حذرت صحيفة "الجارديان" البريطانية من أن الدعوات الصهيونية إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وتوسيع الاستيطان وضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة لم تعد مجرد مواقف هامشية تصدر عن شخصيات من اليمين المتطرف، بل باتت تجد طريقها إلى مؤسسات صنع القرار، في وقت يواصل فيه المجتمع الدولي الاكتفاء، في كثير من الأحيان، بالإدانة السياسية من دون إجراءات تتناسب مع خطورة هذه التصريحات والسياسات.

وقالت الكاتبة نسرين مالك، في مقال نشرته الصحيفة، إن الفجوة بين حجم ما يتعرض له الفلسطينيون وبين رد الفعل الدولي المناسب أصبحت شاسعة، مشيرة إلى استمرار القتل والتدمير في غزة، بالتزامن مع هدم المنازل وعنف المستوطنين والإجراءات الصهيونية المتصاعدة في الضفة الغربية.

وترى أن المشكلة لم تعد في غياب وضوح الأهداف لدى اليمين الصهيوني، إذ بات مسئولون وسياسيون يعلنون بصورة مباشرة تصوراتهم بشأن مستقبل الفلسطينيين، بينما تستمر دول غربية في الحديث عن عقوبات محتملة أو إجراءات أكثر صرامة، في الوقت الذي تواصل فيه بعض الدول منح تراخيص لتصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال

وزراء يتحدثون عن التهجير

وتوقفت "الجارديان" عند تصريحات الإرهابي إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الصهيوني الذي طرح خطة لإخراج مئات آلاف الفلسطينيين من قطاع غزة خلال السنوات المقبلة، معتبرة أن مثل هذه الدعوات تمثل مشروعاً للتهجير القسري.

وأشارت إلى تصريحات وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس، الذي أعلن أن حكومته منظمة ومستعدة لطرد الفلسطينيين من غزة بكل الوسائل الممكنة.

وتكمن خطورة هذه التصريحات، وفق الصحيفة، في أن أصحابها ليسوا شخصيات سياسية هامشية، بل وزراء يمتلكون صلاحيات مؤثرة في أجهزة الأمن والحكومة الصهيونية، بما يجعل الفصل بين الخطاب السياسي والسياسة التنفيذية أكثر صعوبة.

ونقلت "الجارديان" عن الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الصهيوني "جيورا إيلاند" قوله إن قبول كيان الاحتلال بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يعني بالضرورة التوجه إلى سلام دائم، مشيراً إلى أن إبقاء غزة مدمرة لسنوات قد يخدم، وفق رؤيته، المصالح الصهيونية.

وتطرقت الصحيفة البريطانية إلى تصريحات السياسي الصهيوني "موشيه فيجلين"، الذي تحدث عن إجبار الفلسطينيين الذين يرفضون مغادرة غزة على الرحيل، مقترحاً استخدام وسائل ضغط قاسية لتحقيق ذلك.

الضفة في نفس المسار

ولا تحصر الصحيفة مخاوفها في قطاع غزة، إذ ترى أن التطورات في الضفة الغربية تسير في اتجاه متصل، مع استمرار التوسع الاستيطاني ونقل مزيد من الصلاحيات المتعلقة بالأراضي إلى مؤسسات صهيونية.

وترى "الجارديان" أن هذه الإجراءات تعزز مخاوف الانتقال من إدارة عسكرية للأراضي المحتلة إلى ضم فعلي، خصوصاً مع تصريحات مسئولين صهاينة تربط توسيع الاستيطان بمنع قيام دولة فلسطينية.

ونقلت الصحيفة عن عضو الكنيست أحمد الطيبي قوله إن هناك محاولة مستمرة لتقديم العنصرية والتطرف في كيان الاحتلال باعتبارهما ظواهر هامشية، في حين أصبحت هذه التوجهات جزء من السياسات الحكومية.

الصمت الدولي أمام التحول

وتطرح "الجارديان" سؤالاً حول سبب استمرار التعامل الدولي مع دعوات التهجير والضم باعتبارها مجرد مواقف متطرفة، برغم أن أصحابها باتوا يمتلكون سلطة مباشرة داخل الحكومة وأجهزة الدولة.

وترى الصحيفة أن الاكتفاء بالإدانة من دون عقوبات أو إجراءات عملية يمنح الاحتلال مساحة لمواصلة سياساته، مشيرة إلى أن بعض أكثر الخطط تطرفاً قد تواجه عقبات في التطبيق، لكن أجزاء من المشروع السياسي لليمين الصهيوني بدأت بالفعل تتحول إلى وقائع على الأرض.

وتخلص إلى أن الخطر لا يكمن فقط في ما يعلنه المتطرفون الصهاينة، وإنما في تحول هذه الأفكار تدريجياً إلى سياسات قابلة للتنفيذ في غزة والضفة الغربية، بما يهدد حق الفلسطينيين في تقرير المصير ويعيد رسم الجغرافيا والسياسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي تطرحه الجارديان لا يتعلق فقط بما إذا كان اليمين الصهيوني قادراً على تنفيذ أكثر مشاريعه تطرفاً، وإنما بما إذا كان المجتمع الدولي سيتعامل مع ما يتحول بالفعل إلى سياسة على الأرض، أم سيواصل الاكتفاء بإدانة التصريحات بعد صدورها.