تحليل- أحمد التلاوي
ألقت التصريحات الأخيرة لقائد قوات الاحتلال الأمريكية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس لشبكة الـ(فوكس نيوز) الإخبارية الأمريكية بأنَّ "القوات الأمريكية قد تكون ضروريةً في العراق لعِقدٍ إضافيٍّ من الزمن من أجل محاربة المسلَّحين"، والتي أكد فيها أن "العمليات ضد "التمرُّد" تدوم تاريخيًّا تسع أو عشر سنوات على الأقل".. ألقت الضوء على عددٍ من الحقائق فيما يخص قضية الوضع الأمني والعسكري في العراق والارتباطات الأمريكية به.
ومن بين هذه الحقائق التي أكَّدت عليها تصريحات القائد العسكري الأمريكي الأرفع في العراق أولاً أن الولايات المتحدة كاذبة فيما يخص مواقفها السابقة من أنَّها لا تنوي البقاء في العراق أو إقامة قواعد عسكرية دائمة فيه، فتصريحات بتريوس هذه تؤكِّد أن الولايات المتحدة تُخطِّط لبقاءٍ طويل الأمد في هذا البلد العربي المسلم المشتعل.
أما الحقيقة الثانية التي كشفت عنها تصريحات الجنرال بتريوس فهي أن السياسة الأمريكية في العراق فشلت على مختلف مستوياتها، فلا واشنطن استطاعت فرْضَ الأمر الواقع السياسي لصالح الحكومة الموالية لها برئاسة الشيعي نوري المالكي ومعه رئيس الدولة الكردي جلال الطالباني، ولا استطاعت قوات الاحتلال الأمريكية التي عادت إلى مستوياتها الأولى في سنوات الغزو المبكرة- 150 ألف جندي- فرْضَ الأمن والاستقرارَ كأحد أهم شروط إنجاح الخطط الأمريكية في العراق.
![]() |
|
جورج بوش |
ولعل مؤشرات الهزيمة العسكرية الأمريكية في العراق على وضوحها لم تكن مقنعةً للرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير حتى أواخر العام الماضي حينما أدَّت الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق إلى تدمير الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس والتي جرت في نوفمبر 2006م الماضي، بعد ذلك بدأ الرئيس الأمريكي في اتخاذ سلسلةٍ من الإجراءات على المستوى العسكري والأمني لرتق الوضع الأمريكي المهترئ في هذا المجال، خاصةً في ظل ترافق الوضع في العراق مع سلسلة من الأحوال الأخرى غير الإيجابية التي واجهت المشروع الإمبريالي العسكري الأمريكي في عددٍ من بقاعِ العالم، كما في أفغانستان ومناطق وسط أوروبا.
وانقسمت إجراءات الرئيس الأمريكي في هذا المقام إلى قسمَيْن: الأول يخص قيادات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) والقوات العاملة في أنحاء العالم، أمَّا القسم الثاني فيخص البعد الإستراتيجي للوجود العسكري الأمريكي في العالم، وتمثَّل الفعل الأمريكي بالأساس في هذا الجانب في مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي المزمع في شرق ووسط أوروبا.
وقد بدأ بوش بإقالة وزير الهزيمة دونالد رامسفيلد أحد رموز مشروع الجمهوريين الجُدد في الولايات المتحدة، ثم تلى ذلك سلسلة من الإجراءات سبقت الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق؛ حيث تمَّ تعيين ديفيد بتريوس محلَّ الجنرال جورج كايسي قائدًا لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق، والأدميرال ويليام فالون قائدًا للقيادة الوسطى للجيش الأمريكي بدلاً من الجنرال جون أبي زيد، كما تمَّ ترشيح الأدميرال مايك ماكونيل خلفًا لجون نيجروبونتي في منصب رئاسة مجلس المخابرات القومية الأمريكي، مع تعيين الجنرال دوجلاس لوت في منصب المستشار العسكري للرئيس الأمريكي في مجلس الأمن القومي.
وهي سلسلةٌ من التغييرات العميقة التي طالت أحشاء القيادات العسكرية الأمريكية لتوضِّح بشكلٍ جليٍّ أنَّ الأمور لا تسير فقط على ما لا يرام بالنسبة للأمريكيين ولكنها أيضًا تحمل دلالاتٍ كبيرةً في شأن الكارثة التي ألمَّت بالمشروع الأمريكي في العالم.
مشكلات عسكرية
بدأت الهزيمة العسكرية الأمريكية مبكرًا بالقرار الكارثي ا
