تقرير: حسين التلاوي

أعلن عبد اللطيف سنر- نائب رئيس الحكومة التركية- أن نواب حزب العدالة والتنمية أكدوا دعمَهم رئيسَ الحكومة رجب طيب أردوجان إذا قرَّر خوض انتخابات الرئاسة التركية، ويأتي إعلان سنر في ظل رفْضٍ كبيرٍ من جانب التيار العلماني لترشُّح أردوجان لرئاسة الدولة لما يحمله من قيم إسلامية يرونها تهدِّد المنظومة العلمانية التي تحكم تركيا منذ عقود، وتحاول بكل الوسائل منْعَ استعادة الأتراك هويتَهم الإسلامية.

 

ومن المتوقَّع أن يُثير ترشيح أردوجان نفسه لرئاسة الدولة حال حدوثه الكثير من المواقف المتباينة في الغرب، وخاصةً في دول الاتحاد الأوروبي التي يخوض معها الأتراك حاليًا مفاوضاتِ الانضمام إلى عضوية الاتحاد؛ الأمر الذي سيفرض تحديًا كبيرًا على أردوجان نفسه في حالة فوزه بالرئاسة؛ للبرهنة على أن الهوية الإسلامية لتركيا لا تتعارض مع الانضمام للاتحاد الأوروبي.

 

كذلك فإن هناك العديد من الملفَّات الأخرى التي ستَفرض تحدياتٍ كبرى على أردوجان في حالة فوزه بانتخابات الرئاسة، وهي الملفَّات التي تتراوح بين الداخلية ذات الارتباطات الداخلية، كملفِّ الأكراد، والخارجية ذات الامتداد الداخلي كملف العلاقات مع الكيان الصهيوني، إلا أنه قبل النظر في تلك التحديات ينبغي إلقاء الضوء على الوضع السياسي التركي الداخلي وموقع حزب العدالة والتنمية فيه.

 

تركيا بين العلمانية والإسلامية

بدأ النظام العلماني في تركيا في 29 أكتوبر من العام 1923م عندما أعلن مصطفى كمال أتاتورك نهاية الخلافة الإسلامية وقيام الجمهورية العلمانية في تركيا، في محاولةٍ لقطع كلِّ الصلة بين الشعب التركي وجذوره الإسلامية وربط البلاد بالغرب، وقد بدأت بعد ذلك الإجراءات العلمانية في اكتساب المزيد من الشراسة، إن جاز التعبير؛ حيث بدأت كتابة اللغة التركية بالأحرف اللاتينية مع إدخال بعض التحوير عليها لكي تتناسب مع طبيعة نُطق اللغة.

 

كما تم إغلاق مختلف الزوايا وتعرَّضت الطرق الصوفية والمتدينون بصفة عامة إلى حرب ساحقة من جانب السلطات، كما تم إلغاء الاستناد إلى الشريعة الإسلامية في الحكم، كما تم حظر ارتداء الحجاب في المراحل الأولى من الحركة الأتاتوركية، بالإضافة إلى ما قام به أتاتورك في العام 1938م بإلغاء المادة الدستورية التي تنص على أن الدين الإسلامي هو دين الدولة الرسمي.

 

وقد استندت العلمانية في تركيا إلى المؤسسة العسكرية التي تُعتبر الدرع الحامي للعلمانية في البلاد، وقد سبق أن تدخلت في العديد من المناسبات من أجل الإطاحة بهذا الرئيس أو ذاك؛ من أجل ضمان استمرارية النظام العلماني، ومنع أي تهديد له، وقد نجحت المؤسسة العسكرية في ذلك على المستوى الرسمي، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعًا فيما يتعلق بمَحو الهوية الإسلامية؛ حيث لا يزال الشعب التركي- الذي يشكِّل المسلمون فيه 99.8% من تعداده البالغ حوالي 70 مليون نسمة- في أغلبيته متدينًا ولا يَعتبر نفسَه علمانيًّا، رغم كل محاولات التغريب والعلمنة التي تعرَّض لها.

 

حزب العدالة والتنمية

وقد وضح ذلك خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة؛ حيث حقق فيها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية تقدمًا كبيرًا بعد أن حاز الحزب على 363 مقعدًا في الانتخابات التي جرت في 3 نوفمبر من العام 2002م من أصل 550 مقعدًا، بينما تلاه حزب الشعب الجمهوري بزعامة دينيز بايكال على 178 مقعدًا فقط.

 

وقد جدَّد حزب العدالة والتنمية تقدُّمَه في المشهد السياسي التركي؛ حيث حصل على 41.67% في الانتخابات المحلية التي جرت في 28 مارس من العام 2004م؛ مما يعني أن تقدمه في الانتخابات التشريعية لم يكن وليد اللحظة أو أن الحزب لم يقدم الأداء السياسي الكافي لإقناع الناخبين ببرنامجه السياسي؛ حيث كان الانتصار الجديد في الانتخابات المحلية أعلى في النسبة من ذلك الذي تحقَّق في الانتخابات التشريعية، وهو ما يعني أن دور حزب العدالة والتنمية آخِذٌ في التنامي في الساحة السياسية التركية؛ مما يدعم فرص أردوجان في الفوز برئاسة تركيا إذا ما قرَّر ترشيح نفسه.