تحليل: أحمد التلاوي
بدأت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة تبنِّي مجموعةٍ من السياسات التي ترمي إلى تعزيز وجودها العسكري في العالم لخدمة أهداف مشروعها الإمبريالي العالمي الذي بدأ خلال الحرب العالمية الثانية، وتفاعل بشدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وغياب الطرف الدولي الأهم الذي كان يقف حائلاً أمام زيادة مدّ النفوذ الأمريكي الاستعماري في العالم، وهو الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الشرقية برمَّتها بذراعها العسكري ممثلاً في حلف وارسو السابق.
الإجراءات الأمريكية الجديدة في هذا الإطار تستغل عددًا من الملفات ذات الطبيعة المشتعلة التي يكفي الاقتراب منها لحدوث انفجارات لا يعلم مداها إلا الله، وهو ما يُدخل الولايات المتحدة تحت طائلة القانون الدولي؛ حيث إنَّ السياسة الأمريكية في هذا الإطار تهدِّد بحق الأمن والسلم الدوليَّيْن بأكثر ممَّا تفعل الدول التي تصنفها واشنطن في معسكر الأعداء مثل سوريا وإيران.
والمتابع لما يجري في العالم يُدرك تمامًا أنَّ أجندة الأهداف الأمريكية في هذا الإطار تتجاوز ذلك إلى ما هو معلنٌ إلى أهدافٍ أخرى أكثر خطورةً، وتتماسّ في كثيرٍ من جوانبها مع استحقاقات الأمن القومي الإسلامي والعربي، وهو ما لا يدركه كثيرٌ من حكَّام البلاد العربية والإسلاميَّة، على الرغمِ ممَّا تضعه هذه الاستحقاقات من تحدياتٍ على عتبات الدول العربية والإسلامية.
سياسات أمريكية
وضمن الإجراءات التي تعتمدها إدارة المحافظين الجدد الحاكمة حاليًا في واشنطن لدعم الوجود العسكري والنفوذ الأمني الأمريكي في العالم:
1- زيادة مساحة الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان تحت دعوى مكافحة ما يسمَّى بـ"الإرهاب العالمي"، وحماية الاستقرار الأمني والعملية السياسية في "العراق الجديد"، مع الحديث عن وجود عسكري أمريكي دائم في العراق، حتى بعد الانسحاب الأمريكي المزمع من العراق في غضون هذا العام 2007م أو العام القادم 2008م.
2- السعي إلى فرض الدرع الصاروخي الأمريكي الجديد المكوَّن من أكثر من 20 قاعدة إطلاق صاروخي وراداري متقدمة في عددٍ من بلدان أوروبا الشرقية (التشيك وبولندا) في مناطق الجوار الحيوي لروسيا.
3- مصادقة الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير على قرار إنشاء قيادة عسكرية أمريكية جديدة للقارة الإفريقية بدلاً من الوضع الراهن الذي يقسِّم القارة بين ثلاث قيادات عسكرية ضمن منظومة هيئة الأركان الأمريكية المشتركة.
وتُستكمل هذه الصورة إذا ما تمَّ وضعها بجوار سلسلة الإجراءات التي تبنتها الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م؛ حين عمدت السلطات العسكرية والاستخبارية إلى مدِّ سلسلة تحالفاتها ونفوذها وأنشطتها إلى مختلف أنحاء العالم، حتى وصل الحال إلى أنْ أصبح للقوات المسلحة الأمريكية المتحدة قواعد عسكرية في آسيا الوسطى، وتحديدًا في أوزبكستان وقيرغيزستان، وأصبح للمخابرات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه) تواجدٌ رسميٌّ في عددٍ من القواعد والمحطات الأوروبية والآسيوية، إضافةً إلى تعاون وثيق مع عددٍ من البلدان العربية والأوروبية في مجال اعتقال ونقل العناصر المشتبه في انتمائها لتنظيم القاعدة أو أي تنظيم إسلامي آخر.
وتستغل الإجراءات الأمريكية حزمةً من الملفات أو أمورًا ترى واشنطن أنَّها بمثابة تهديداتٍ لأمنها القومي، وعلى رأسها بطبيعة الحال ملف ما يُعرف باسم "الإرهاب العالمي"، إضافةً إلى أزمة الشرق الأوسط مع إيران وتحالفها السوري- اللبناني [بعض الأطراف اللبنانية فقط بطبيعة الحال مثل حزب الله بزعامة حسن نصر الله].
أزمات جديدة!!
وتطرح واشنطن مبررات للسياسات الأمريكية من عينة مواجهة "الإرهاب العالمي" وإيران وحلفائها، وهذا مجرد غطاء لأهداف كبرى على أهمية هذه الأهداف أيضًا، فالولايات المتحدة لم تنجح في حصار أنشطة القاعدة وحلفائها في أفغانستان والعراق، بل على العكس عادت طالبان بقوة إلى مناطق نفوذها في أفغانستان، بينما العنف يتصاعد في العراق إلى درجاتٍ غير مألوفة في قسوتها.