تحليل يكتبه: أحمد التلاوي
تعصف بباكستان في الوقت الراهن أزمة سياسية عميقة تسبَّبت فيها السياسات الداخلية للرئيس الباكستاني برويز مشرف، ويبدو أنَّ معركة استقلال السلطة القضائية ستكون هي عنوان المرحلة القادمة في الحياة السياسية الباكستانية، وهي المعركة التي تتضامن فيها مختلف القوى السياسية الوطنية في باكستان مع افتخار محمد تشودري رئيس المحكمة العليا الباكستانية، الذي أقاله مشرف من منصبه قبل أسابيع قليلة، مثيرًا بذلك أزمةً سياسيةً هي الكبرى في تاريخ باكستان، ربما منذ الانقلاب العسكري الذي جاء بمشرف إلى الحكم قبل نحو ثماني سنوات في العام 1999م.
وفي حقيقة الأمر فإن توقيت إقالة مشرف لتشودري ربما جاء في قدريَّتِه ليكون مفتاحًا لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الباكستانية تضع مشرف أمام حدود صلاحياته وأمام حقيقة المشكلات التي تعصف ببلدٍ هو أحد أكبر البلاد الإسلامية، والتي خلقتها مرحلة حكم مشرف ورواسب الفساد من مراحل سابقة والتي كانت فقط تنتظر حدثًا من وزن إقالة تشودري الذي تقول مختلف المؤشرات الواردة من باكستان إنَّه بات يمثِّل بديلاً حقيقيًّا لنظام الحكم العسكري الراهن في باكستان، بطرح تشودري الذي يهدف إلى استقلال القضاء والعودة إلى الحكم المدني في البلاد.
![]() |
|
تشودري في كراتشي |
جاءت الأزمة الخاصة التي أشعلتها إقالة تشودري في فترةِ هادئة نسبيًّا في الحياة السياسية الباكستانية الداخلية، مع سيطرة ملف الأزمة في أفغانستان على ذهنيَّةِ صانع القرار والقوى التقليدية في البلاد- وتحديدًا الجيش والقبائل- وخصوصًا مع تنامي الضغوط الأمريكية على نظام مشرف لممارسة ما تسميه الولايات المتحدة بـ"دورٍ أكثر فاعلية" في ملف حرب الولايات المتحدة مع حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان.
وقد تفاقمت حدَّة الانتقادات الأمريكية في ظل التصاعد الكبير الراهن في أنشطة حركة طالبان مع ابتعاد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وكبار معاونيه عن أطراف أصابع قوات المخابرات والجيش الأمريكية وأعوانهما في حلف الناتو وغيرهما من الأطراف التي تُعاون الولايات المتحدة في حربها الراهنة ضد ما يسميه الإعلام الغربي في أدبياته بـ"الإرهاب العالمي".
هذا الفشل الأمريكي تواءم مع تقارير تفيد بالآتي:
- استمرار عناصر في الجيش الباكستاني ومؤسساته وخاصةً جهاز المخابرات العسكرية الباكستانية الرهيبة في دعم حركة طالبان؛ حيث كانت المخابرات العسكرية الباكستانية إحدى أهم الأطراف التي دعمت ظهور واستمرار الحركة منذ أيامها الأولى، وكان ذلك تحديدًا إبَّان رئيس الجهاز الأسبق الجنرال الأسطوري حميد جول أحد أبرز الشخصيات التي ارتبطت بالملف الأفغاني منذ الاحتلال السوفيتي السابق للبلاد (1979- 1989م).
- دخول القبائل البشتونية الموجودة على الجانب الباكستاني من الحدود الأفغانية- الباكستانية على خط الحرب الدائرة حاليًا ضد قوات الاحتلال الأجنبية في أفغانستان؛ استجابةً من هذه القبائل لاعتبارات الانتماء القبلي والديني والعرقي بينها وبين طالبان.
هذه التقارير أدَّت إلى حالةٍ من الجنون الأمريكي انعكس في صورةِ ضغوطٍ على نظام مشرف في باكستان، هذه الضغوط قادت بدورها لأمرَيْن غاية في التأثير: الأول هو استجابة برويز مشرف جزئيًّا لهذه الضغوط، والأمر الثاني كان معاكسًا في اتجاهه، وهو زيادة نقمة القوى الشعبية والأحزاب السياسية الإسلامية في باكستان ضد مشرف وسياساته، وانعكس تذمُّرها في عددٍ من الفعاليات من مظاهرات العاصمة والأقاليم، وكذلك التفجيرات في كراتشي وغيرها من المدن
