- التقرير يحمل العديد من الفضائح والاتهامات الموجهة للحكومة
- الأهالي تجوَّلوا بين المستشفيات والمشارح بحثًا عن المفقودين
يناقش مجلس الشعب في جلسته اليوم الإثنين التقرير النهائي للجنة الخاصة لتقصي الحقائق، والذي يحمل العديد من الفضائح الحكومية بشأن غرق العبَّارة (السلام 98) في مياه البحر الأحمر، ويتضمن تقرير اللجنة 592 صفحةً، ويتهم التقرير هيئة السلامة البحرية بالتهاون والإهمال في تطبيق القواعد المنصوص عليها في القوانين والمعاهدات والأعراف الدولية لضمان سلامة الركاب.
ويؤكد التقرير أن الإهمال والتهاون تعلَّق بتحديد عدد الركاب المسموح للسفينة بنقلهم أو معدَّات الإنقاذ من "فلايك ورمانات" يقتضي مداومة فحصها، والتأكد من صلاحيتها لإنقاذ الركاب عند تعرض السفينة لحادث غرقها.
يشير التقرير إلى عدم التزام شركة السلام للنقل البحري التي تتبعها العبَّارة الغارقة بأساليب الإدارة الآمنة المنصوص عليها في قانون التجارة البحري وقانون سلامة السفن رقم 232 لسنة 1989م ومدوَّنة الإدارة الآمنة الصادرة من هيئة الملاحة البحرية الدولية IMO.
وأوضح التقرير أن قرار الاتهام المؤرَّخ في 25/5/2006م من النائب العام أسفر عن أن المتسبِّب في موت 1033 شخصًا مبيَّنةً أسماؤهم في التحقيقات أُسندَ إلى عشرة أشخاص من بينهم أربعة متوفين من طاقم العبارة الغارقة، والباقون هم المهندس ممدوح إسماعيل رئيس شركة السلام للنقل البحري ونائبه عمرو ممدوح إسماعيل وثلاثة من العاملين بالشركة والقبطان صلاح الدين السيد جمعة ربان السفينة سانت كاترين، والذي نكل عن مساعدة من تبقَّى من ركاب السفينة الغارقة (السلام 98) حال وجودهم في البحر يشرفون على الغرق.
وأكدت اللجنة في تقريرها أنه ثبت من جميع التحقيقات الفنية والجنائية والعسكرية التي تمَّت في الواقعة أن إشارات استغاثة العبَّارة وردت إلى الجهاز المختص بالشركة الوطنية لخدمات الملاحة الجوية التابعة لوزارة الطيران المدني الساعة الثالثة وتسع دقائق من صباح يوم الجمعة 3/2/2006م، وقد ذكرت وزارة الطيران المدني في خطاباتها التي وردت إلى اللجنة أن هذه الإشارات تم إرسالها آليًّا في حينها إلى الجهاز المختص بتلقيها في جهاز البحث والإنقاذ، بينما نفى تحقيق المدعي العام العسكري ورود تلك الإشارات إلى جهات البحث والإنقاذ في المواعيد المذكورة والممدودة من الجهاز الآلي بتلقي الإشارات بالطيران المدني، على أساس أن الجهاز كان معطلاً، وهو الأمر الذي ردَّت عليه وزارة الطيران المدني بأنه الجهاز الخاص بها لم يكن به عطل، وإذا كان هناك عطلٌ فربما يكون من الجهاز الموجود بمركز البحث والإنقاذ وليس الجهاز الموجود بالشركة الوطنية لخدمات الملاحة الجوية.
وأكدت اللجنة في تقريرها أن هذه النتيجة لا تحُول دون إنقاذ أية مسئولية مشتركة مع المسئولين عن إدارة الشركة المالكة للعبَّارة المنكوبة في ضوء ما ثبت لدى المحكمة الجنائية المختصة.
وأضاف التقرير في نبرة شديدة أن هناك مخالفةً أليمةً.. أنه إذا كان السيد رئيس الجمهورية قد بادر إلى تقديم واجب العزاء للأمة في مصابها الجلل وأعطى توجيهاته للحكومة بمواجهة آثار الحادث ومواساة المضارين ثم انصرف إلى مهامه الأخرى فإنه كان على الحكومة أن تقيم معسكرًا للعمل قريبًا من مكان الحادث؛ حتى تفرغ من التقاط الناجين وانتشال جثث الضحايا وما يتفق مع رهبة الموت وحرمة الموتى المظلومين، إلا أن هذا لم يحدث ولا أحد اعتنى بهؤلاء الغرباء الذين استبدَّ بهم الحزن والشعور بأن أحدًا لا يكترث بهم، وعندما بدا منهم الاستياء بعد ذلك واجهتهم جحافل قوات الأمن المركزي تحمل الهراوات والدروع وتُلقي عليهم القنابل المسيلة للدموع حتى غصَّت حلوقهم يبكون فقدان الأحباب وإحساس الذل والمهانة والاغتراب في وطن كانوا يظنون أنهم يملكون شيئًا من ترابه!!
وقال التقرير- الذي يحمل كافة أنواع المرارة-: لقد بلغت المأساة ذروتها عندما وضعت الجثث في أكياس عليها أرقام لا تدل على شيء، ووُزِّعت على المستشفيات العامة والمركزية في عدد من محافظات الصعيد والوجه البحرين فضلاً عن 70 جثةً غير معلومة الهوية أرسلت إلى مشرحة زينهم بالقاهرة!!
وأشار التقرير إلى أنه أصبح لزامًا على كل من يريد التعرف على جثث أحد أقربائه ليقوم بدفنها أن يتجوَّل بين هذه المستشفيات والمشارح على امتداد عشرات المدن وآلاف الكيلومترات؛ ليتصفح وجوه الموتى التي اهترأت لحومُها وتمزَّقت عروقُها وتشوَّهت ملامحها بما نهشته منها وحوش البحر، وكأننا قد أصبحنا في حاجة لأن يبعث الله إلينا مرةً أخرى غرابًا يبحث في الأرض ليرينا كيف نواري سوءات إخوتنا لنصبح من النادمين!!
وتساءل التقرير: كيف لا ترتجف قلوب الذين لم يؤدوا واجبهم تجاه مواطنيهم ولا تطرف أعينهم لما أصاب آلاف الأُسَر من أبناء الوطن الذين كانوا يترقَّبون عودة عوائلهم فلم يعودوا، وقد ذهبوا إلى بلاد الغربة يتلمسون الرزق المغموس في الانكسار بعد أن ضاقت عليهم أرضهم بما رحبت؟!
وأكد التقرير في لغة حادَّة أنه كان يمكن تلافي الكثير من العوار الذي صاحب إدارة الأزمة لو كان اهتمام الحكومة بالأمر قد ارتفع إلى مستوى ما تحدث به السيد رئيس الجمهورية عندما انتقل إلى مدينة الغردقة فور توافر المعلومات عن الحادث، وأمر باتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لمواجهة آثار الحادث ومواساة المضارين، واعدًا الشعب بأن أحدًا ممن تسبَّبوا في الحادث لن يفلت من العقاب مهما كان موقعه، إلا أن الحكومة بمجرد عودة السيد رئيس الجمهورية انصرفت عن الأمر كله وتركت محافظ البحر الأحمر وحده بالإمكانيات المحدودة التي لديه ليغرق هو الآخر في المهام الكثيرة التي كان عليه القيام بها لمواجهة استقبال الناجين ومواساتهم وتوفير إمكانيات حفظ جثث الموتى إلى أن يتعرف على الأهالي.
وأوضح التقرير أن الحكومة لو قامت بواجباتها وما تملكه من كل السلطات ولو استعانت بنصوص قانون الطوارئ ما تفاقم الأمر إلى الحدِّ الذي أثار انتقاد أهالي الضحايا ووسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية.
وكشف عن مذكرة خطيرة للمدعي العام الاشتراكي عن نتائج التحقيقات التي أجراها في هذه القضية بتكليف من مجلس الشعب، كشفت المذكرة أن العبارة (السلام 98) بها قصور وسلبيات تتعلق بمعدات الملاحة والتجهيزات الفنية استوجبت أن يكون إبحارها عن الخطوط الملاحية لا يبعد عن اليابس بأكثر من 20 ميلاً حرصًا على سلامة الركاب.
واتهمت المذكرة أصحاب شركة السلام للنقل البحري باستصدار شهادات ترخيص للعبارة وشهادات ركاب أجازت لها الإبحار في رحلات دولية تزيد مسافتها المقررة ودون أدنى اهتمام بعوامل الأمان ومعدات السلامة المتاحة للعبَّارة.
وأشارت المذكرة إلى أن تشغيل العبَّارة بالمخالفة للقوانين والأعراف الدولية تكشف عن جشع مفرط ورغبة جامحة في جمع المال ولو على حساب الأرواح، وأكدت المذكرة زيادة عدد ركاب العبارة بالمخالفة لعدد المحدد بشهادات سلامة الركاب الصادرة من هيئة الإشراف الإيطالية (رينا)، والتي كانت تشرف على العبَّارة من حيث السلامة، وحدَّدت هذه الهيئة عدد ركاب العبارة بألا يتجاوز 1187 شخصًا من الركاب وأفراد الطاقم، واستصدر أصحاب العبارة شهادات ركاب لزيادة حمولتها إلى 2890 شخصًا، وأضافت المذكرة أن العبارة كانت تعمل برمَّانات نجاة تالفة، وقدم أصحاب العبارة شهادات صلاحية مزوَّرة عن صلاحية الرمانات، وقالت المذكرة إن عناية الله رعَت الركاب الذين كانت تنقلهم العبارة خلال السنوات التي سبقت غرقها.
وقالت المذكرة إنه ثبت يقينًا أن القائمين على تشغيل العبارة والمختصين بالتفتيش عليها من هيئة السلامة البحرية قد ماتت ضمائرهم ونبذوا القانون ومقتضيات الواجب الوظيفي وراء ظهورهم، ودلَّلت المذكرة على ذلك بقيام لجنة التفتيش بضبط عامل على العبَّارة يقوم بطمس بيانات الرمانات حتى لا تكتشف اللجنة تزوير شهادات صلاحيتها التي قدمها المختصون بالشركة قبل التفتيش على العبارة، كما كشفت لجنة التفتيش عدم صلاحية طفايات الحريق على العبارة وقيام الشركة التي تقوم بتشغيل العبارة بتقديم شهادات مزورة تؤكد سلامة الطفايات كما تبيَّن عدم صلاحية جهاز تسجيل أحداث الرحلة الصندوق الأسود، واتهمت المذكرة أصحاب شركة السلام بالسطو الذي جاوز الحدَّ على نحو ما شهد به رئيس هيئة السلامة البحرية، وأطلقوا على أنفسهم ملوك البحر.
وأكدت المذكرة أن كبائن العبارة خلَت من أي إرشادات عن أماكن معدات النجاة ولا عن كيفية استخدامها، وقالت المذكرة إن القائمين على تشغيل العبارة والهيئة المشرفة عليها تنكَّروا لكل القواعد القانونية وأهدروها، وهو ما يقطع بتأجيل الجشع والنهب والإيذاء في نفوسهم، ويكشف عن استعدادهم الدائم للتضحية بمصالح الوطن وأرواح المواطنين في سبيل تحقيق طموحاتهم.
وطالبت لجنة تقصي الحقائق- برئاسة حمدي الطحان في تقريرها- بإعمال سيادة القانون ومحاسبة كافة المسئولين عن الحادث، كما طالبت اللجنة بهذا التقرير إعمال حكم القانون بشأن ما ورد فيه، وإبلاغ جهاز الكسب غير المشروع بالنسبة لرئيس شركة السلام؛ باعتباره عضوًا في مجلس الشورى من ناحيته وعضوًا بمجلس إدارة هيئة موانئ البحر الأحمر.