كتب- أحمد التلاوي
دخلت أوكرانيا أزمةً سياسيَّةً جديدةً تُنذر تداعياتها بدخول البلاد إلى مرحلةٍ من الفوضى التي تُهدِّد بدورها بإدخال منطقة شرقِ أوروبا في دوامة من عدم الاستقرار السياسي، والتي لا تتناسب مع طبيعة المنطقة غير المستقرة من الأصل في ظل عدم استطاعتها حتى الآن امتصاص صدمة انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وتحلُّل الكتلة الشرقيَّة.
ويمكن القول بأنَّ الأزمة الرَّاهنة في أوكرانيا ليست طارئةً أو ذات طبيعة داخليَّة؛ فجذورها موجودة منذ فترة وتحديدًا مُنذ وصول الرئيس الأوكراني فيكتور يوتشينكو إلى سُدَّة الحكم بعد الانتخابات التي جرت في أواخر العام 2004م، وخلف فيها الرئيس السابق ليونيد كوتشما، مُتغلِّبًا بذلك على غريمه السِّياسي التَّقليدي وشريكه الحالي في الحكم رئيس الوزراء فيكتور يانوكوفيتش.
وكانت التَّطوُّرات الواعدة في أوكرانيا في ذلك الحين تبشِّر بمستقبلٍ سياسيٍّ جيَّدٍ لهذه المنطقة شديدة الحيويَّة في منظومة الأمن الأوروبي والعالمي، ولكنَّ التَّطورات التي تلت فوز يوتشينكو بالانتخابات الرِّئاسية جعلت من تقبُّل هذا الحكم أمرًا صعبًا مع استمرار الأزمات في التفاعُل في وجه الرئيس الإصلاحي.
فبعدِ عامٍ هادئ نسبيًّا جاءت الانتخابات التَّشريعيَّة التي جرت في ربيع العام 2006م؛ حيث حلَّ حزبه "أوكرانيا بلادنا" ثالثًا خلف حزبَي "المناطق" أو "الأقاليم" و"أوكراين ما"، والأول يتزعمه رئيس الوزراء يانوكوفيتش، أمَّا الثاني فهو حزب شريكة يوتشينكو في الثورة البرتقاليَّة جوليا تيموشينكو التي تركت الأمر برمَّته بعد أزمة كبيرة وقعت بين "رفاق" الثَّورة السَّابقين!!
ومن هنا عادت روسيا لتُطلَّ بقوة على المسرحِ الأوكراني من خلال حلفائها هناك بعد هزيمةٍ تكتيكيَّة في العام 2004م أمام الغرب الذي دعَّمَ بقوة يوتشينكو، في محاولةٍ لإزاحة آخر وأهم مناطق النفوذ الروسي في شرق أوروبا، ثمَّ عاد وتخلَّى عنه بالرغمِ من الأهميَّة الكبرى التي تحوزها أوكرانيا ضمن مشروعات الأمن الجماعي الأوروبيَّة والأطلنطيَّة، وكذلك خطط توسيع الاتحاد الأوروبي.
وقد عمدت روسيا في المُقابل خلال المرحلة السابقة على محاولة حصار يوتشينكو سياسيًَّا، عن طريق حلفاء موسكو في الأحزاب الأوكرانيَّة، خاصةً حزب الأقاليم الذي يتزعَّمه فيكتور يانوكوفيتش، واقتصاديًَّا عن طريق رفع أسعار الغاز المُصدَّر إلى أوكرانيا، وهي سياسةُ أشعلت فتيل أزمة كبرى بين روسيا وأوروبا طيلة العام الماضي 2006م مع كون روسيا هي مصدرَ نحو 50% من واردات الغاز الأوروبيَّة التي تمر أساسًا عن طريق أوكرانيا.
"الثورة السماوية المضادة"
بدأت الأزمة عندما حاول رئيس الحكومة فيكتور يانوكوفيتش إبعاد عدد من النواب الموالين لرئيس الدولة فيكتور يوتشينكو باتباع أساليب دستورية، ومن بينها الطعن في شرعية هؤلاء النواب، بما يُدخل البرلمان إلى قائمة القوى الموالية ليانوكوفيتش في عودته الجديدة إلى الساحة السياسية الأوكرانية، والتي تركها بتأثير "الثورة البرتقالية" أي أن يانوكوفيتش بدأ في محاولة ترتيب الأوضاع السياسية في البلاد، بما يضعه في موقع الصدارة من المشهد السياسي.
إلا أن يوتشينكو بدأ في اتخاذ ردود الأفعال، وفي مقدمتها اتخاذ قرارٍ بحلِّ البرلمان، وهو القرار الذي حذرت منه القوى الموالية لرئيس الحكومة يانوكوفيتش، لكن يوتشينكو واصل إصراره على القرار.
وبعد ذلك أخذت الأزمة في التدهور ككرة ثلج كبيرة؛ حيث رفضت القوى الموالية ليانوكوفيتش في التحرك ضد قرار حلِّ البرلمان الذي يضرب فرص عودتهم إلى المشهد السياسي في الصميم، والذي دخل حيِّز التنفيذ بعد نشره في الصحف الرسمية، وكان من أبرز الخطط التي اتبعها أنصار يانوكوفيتش هي النزول إلى الشارع للتظاهر ضد القرار، في تكرار للمشهد الذي أطاح بزعيمهم يانوكوفيتش وإن اختلفت الألوان؛ حيث تتسم الثورة الحالية بأنها "ثورةٌ سماويةٌ" في لونها، وللآن فإن الساحة السياسية الأوكرانية في انتظار تحرُّك "قوى يانوكوفيتش" للردِّ على القرار الخاص بحل البرلمان.
إلا أن الواقع العام في أوكرانيا يشير إلى أن الأزمة قد تتخذ أبعادًا أخرى بالنظر إلى أن الجيش يُعتبر من القوى الموالية لرئيس الدولة يوتشينكو، بينما يدين جهاز الشرطة بالولاء لرئيس الحكومة يانوكوفيتش، الأمر الذي قد يؤدي إلى اشتباكاتٍ بين أنصار يوتشينكو والشرطة التابعة ليانوكوفيتش، في محاولةٍ لـ"إعادة الاستقرار" في الشارع، فيما قد يستخدم يوتشينكو الجيش من أجل قمع محاولات أنصار يانوكوفيتش لمنع تنفيذ قرار حلِّ البرلمان.
كانت هذه خلفياتِ الأزمة السياسية التي تضرب أوكرانيا منذ أواخر العام 2004م، والتي نتجت بالأساس عن الخطط الغربية للتدخل في مناطق النفوذ السوفيتي السابق وخاصةً أوكرانيا التي تعتبر مدخلَ روسيا إلى مياه البحر الأسود الدافئة، وكان التدخل الغربي عبر بوابة نشر الديمقراطية، فما هي المواقف الدولية؟!
ظروف ودلالات
المواقف الدولية كانت في حد ذاتها أمرًا مثيرًا للاهتمام، فالأمريكيون صمتوا تمامًا أمام ما يحدث، على الرغم من أنهم ملأوا الدنيا صراخًا عندما كان يوتشينكو هو الذي يقود المعارضة، ويتهم يانوكوفيتش بأنه زوَّر الانتخابات وقد تدخَّل الأمريكيون وساندوا "الثورة البرتقالية" حتى تمَّت الإطاحة بيانوكوفيتش، بالإضافة إلى أن الموقف الأمريكي- بصفة عامة- يكون بالدعوة إلى التسوية السلمية للأزمة، لكنَّ هذا الموقف أيضًا لم يأخذه الأمريكيون؛ مما يشير إلى أن الحسابات الأمريكية تغيَّرت بصورة كبيرة عن تلك الحسابات التي دفعتهم لمساندة ثورة المعارضة البرتقالية.
وفيما يتعلق بالأوروبيين فقد كان الموقف في غاية الحذر ويتوافق مع السياسة الأوروبية التي تتسم بالرغبة في تحقيق الموازنة بين جميع الأطراف، فالأوروبيون يريدون من يوتشينكو أن يعود قويًّا لحكم الدولة الأوكرانية؛ باعتباره أحد الوجوه المقرَّبة من الغرب في الدول السوفيتية السابقة، لكنَّ الأوروبيين يدركون أيضًا أن يانوكوفيتش مقرَّبٌ من روسيا الراغبة في استعادة نفوذها في "التوابع السوفيتية"، وبالتالي فهم لا يريدون اتخاذ موقف معارض ليانوكوفيتش حتى لا تتضرَّر إمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا والتي تمر عبر الأراضي الأوكرانية.
ومن الموقفين الأمريكي والأوروبي فإن الواضح أن الحسابات الدولية في الفترة الحالية تغيَّرت بصورة كبيرة جدًّا بالنظر إلى تعقُّد الظروف المحيطة بملفِّ العلاقات الدولية في الدول السوفيتية السابقة، ومن أبرز تلك الظروف:
- الدرع الصاروخي: تعتبر مسألة الدرع الصاروخي الذي ترغب الولايات المتحدة في نشره على الأراضي الأوروبية إحدى أبرز "الظروف" الدولية المستجدة على الساحة السياسية الدولية، ففي هذا الملف تشهد الساحة الأوروبية انقسامًا كبيرًا حول ذلك الدرع، فألمانيا وتشيكيا يرفضان نشر هذا الدرع، كما أن روسيا- بطبيعة الحال- ترفض نشر هذا الدرع، الأمر الذي شعرت معه الإدارة الأمريكية بضرورة وقف التصعيد في هذه الفترة الحساسة التي تحتاج فيها إلى الموافقة الروسية على نشر الدرع.
- انتهاء رغبة الإدارة الأمريكية في التعاون مع يوتشينكو بعدما تحقَّقت الأهداف الرئيسية من هذا الدعم، وفي مقدمتها العمل على تكدير الاستقرار الروسي في المنطقة السوفيتية؛ حيث استطاعت الولايات المتحدة أن تصنع تيارًا داخل المجتمع الأوكراني يعارض النفوذ الروسي في أوكرانيا أو حتى العلاقات الودية مع روسيا، وقد ساهمت روسيا في ذلك عندما تسبَّبت في أزمة الغاز الطبيعي مع أوكرانيا؛ مما دعم صورة "الروسي العدو" في أذهان التيار الصاعد في المجتمع الأوكراني عمومًا وفي النخبة السياسية خصوصًا.
كما أن انتهاء دعم الولايات المتحدة ليوتشينكو يرجع أيضًا إلى تراجع المزاج الأمريكي العام عن الرغبة في دعم التيارات الإصلاحية في العالم؛ إذ بدأ الأمريكيون يطبِّقون من جديد استراتيجيتها القديمة الممثلة في دعم الأنظمة الديكتاتورية من أجل تحقيق مصالحها، وهي الاستراتيجية التي تتضح في منطقة الشرق الأوسط بصورة أكثر من غيرها في العالم.
ويمكن تأكيد أن الأمريكيين بدأوا يتخلون عن حلفائهم في الدول السوفيتية السابقة بالنموذج القيرغيزي؛ حيث انتهت الآن "الثورة البنفسجية" في هذا البلد بعد أن ساهمت الولايات المتحدة في تحريك الأوضاع السياسية في قيرغيزستان ضمن استراتيجيتها لإثارة "القلق السياسي" في الامتدادات الحيوية لروسيا، وبصرف النظر عما أدَّت إليه هذه التحركات الأمريكية في الشأن القيرغيزي فإن المصلحة تحقَّقت بخروج الرئيس الموالي لروسيا علي عكاييف من الرئاسة دون النظر إلى أن الرئيس الجديد وهو كرمان بك بكاييف ليس مواليًا للغرب، فيكفي الأمريكيين أن يكون الرئيس في قيرغيزستان غيرَ موالٍ لروسيا.
الإصلاح الخارجي
بغرض النظر عن هوية الفائز في معركة "تكسير العظام" السياسية بين رئيس الحكومة فيكتور يانوكوفيتش ورئيس الدولة فيكتور يوتشينكو فإن الشاهد الرئيسي في هذا السياق هو أن التدخل الخارجي في عملية الإصلاح السياسي لا يؤدي أبدًا إلى تحسين الأمور، بل على العكس فإنه يؤدي إلى تردِّيها لمستويات جديدة من التأزُّم لا تخدم المصالح العليا للدولة والشعب.
والنموذج الأوكراني في هذا الإطار واضح جدًّا، فالتدخل الأمريكي في عملية الإصلاح السياسي لم يؤدِّ إلى تحسين الوضع واستقرار البلاد، بل على العكس زاد من الأزمة الداخلية، ويرجع ذلك إلى الكثير من العوامل، وفي مقدمتها:
- عدمُ قراءة الأمريكيين للمشهد السياسي في الدول التي يتدخلون فيها، فهم لم يقرأوا بصورة جيدة المشهد الأوكراني، وحسبوا أن مجرد الدعم ليوتشينكو سيؤدي إلى إسقاط النفوذ الروسي في البلاد منخدعين بمسارعة الأوكرانيين إلى محاولة إيجاد شخصية مستقلة لبلادهم بعيدًا عن ذيول الحقبة السوفيتية؛ حيث حسبوها محاولةً للسير في الاتجاه الآخر، وهو الاتجاه الغربي، فبدأ الأمريكيون على أساس هذه القراءة الخاطئة في السعي إلى التدخل في الشأن الأوكراني، إلا أنه بعد حوالي عامَين ونصف من بدء الأزمة فإن مؤيدي يانوكوفيتش لا يزالون نشطين في الداخل الأوكراني إلى الحدِّ الذي أوصل زعيمَهم يانوكوفيتش إلى منصب رئاسة الحكومة.
- فشَلُ الأمريكيين في تقدير قوة الجبهة التي قادها يوتشينكو كمعارضة أثناء فترة تولي يانوكوفيتش لرئاسة الدولة؛ حيث بدأت "الثورة البرتقالية" في التآكل بسبب الانقسامات الداخلية، والتي كان من أبرز أبطالها جوليا تيموشينكو التي انشقَّت عن يوتشينكو بسبب مخالفته للمبادئ التي قامت عليها الثورة السياسية ضد النظام الحاكم.
- تغيير الأمريكيين لاستراتيجيتهم في نشر الديمقراطية حول العالم بالعودة إلى سياسة دعم الأنظمة الديكتاتورية من أجل تحقيق أهدافها، وهي الاستراتيجية التي لا يوجد أي فارق في تطبيقها بين الديمقراطيين والجمهوريين، فبعدما تراجعت الإدارة الأمريكية عن مطالبتها لنظُم الشرق الأوسط بالقيام بعمليات إصلاح سياسي من أجل ضمان تأييد هذه الأنظمة لسياساتها في المنطقة- وخاصةً في العراق- تأتي زيارة الرئيسة الديمقراطية لمجلس النواب نانسي بيلوسي إلى سوريا للتباحث مع الرئيس بشار الأسد، وهي الزيارة التي أكدت بيلوسي أنها تأتي من أجل فتح باب حوار مع سوريا، واصفةً ذلك الحوار المفترض بأنه "مهمٌّ"، وهو ما يعني عدم وجود أي خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين على ضرورة دعم الأنظمة التي تتفق سياساتها مع المصالح الأمريكية دون النظر إلى موقفها من مسألة الإصلاح السياسي، وما إذا كانت ترغب في دعم الممارسة الديمقراطية أو لا..!!
إن تجربة الإصلاح القادم من الخارج في أوكرانيا توضِّح أنه إصلاحٌ موجَّهٌ لتحقيق مصالح القوى الدولية التي تدفع من أجل حدوثه، ولا يهدف إلى تحقيق المصالح الحقيقية للشعوب التي تمرُّ بالإصلاح؛ حيث إنه إصلاح سياسي لا ينبع من واقع مشكلات المواطنين الحقيقية والتي تتركَّز بصفة عامة في الواقع المعيشي بعيدًا عن العلاقات الدولية وتعقيداتها.