الخبراء الاقتصاديين الذين يحذرون من تنفيذها في ظل استمرار الضغوط التضخمية. ومن أن المبالغ النقدية قد تفقد قيمتها خلال أشهر قليلة إذا لم تكن مرتبطة بمعدلات التضخم، التي لن تقل عن 20% في العام المالي المقبل، والتي تتجه إلى الصعود لمعدلات قياسية بلغتها عام 2023 عند 40% على أساس سنوي، حينما تعرض الجنيه المصري للانهيار أمام الدولار وارتفعت قيمة السلع الأساسية بالأسواق المحلية والدولية.
وتعلّق الخبيرة الاقتصادية، نادية المرشدي، على مطالبة رئيس حكومة الانقلاب المواطنين بتحمل الآثار المترتبة على مسار التحول الاقتصادي، بقولها لـ"العربي الجديد": "خرج علينا رئيس الوزراء مجدداً ليطالب الناس بالصبر، وكأن الزمن وحده يصنع المعجزات، وكأن المطلوب من شعب أنهكته الأسعار أن يبتلع المزيد من المعاناة لعقود أخرى بينما تتآكل قدرته على الحياة يوماً بعد يوم. لكن الحقيقة التي يحاول الخطاب الرسمي القفز فوقها هي أن الدول التي صبرت ونهضت مثل الصين، لم تبنِ نهضتها على القروض، ولم تحبس أموال شعبها داخل كتل خرسانية واستهلاك عقاري متضخم، ولم تحول الاقتصاد إلى ورشة إسمنت مفتوحة، بينما المصانع تتراجع والإنتاج يختنق والاستيراد يلتهم ما تبقى من قيمة العملة".
وأضافت الخبيرة الاقتصادية: "بعد أكثر من عقد من "الإصلاحات"، ماذا حصد المواطن غير تضخم يلتهم الرواتب، وعملة تتراجع بلا توقف، وديون تتضخم بوتيرة مرعبة، وطبقة متوسطة تُسحق ببطء حتى كادت تختفي، ومواطن يعمل أكثر من أي وقت مضى ليشتري أقل من أي وقت مضى".
وتعلّق على دعوة رئيس حكومة الانقلاب للالتزام بالصبر والتحمل حتى تمضي الحكومة في مسار اقتصادي يضمن تحولاً جذرياً في حياة المواطنين، بقولها: "أي إصلاح اقتصادي هذا الذي لا يشعر المواطن بثماره بعد سنوات طويلة؟ وأي نجاح هذا الذي لا يظهر إلا في المؤتمرات واللافتات والأرقام الرسمية بينما الأسواق تحكي قصة أخرى تماماً؟ لو كان هناك نجاح حقيقي، لشعر به الناس خلال أول عامين أو ثلاثة كما حدث في كل التجارب الناجحة؛ فالاقتصاد الحقيقي لا يحتاج إلى ماكينة دعاية كي يثبت نفسه، بل يراه المواطن في زيادة دخله، واستقرار الأسعار، وقوة العملة، وتحسن مستوى معيشته. لكن ما جرى هو العكس تماماً".