تحليل- أحمد التلاوي

تمر تجربة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا حاليًا بعددٍ من المنعطفات التي تهدِّد هذه التجربة الفريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي بالنسبة لحزبٍ مدني ذي مرجعية إسلامية، مثل حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوجان.. هذه المنعطفات التي تمر بها تجربة أردوجان ومجموعته لا تقتصر على مجموعة العوامل الداخلية فحسب، بل تتزايد وطأة التحديات التي تواجهها التجربة من حزمة من الملفات والقضايا المطروحة التي يطرحها الخارج الإقليمي والدولي على تركيا في الوقت الراهن.

 

ولعل في التزامن المفاجئ الذي تمَّ في توقيت تفجُّرِ عددٍ من الملفات الداخلية والخارجية أمام أردوجان وحكومته- وأبرز شخصياتها عبد الله جول نائب أردوجان ووزير خارجيته- ما يطرح العديد من التساؤلات حول حقيقة وجود حلفٍ "غير مقدَّس" بين بعض الأطراف في الداخل والخارج التركيَّيْن التقت مصالحهم- ولو بالصدفة- لإسقاط ليس حكومة العدالة والتنمية فحسب، بل تجربة الحزب ككل في تركيا التي أثبتت نجاحًا على مدارِ أكثرِ من خمسِ سنوات، وما بين انقلاب الداخل وأزمات الخارج وترٌ رفيعٌ يبرز العديد من التفاصيل الخفية!!

 

وضع داخلي متأزِّم!!

الأزمة الداخلية التي قُتلت بحثًا وتعليقًا في الفترة الأخيرة والخاصة بانتخابات الرئاسة التي عرقلها العلمانيون والتي وصلت إلى حدِّ حلِّ البرلمان وإجراء انتخاباتٍ مبكرةٍ في الثاني والعشرين من يوليو المقبل تُشير إلى وجود حالة من الحشد السياسي داخل البلاد ضد حكم العدالة والتنمية، وصلت إلى حدِّ حدوث انفصال كامل بين جناحي الحكم في البلاد، وحتى داخل كلِّ جناحٍ على حدة.

 الصورة غير متاحة

 البرلمان التركي

 

فهناك انفصال بين مؤسسة الرئاسة بقيادة أحمد نجدت قيصر وبين أردوجان حتى على مستوى العلاقات الشخصية؛ حيث ألقت بعض الصور التي التقطها بعض الصحفيين مؤخرًا للرجلَيْن خلال مناورة تدريبية للجيش التركي الضوء على حقيقة الأزمة بينهما؛ حيث لم يتبادلا كلمةً واحدةً في مناسبة من المفترضِ أنَّها بعيدة عن السياسة، وقد أثارت هذه الصور حفيظة نواب العدالة والتنمية داخل البرلمان؛ ممَّا أدَّى إلى اشتباك بالأيدي والأقدام داخل البرلمان بين نواب الحزب ونواب من التيار العلماني خلال جلسة التعديل الدستوري الأخير لتغيير طريقة اختيار رئيس الدولة من الاقتراع الداخلي في البرلمان إلى الاقتراع الشعبي المُباشر.

 

وتعمَّقت الأزمة الداخلية في تركيا بانضمام الجيش إلى موقف الرئيس الرافض لمبدأ تولِّي جول للمنصب، بالرغمِ من أنَّ الجيش دستوريًّا تابع للحكومة وليس لمؤسسة الرئاسة ذات الصلاحيات الشرفية إلى حدٍّ كبير.. أي أنَّ المؤسسات الدستورية في البلاد الآن منقسمة على نفسها بشكلٍ نادرِ الحدوث في تاريخ الجمهورية التركية القصير نسبيًّا، باستثناء فترات الانقلابات العسكرية التي كان آخرها انقلاب الجنرال كنعان إيفيرين في العام 1980م، والذي قاد إلى التعديل الدستوري الشهير في العام 1982م الذي منح الجيش التركي دورًا سياسيًّا، ونقله من خانة المؤسسة العسكرية المحترفة إلى خانة المؤسسة السياسية بامتياز، والآن يهدد الجيش بانقلابٍ جديدٍ يضيع معه كل شيء؛ حيث لن تقتصر تداعيات ذلك على تركيا من الداخل فحسب، بل ستمتد التأثيرات إلى موقف تركيا الإستراتيجي في الخارج، ولعل في التحذير الذي وجَّهه الاتحاد الأوروبي إلى المؤسسة العسكرية التركية من التدخل في الأزمة السياسية الراهنة ما يوضح بعض هذه التأثيرات.

 

والكل الآن بانتظار معركة الانتخابات المبكرة المقررة في يوليو القادم، والتي سوف تتزامن مع الاستفتاء الشعبي المقرَّر على التعديلات الدستورية الأخيرة التي أقرها البرلمان التركي في قراءتها الأولى قبل نحوِ أسبوعَيْن.<