أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء التعديلات الجديدة التي أدخلها الرئيس الفلسطيني على قانون الانتخابات العامة بموجب قرار بقانون صادر في 9 أغسطس 2026، محذراً من أن بعض هذه التعديلات لا تقتصر على تنظيم العملية الانتخابية وإنما تمس جوهر الحق في المشاركة السياسية وحرية الاختيار وتفرض قيوداً سياسية مسبقة على حق المواطنين في الترشح.
وقال المركز في بيان له الثلاثاء: إنه يتابع بقلق بالغ السلسلة المتلاحقة من القرارات بقانون التي أصدرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتعديل القرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة، وآخرها القرار الصادر بتاريخ 9 أغسطس 2026 الذي ألغى التعديل السابق الصادر في يونيو من العام ذاته والقاضي برفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وأعاد العدد إلى 132 عضواً، بينما أبقى على جملة من الأحكام الخلافية التي أدخلت خلال الأشهر الماضية، وفي مقدمتها الاشتراطات السياسية المفروضة على المرشحين.
ورأى المركز أن هذا التبدل المتكرر في بنية القانون الانتخابي، بمعزل عن مضمون كل تعديل على حدة، يعكس نمطاً من صناعة القرار الفردي يتعارض مع طبيعة هذا القانون بوصفه من القوانين ذات الطابع الدستوري المنظمة للنظام السياسي الفلسطيني، وهو ما يستدعي مساءلة الجهة المصدرة والمسار الذي اعتمد لإقراره لا مضمون كل تعديل بمعزل عن سابقه فحسب.
وأشار إلى أنه منذ الإعلان عن التحضير للاستحقاقين التشريعي والرئاسي، شهد قانون الانتخابات ثلاثة تعديلات جوهرية خلال أقل من عام واحد؛ الأول برفع سقف مقاعد المجلس التشريعي إلى 200 عضو في حزيران/يونيو 2026، والثاني بإجراءات متصلة بانتخابات الهيئات المحلية أواخر عام 2025، والثالث بإلغاء التعديل الأول وإعادة العدد إلى 132 عضواً في التاسع من أغسطس الجاري، وجميعها صدرت بصفتها قرارات بقانون عن رئيس السلطة الفلسطينية منفرداً، في ظل غياب المجلس التشريعي منذ حله عام 2018 واستمرار حالة الانقسام السياسي.
وأوضح المركز أن خطورة التعديلات لا تنبع فقط من مضمون بعض موادها وإنما من الطريقة التي يجري بها إعادة تشكيل قواعد المنافسة السياسية بقرارات بقانون صادرة عن السلطة التنفيذية في ظل غياب مجلس تشريعي منتخب وفعّال، وهو ما يعمق حالة التفرد في صناعة القواعد التي يفترض أن تنظم التنافس على السلطة نفسها.
وذكّر بأن القانون الأساسي الفلسطيني ينص على أن نظام الحكم يقوم على الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية. كما يكفل للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية أفراداً وجماعات وحق التصويت والترشح وتقلد الوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص.
وأشار المركز الحقوقي إلى أن المادة (43) من القانون الأساسي تمنح الرئيس صلاحية إصدار قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير وفي غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي. إلا أن هذه الصلاحية استثنائية بطبيعتها وليست بديلاً دائماً عن السلطة التشريعية أو وسيلة لإعادة بناء قواعد النظام السياسي بمعزل عن النقاش العام والمشاركة الوطنية. كما تشترط المادة عرض هذه القرارات على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها وإلا زالت عنها قوة القانون.
واعتبر المركز أن أكثر المواد إثارة للقلق تتمثل في تعديل شروط الترشح بما يلزم القائمة الانتخابية والمرشح بالإقرار بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وأكد المركز أن الاعتراف بمنظمة التحرير ومكانتها الوطنية والسياسية والالتزام ببرنامجها السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لفرض التطابق السياسي كشرط لممارسة حق دستوري في الترشح.
وشدد على أن الانتخابات الحرة لا تقوم على اختبار ولاء المرشح للسلطة أو لبرنامج سياسي محدد مسبقاً وإنما على إتاحة المجال أمام المواطنين للتنافس وعرض برامجهم واختياراتهم أمام الناخبين. ومن حق الناخب أن يرفض هذه البرامج أو يقبلها عبر صندوق الاقتراع.
ونبه إلى أن استخدام عبارات واسعة مثل "البرنامج السياسي والوطني" و"قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة" يثير إشكالية إضافية تتصل بغياب معيار موضوعي ودقيق يمكن على أساسه تحديد مدى التزام المرشح بهذه المرجعيات، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام تفسير سياسي أو إداري للشرط وتحويله من قاعدة تنظيمية إلى أداة للإقصاء.
وحذر المركز الحقوقي من أن اشتراط تقديم إقرار سياسي مسبق يمكن أن يؤدي عملياً إلى نقل مركز الحسم في أهلية المرشح من إرادة الناخبين إلى الجهة التي تملك تفسير مدى توافق موقفه السياسي مع المرجعيات المحددة في القانون.
وشدد على أن ذلك يتعارض مع جوهر الحق في المشاركة السياسية الذي يفترض أن تكون القيود المفروضة على الترشح محددة وموضوعية ومعقولة وألا تستخدم لاستبعاد فئات من المواطنين بسبب آرائهم السياسية.
وأكد أنه بموجب معايير حقوق الإنسان المعتمدة فإن الحق في الترشح لا يجوز تقييده بقيود غير معقولة أو تمييزية، مشددا على أن الانتخابات هي الآلية التي يمارس من خلالها المواطنون حقهم في المشاركة في إدارة الشأن العام واختيار ممثليهم بحرية.
وأشار المركز إلى أن المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على حق كل مواطن في المشاركة في إدارة الشؤون العامة والتصويت والترشح في انتخابات دورية حقيقية تقوم على الاقتراع العام والمتساوي وتضمن التعبير الحر عن إرادة الناخبين. كما تؤكد المادة 26 مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز بسبب الرأي السياسي أو غيره.
وبناء على ذلك، أكد مركز غزة أن أي قيود على حق الترشح يجب أن تكون مرتبطة بأهداف مشروعة وأن تستند إلى معايير موضوعية ومعقولة وألا تتحول إلى وسيلة لتصفية الخلاف السياسي أو إعادة تشكيل المجال الانتخابي بما يخدم طرفاً سياسياً بعينه.
وعبر المركز كذلك عن قلقه إزاء التعديل الذي يتيح للرئيس في حال تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن أن يجريها بصورة غير متزامنة، وهو ما تم فعلا حيث جرى تقديم الانتخابات التشريعية وتأجيل الرئاسية، رغم التقديرات العامة أن الأولى في الحالة الفلسطينية حاليا هي الرئاسية.
ورأى المركز أن مثل هذا النص يحتاج إلى معايير واضحة وموضوعية تحدد حالات التعذر وآليات إثباتها والمدة الزمنية التي تفصل بين الانتخابات حتى لا تتحول الصلاحية إلى سلطة تقديرية واسعة تسمح بتحديد توقيت الاستحقاقات الانتخابية خارج إطار قواعد مستقرة ومعلنة مسبقاً.
وشدد على أن استقلال العملية الانتخابية لا يتعلق بيوم الاقتراع فقط وإنما يبدأ من لحظة وضع قواعد المنافسة وتحديد شروط الترشح وينتهي بإعلان النتائج والفصل في الطعون.
وأشار المركز إلى أن التعديلات تتضمن بعض الأحكام الإيجابية من حيث المبدأ، ومن بينها تعزيز تمثيل المرأة في القوائم الانتخابية وخفض سن الترشح إلى 23 عاماً وخفض نسبة الحسم إلى 1% وتطوير بعض إجراءات الطعن وإعادة التدقيق في النتائج.
إلا أن هذه الجوانب – وفق المركز الحقوقي- لا ينبغي أن تحجب الإشكالية الأساسية المرتبطة بتسييس شروط الأهلية للترشح والتفرد بتعديل القانون والتوقيتات.
وبين المركز الحقوقي أن خفض سن الترشح وتوسيع تمثيل النساء لا يحققان بالضرورة مشاركة سياسية حقيقية إذا كانت أبواب المنافسة نفسها خاضعة لشروط سياسية يمكن أن تستبعد أصحاب الآراء المخالفة أو المستقلين أو القوى التي لا تتبنى البرنامج السياسي المطلوب.
وشدد مركز غزة على أن تنظيم الانتخابات يجب أن يكون نتيجة توافق وطني واسع وليس أداة لإعادة هندسة النظام السياسي من أعلى، مؤكدا أن القواعد الانتخابية يفترض أن تكون مستقرة وواضحة ومحايدة بما يكفي لضمان ثقة جميع الأطراف في العملية الانتخابية.
وشدد على أن تغيير القواعد بصورة متكررة وبقرارات تصدر عن السلطة التنفيذية ومن دون مشاركة تشريعية ومجتمعية واسعة فإنه يضعف الثقة العامة ويعزز الانطباع بأن القانون يجري تكييفه وفق مقتضيات اللحظة السياسية بدلاً من أن يكون إطاراً مستقراً لحماية الإرادة الشعبية.
وحذر المركز الحقوقي بصورة خاصة من أن تحويل الاختلاف السياسي إلى معيار للأهلية الانتخابية يمثل خطراً على التعددية السياسية وحرية الرأي والتعبير وحرية التنظيم والمشاركة في إدارة الشأن العام، مؤكدا على أنه لا يجوز أن تصبح الانتخابات وسيلة لإنتاج توافق إجباري قبل أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع.
وطالب مركز غزة لحقوق الإنسان بإعادة النظر في شروط الترشح ذات الطبيعة السياسية وإلغاء أي نص يجعل الالتزام ببرنامج سياسي محدد شرطاً لممارسة الحق في الترشح، واعتماد معايير موضوعية ومحددة وقابلة للمراجعة القضائية بشأن أهلية المرشحين والقوائم ومنع أي تفسير سياسي فضفاض لشروط الترشح.
ودعا إلى فتح حوار وطني شامل وشفاف حول قانون الانتخابات بمشاركة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجهات الحقوقية والأكاديمية، واحترام مبدأ التعددية السياسية وحرية الرأي والتعبير وحق المواطنين في تشكيل الأحزاب والتنظيمات السياسية والمشاركة في الحياة العامة.
وأكد ضرورة ضمان استقلال لجنة الانتخابات وعدم إخضاع قراراتها لأي تدخل سياسي أو إداري، وضمان أن تكون قرارات استبعاد المرشحين قابلة للطعن أمام قضاء مستقل وفعال.
وشدد على ضرورة ضمان أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وشاملة وتنافسية وأن يكون معيار اختيار المرشحين في النهاية هو إرادة الناخبين لا مدى توافقهم المسبق مع السلطة السياسية، مؤكدا أن الانتخابات التي تحدد مسبقاً من يحق له الدخول إلى المنافسة لا تنتج بالضرورة إرادة شعبية حرة، وإنما قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة القائمة داخل إطار انتخابي شكلي.
وشدد المركز على أن استعادة الشرعية السياسية الفلسطينية لا يمكن أن تتحقق عبر إدارة التعددية وإنما عبر حمايتها، ولا عبر فرض الإجماع وإنما عبر السماح للشعب الفلسطيني بصناعة خياراته السياسية بحرية ودون إقصاء أو تمييز.