تقرير- حسين التلاوي

يبدو أن بول وولفوفيتز الرئيس الحالي للبنك الدولي لم يكتف بما فعله عندما اشترك في "سرقة" العاصمة العراقية بغداد من أصحابها وقت أن كان نائبًا لوزير الدفاع الأمريكي في العام 2003م؛ بل توجَّه إلى البنك الدولي لكي يواصل "سرقاته" عندما تورَّط في فضيحةٍ أخلاقيةٍ مالية، وهو يعتلي رأس أكبر واحدة من أكبر المؤسسات المالية الدولية ويطلق من فوق مقعده فيها تصريحات "لا للفساد"!!

 

فالرئيس الحالي للبنك الدولي والنائب السابق لوزير الدفاع الأمريكي يواجه حاليًّا فضيحة فساد مالية وأخلاقية كبيرة ذات العديد من الأبعاد والدلالات؛ حيث إنه متهم بمنح إحدى الموظفات في البنك الدولي ترقية وزيادة في الراتب دون أي مبرر إلا وجود "علاقة" بينهما، وقد أدَّت تلك الفضيحة إلى الكثير من الانتقادات للبنك الدولي وللإدارة الأمريكية لأن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن هو الذي قام بترشيح وولفوفيتز إلى المنصب.

 

فما هي خلفيات الأزمة...؟!! ومَن هو وولفوفيتز وكيف دخل إلى القواميس السياسية والصحفية والاجتماعية العربية..؟! وكيف يمكن أن تؤثر تلك الفضيحة على سمعة البنك الدولي المتدهورة من الأساس؟!!

 

الفاسد الصهيوني!!

يجب بالتأكيد تقديم تعريف- ولو بسيط- بشخصية بطل الفضيحة المالية والأخلاقية وأحد أعمدة الغزو الأمريكي للعراق، فهذه الشخصية تُدعى بول دنديز وولفوفيتز يهودي الديانة وحامل الجنسية الأمريكية والصهيونية معًا، وهو يبلغ من العمر 64 عامًا، ويُعَدُّ أحد أبرز الشخصيات السياسية والأكاديمية في الولايات المتحدة كما أنه واحدٌ من أبرز رموز التيار السياسي الأمريكي المُسمَّى بـ"المحافظين الجدد" والذي تسبب في كارثة الغزو الأمريكي للعراق، وأدخل العالم في حربٍ ضد ما يزعم أنصار هذا التيار أنه "الإرهاب" ليكتشف العالم بعدها أنه دخل في "حرب أهلية"!!

 

بدأت علاقته بوزارة الدفاع الأمريكية في العام 1977م كمساعدٍ لنائب وزير الدفاع الأمريكي لشئون البرامج الإقليمية، وبعد ذلك تدرَّج في المناصب في الحياة السياسية الأمريكية؛ حيث تولَّى في فترةٍ تاليةٍ منصب السفير الأمريكي لدى إندونيسيا ثم صعد في وزارة الدفاع ليتولى منصب نائب وزير الدفاع الأمريكي ليشارك في الحرب على العراق، وقد عُرِفَ عن وولفوفيتز رغبته في إدخال الولايات المتحدة إلى منطقة الخليج العربي من أجل التصدي للنفوذ السوفيتي في المنطقة العربية.

 

ولما سُئِلَ ذات مرة عن الدولة التي يمكنها أن تمثل تهديدًا على استمرار تدفق النفط الخليجي للغرب قال إنها العراق، ووضع العديد من الأسباب وفي مقدمتها الاتجاه العروبي الذي تتبناه إلى جانب معاداتها للسياسة الأمريكية، ومن هنا يتضح أحد الأسباب الرئيسية التي قادت إلى الغزو الأمريكي في العراق الذي كان وولفوفيتز أحد مهندسيه؛ حيث جاءت آراء وولفوفيتز بناء على تكوينه الفكري الصهيوني باعتباره حاملاً لجنسية الكيان الصهيوني الذي كان ينظر إلى عراق ما قبل الغزو على أنه أحد مهددات وجوده، وإلى جانب ذلك، فهناك انتماء وولفوفيتز الفكري إلى تيار المحافظين الجدد المعروف بقربه من دوائر الصهيونية العالمية؛ حيث يجعل هذا التيار حماية أمن الكيان الصهيوني في مرتبة دينية عليا، وبالتالي فإن تصريحات وولفوفيتز بأن العراق يجب أن يكون هو الهدف القادم لأية محاولات تدخل أمريكية في المنطقة.

 

وكنتيجةٍ تراكميةٍ لتلك التوجهات الفكرية لبول وولفوفيتز- وغيره الكثير- قام الأمريكيون بغزو العراق في مارس من العام 2003م، وبدأ الصهاينة في التدفق على العاصمة العراقية بغداد ليجمعوا الوثائق التاريخية والآثار العراقية البابلية في محاولةٍ للاستيلاء على التاريخ العراقي بعدما استولوا على الجغرافيا على يد حلفائهم من أنصار تيار المحافظين الجدد!!

 

أصل الفضيحة

تفجَّرت الفضيحة بعدما كشفت رابطة موظفي البنك الدولي أن هناك أمرًا ما خطأ فيما يتعلق بالترقية التي حصلت عليها الموظفة السابقة في البنك شاها رضا قبل انتقالها إلى الخارجية الأمريكية، فقد أشارت الرابطة إلى أن الترقية التي حصلت عليها شاها كانت متناقضةً بصورةٍ صريحة مع القواعد المتبعة في الترقيات في البنك الدولي، إلى جانب أن الزيادات المالية التي حصلت عليها في الراتب السنوي وصلت إلى 61 ألف دولار مما أوصل راتبها السنوي إلى 193.5 ألف دولار أي أكثر مما تحصل عليه وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس التي وهي رأس الوزارة التي انتقلت إليها شاها قادمة من البنك الدولي.

 

وكانت شاها على علاقة بوولفوفيتز قبل أن يتولى رئاسة البنك الدولي في يونيو من العام 2005م وقد دعاه بعض المستشارين إلى ضرورة نقلها خارج البنك الدولي بعدما تولَّى رئاسته وتكشف أمر العلاقة بالنظر إلى أن بقاءها في المنظمة الدولية، وهي على علاقة برأس المنظمة يعتبر "تضاربًا في المصالح"، وبالتالي يجب نقلها إلى خارج المنظمة فتم تعيينها في وزارة الخارجية في سبتمبر من العام 2005م، لكن بعد أن حصلت على الترقية والزيادة في الراتب أي بعدما كانت فضيحة الفساد قد تمَّت واعترف وولفوفيتز بأن ما فعله كان "أمرًا خاطئًا"!!

 

وقد أدَّت تلك الأزمة إلى ردود فعل متباينة في الولايات المتحدة، فبينما جدد البيت الأبيض ثقته في وولفوفيتز طالبت بعض الأصوات داخل الولايات المتحدة باستقالة رئيس البنك الدولي، ومن بين تلك الأصوات جريدة الـ(نيويورك تايمز) الأمريكية التي طالبت في العدد الصادر أمس بالاستقالة، مؤكدةً أنه من الصعب جدًّا أن يدير وولفوفيتز شئون المنظمة الدولية ويتخذ القرارات الصائبة بينما هو متهمٌ بالفساد.

 

كيف يستمر البنك الدولي...؟!!

من المتوقع أن تؤثر هذه الفضيحة على عمل البنك الدولي بالنظر إلى أن وولفوفيتز حمل شعار محاربة الفساد عندما تولى رئاسة المنظمة الدولية إلا أنه سقط في فخ الفساد بعد حوالي عام ونصف من ذلك؛ مما يجعل من الصعب جدًّا أن يقول أي شخص- مهما كانت درجة ثقته في البنك الدولي- أن سمعة المنظمة الدولية ستكون كما هي بعد تفجر تلك الفضيحة.

 

وقد أشارت ردود الفعل التي ظهرت بعد الكشف عن الفضيحة إلى أن البنك الدولي سوف يواجه أزمةً كبيرةً جدًّا في الحصول على تمويل لخطط البنك الرامية إلى زيادة المساعدات المقدمة من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة؛ حيث قالت هايدماري فيتزوريك- زول وزيرة التنمية الألمانية إن تقديم تمويل جديد للبنك الدولي في المرحلة القادمة سيكون أمرًا عسيرًا بالنظر إلى أنه مؤسسة "تقوم على أساس المصداقية"، في إشارةٍ صريحة إلى أن مصداقية البنك الدولي قد تضررت كثيرًا.

 

وعلى الرغم من أنَّ كثيرًا من المحللين يرى أن المتهم هو بول وولفوفيتز رئيس البنك الدولي لا البنك الدولي كمنظمة أو رئيس البنك كمنصب اعتباري إلا أن الأثر سلبي قد بدأ في الظهور بالفعل، والدليل هو تصريحات الوزيرة الألمانية.

 

أمرٌ آخر قد تضرر كثيرًا وهو سمعة الإدارة الأمريكية فوولفوفيتز لم يكن فقط نائب وزير الدفاع الأمريكي؛ بل كان أيضًا أحد رموز الإدارة وأحد أبرز مهندسي الحرب على العراق وقد وقف- ضمن الكثيرين من مسئولي الإدارة الأمريكية- على أرض بغداد ليؤكد استيلاء الغزاة الكامل عليها، كما أن ترشيحه لمنصبه الجديد جاء بـ"أمر" من الإدارة الأمريكية، وبالتالي فإنه يحظى بالرضا الأمريكي وأفعاله في منصبه الجديد محسوبة على الإدارة الأمريكية على الأقل من الناحية المعنوية.

 

ماذا تعني تلك الفضيحة...؟!

أعادت هذه الفضيحة تسليط الأضواء على أمرٍ معروف علانيةً في العالم العربي وضمنيًّا في العالم الغربي وهو الدور اللا أخلاقي الذي تلعبه الصهيونية العالمية في إدارة الشئون الدولية، فوولفوفيتز ينتمي إلى تيار المحافظين الجدد، وهو يهودي الديانة، وبالتالي فهو يُمثِّل كل الأبعاد الظاهرة للصهيونية العالمية، وجاءت فضيحة التجسس لكي تجعله يمثل أحد الأبعاد الخفية للصهيونية العالمية وهو "اللا أخلاقية".

 

وفيما يتعلق بالإدارة الأمريكية، فقد أثبتت هذه الفضيحة أن القيم الأمريكية التي أرادت إدارة "المحافظين الجدد" نشرها في العالم هي قيم الفساد المالي والانحلال الأخلاقي، كما أثبتت أن "الصبغة الدينية" و"الطابع الأخلاقي" اللذين حاول الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إضفاءهما على خططه للحرب على العراق هي مجرد دعاية رخيصة لإدارة مليئة بالمتطرفين والفاسدين الذين وجدوا أنفسهم في موقع السلطة فانطلقوا بعقلية "راعي البقر الأمريكي" المسلح بالنفوذ الصهيوني والسلاح الأمريكي ليحتلوا أعلى مناصب العالم فكانت النتيجة السقوط المدوي لوولفوفيتز أثناء محاولة سرقة البنك الدولي بعدما أفلت من جريمته في الإعداد لغزو العراق والتي يستحق عنها لقب "لص بغداد"...!!