كما فشل المشروع الأمريكي في العراق من خلال مجموعة المؤشرات الأمنية والعسكرية والسياسية يمكن القول إنَّ الولايات المتحدة- وحلفاءها هذه المرة- قد فشلوا في الملف الأهم الذي واجهها في مرحلةِ ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وهو الملف الأفغاني بكلِّ ما يتصل به من قضايا رئيسية ذات أهميةٍ قصوى من وجهةِ نظر الولايات المتحدة بالنسبةِ لأمنها القومي والمشروع السياسي- الديني الذي جاء الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير يبشر به وفق ما جاءت به أجندة تيار المحافظين الجمهوريين الجُدُد في الولايات المتحدة.

 

ولكن يبدو أنَّ هذا المشروع قصير العمر؛ حيث بدأ في مطلع التسعينيات الماضية في التعبير عن نفسه، ثمَّ أعلن فشله في سنوات حكم الرئيس الأمريكي الحالي بفعل عدم قدرته على توليد قوة دفع ذاتي أو خلق نموذج جذاب يلتف حوله الأمريكيون بخلاف ما جرى في سنوات الحرب الباردة إبَّان الصراع الدولي مع الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق.

 

وتسود في الوقت الرَّاهن داخل دوائر السياسة وصنع القرار الأمني والعسكري في الولايات المتحدة مخاوف عديدة بشن حقيقة الوضع الراهن على المستوى الإستراتيجي العام بالنسبة للولايات المتحدة ومشروعها الإمبريالي التوسعي الجديد في العالم مع ظهور بوادر فشل عديدة سواءً في العراق أو في أفغانستان أو حتى فيما يتعلَّق بمجالي العمل الأكثر حيويةً بالنسبة لواشنطن عبر التاريخ، وهما أمريكا اللاتينية وأوروبا؛ فأمريكا اللاتينية رفعت عصا التمرد في وجه الولايات المتحدة، وصار بدلاً من كاسترو واحد في كوبا، أكثر من كاسترو في أمريكا اللاتينية، ولكن اسمه هوجو شافيز في فنزويلا، وأيفو موراليس في بوليفيا.

 

وفي أوروبا هناك العملاق الروسي الذي بدأ يتمطى بعد سباتٍ نسبيٍّ، وبات شوكةً في حلق المشروعات الأمريكية- الغربية لتوسيع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي شرقًا، ولعلَّ في الموقف الروسي الأخير من مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي في شرق أوروبا ما يبرز حقيقة المشكلة التي تخوض فيها الإدارة الأمريكية الفاشلة.

 

ولعل المخاوف الكبيرة الآن في الولايات المتحدة من "حالة الهزيمة" في العراق وأفغانستان تنبع من كون الأمر أكبر وأخطر بكثير من مجرَّد عثرة أمنية أو عسكرية في هذا البلد أو ذاك؛ حيث تتعدَّى هذه الحالة ذلك المستوى من التحليل إلى كون هذا الفشل، وبالذات في أفغانستان مُعبِّرًا عن:

 

- فشل المشروع الأمريكي الغربي في العالم الإسلامي.

 

- فشل الحملة الأمريكية في شأن مكافحة ما يُسمَّى بـ"الإرهاب" الدَّولي، وهو ما يعني استمرار حالة التَّخَنْدُق الأمني التي تحياها الولايات المتحدة بكلِّ أبعادها النفسية المؤثرة على الشعب الأمريكي.

 

مع فشل الولايات المتحدة في محاولاتها لفرض نفوذها في منطقة آسيا الوسطى، وهو هدف خرجت القوات المسلحة الأمريكية والمخابرات الأمريكية المركزية لتحقيقه منذ مطلع الألفية الجديدة لتحقيق مجموعةٍ من الأهداف الإستراتيجية المهمة بالنسبة للأمن القومي السياسي والاقتصادي والأمني الأمريكي، ومن بين هذه الأهداف لتطويق روسيا جنوبًا وإيران شرقًا- وغربًا من العراق- والحصول على وجود عسكري دائم في هذه البقاع المتوترة من العالم، والوجود بجوار العملاق الصيني الناهض، والقريب على مرمى حجر من موارد النفط والغاز الطبيعي الواعدة في بحر قزوين.

 

طالبان تتقدم!!

 

عناصر طالبانية تتحصن بأحد المواقع

وبعيدًا عن الإطار التحليلي السابق الذي قُتِلَ بحثًا في الفترة الأخيرة؛ فإنَّه من المهم محاولة إلقاء الضوء على أحد أهم المؤشرات التي توضِّح حجم الهزيمة الأمريكية- الأطلنطية في أفغانستان، وهو المؤشر الخاص بالتَّقدُّم الكبير الذي حققته حركة طالبان على الأرض في خلال الأشهر الأخيرة؛ وتحديدًا مُنذ مطلع العام الحالي، وهو التَّقدُّم الذي بدأ يُلامس حدود العاصمة الأفغانية كابول، بل ووصل إلى داخل العاصمة ذاتها.

 

ولعل أبرز الأدلة على خطورة الموقف الراهن لحركة طالبان هي تلك التصريحات التي صدرت عن العميد جوناثان إيف المسئول عن عمليات حلف الناتو والقوات الأمريكية في منطقة شمال شرق أفغانستان التي قال فيها إنَّ عناصرًا من حركة طالبان قد تسللت إلى جزءٍ من إقليم كابيسا، الذي يبعد حوالي 30 كيلومترًا إلى شمال العاصمة، وقال هذا الضابط الأمريكي إنَّ طالبان تعتبر هذا الإقليم بمثابة مكانٍ إستراتيجيٍّ للوصول من خلاله إلى مناطقٍ أخرى مهمة في مناطق وسط البلاد.

 

وقال إيف أيضًا إنَّ طالبان تنطلق في هذا الإطار من مديرية تغب التابعة لهذا الإقليم، وبدأت تعمل بمجموعةٍ من الأفراد كان عددهم 50 فقط وبدأوا في الازدياد حتى وصلوا إلى حوالي المائتي مقاتل، ولعل التفسير الأقرب لكلام العسكري الأمريكي هو أنَّ طالبان قامت بحشد بعض عناصر قبائل البشتون التي تسكن هذه المناطق والتي تُشكِّل 65% من تعداد سكان البلاد، وتُعتَبَر العمود الفقري لحركة طالبان.

 

حديث جوناثان إيف هذا تنبع أهميته من كونه تكرارًا كربونيًّا لملابساتٍ سابقة قيلت حول أنشطة الحركة في أو حول العديد من المواقع الجغرافية الأُخرى التي لم تلبث أنْ تحوَّل نشاط طالبان فيها من التسلُّل إلى القتال الصريح حولها ثم السيطرة بعد ذلك، ممَّا يُشير إلى وجودِ نمطٍ ثابتٍ في إستراتيجية القتال التي تتبناها حركة طالبان.

 

وقد تكرَّر هذا السيناريو في الأشهر الأخيرة، وتحديدًا منذ أواخر شتاء العام الحالي 2007م ومع بدء موسم الربيع الذي تنشط فيه طالبان في الغالب، وقد فشلت قوات الاحتلال الموجودة في أفغانستان سواءً قوات التحالف المنضوية تحت لواء حلف الناتو أو قوات الإيساف في الحدِّ من هذه العمليات؛ حيث تعمل الحركة بتكتيك قتال من شقَّيْن:

 

1- هجوم كبير يتبعه تمركُز لعناصر الحركة في بعض الأماكن التي يصعب على القوات النظامية الوصول إليها.

 

2- الانطلاق من هذه الأماكن ومن تجمُّعاتٍ أخرى قريبة لشنِّ هجماتٍ ضد قوات الاحتلال وقوات الحكومة التي تدعم الاحتلال.

 

ومن خلال تتبُّع خريطة عمل وتقدُّم قوات طالبان في الأشهر الأخيرة يمكن القول إنَّ هناك خطةَ عمل محدَّدة تتبعها الحركة، وتهدف هذه الخطة إلى التَّقدُّم نحو العاصمة كابول وحصارها للحصول على موقفٍ سياسي وعسكري أفضل بالنسبة للحركة.

 

وكانت البداية من المناطق الشرقية للبلاد؛ حيث تتركز الأغلبية البشتونية التي تنتمي إليها طالبان في مدن مثل جلال أباد وغزنى وقندهار وزابول؛ حيث معاقل الحركة الأهم على الحدود مع باكستان؛ حيث السيطرة للقبائل على حساب سلطة الحكومات، حتى أقصى الجنوب في زاراني على الحدود مع إيران.

 

ثم تحرَّكت طالبان في قوسٍ طويلٍ وواسع للغاية شمل المناطق الغربية والشمالية لأفغانستان على الحدود مع تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان؛ حيث تمكنت الحركة من السيطرة "الميدانية" على مدن مثل هيرات وقُندُز وأقاليم مهمة مثل أوروزغان ووادي بانجشير؛ حيث تُكبِّد قوات الاحتلال خسائر فادحة.

 

وهي خطة أو إستراتيجية عمل كانت لها ثمارها السياسية والميدانية بالنسبة لطالبان على النحو التالي:

 

- بدأت حكومة كابول التي نصَّبَها الاحتلال الأمريكي بقيادة الرئيس حميد قرضاي في مفاوضاتٍ غير مباشرةٍ مع طالبان لحملها على الانخراط في العملية السياسية في أفغانستان.

 

- حصلت طالبان على مواقع شديدة الأهمية من الوجهة الإستراتيجية للعمل ضد الاحتلال الأمريكي- الأطلنطي بعد تطويق كابول.

 

عوامل حفز!!
 
 الصورة غير متاحة

 عناصر من مقاتلي حركة طالبان

بشريًّا وطبوغرافيًّا استفادت الحركة من مجموعةٍ من عوامل الدعم التي لا تملكها قوات الاحتلال أو قوات حكومة قرضاي الضعيفة التدريب والعتاد:

 

1- فبشريًّا استفادت الحركة من انتمائها لأكبر قبائل البلاد؛ قبائل البشتون وهم من المسلمين السنَّة، ويشكلون نحو 65% من تعداد سكان أفغانستان البالغ عددهم حوالي 27.7 مليون نسمة، ممَّا أمَّن لطالبان موردًا هائلاً من الشباب القادر على حملِ السلاح، الذي رأى في الأمريكيين والناتو قوات احتلال لا بد من خروجها من البلاد.

 

وقد تدعَّم موقف الحركة في هذا المُقام طبيعة التعليم الديني الذي يسود أفغانستان، وكون طالبان وقادتها أساسًا من طلبة المدارس والجامعات الإسلامية الأفغانية التي تعتمد على مناهج تعليمية ذات طبيعة خاصة تُعلي من قيم الجهاد والتضحية بالنفس في مواجهة أعداء الدين والوطن والأمة، ممَّا أود جيشًا كبيرًا من الأفراد على استعداد لحمل السلاح والقيام بأيَّةِ أعمالٍ لطرد المحتل، وهو ما أهَّلَ طالبان لتحمُّل ضربات الناتو الإجرامية التي ازدادت شراسة وبات المدنيون هم الضحايا الأكثر عددًا لضربات قوات الحلف الجوية، وكان آخر هذه المجازر تلك التي قُتِلَ فيها أكثر من 120 مدنيًّا- من بينهم الكثير من الأطفال- في الغارات التي شنتها طائرات الحلف ليلة الجمعة الماضية على بلدة حيدر آباد قرب منطقة جريشك عاصمة ولاية هلمند في جنوب أفغانستان.

 

2- استغلت طالبان معرفتها الكاملة بطبيعة أفغانستان وطبوغرافيتها مقابل جهلٍ تامٍ بذلك من جانب الخصم، وهو أمرٌ شديد الأهمية في الحروب؛ حيث تمثِّل معرفة مناطق العمل الميداني أهمية قصوى للقوات والجماعات المقاتلة.

 

وفي هذا فإنَّ لأفغانستان مجموعةً متنوعةً من البيئات الطبيعية، منها الجبلية والصحراوية بجانب السهول والوديان الخصبة والصحراوية، وتنقسم البلاد إلى ثلاثِ مناطقٍ رئيسيةٍ؛ هي: السهول الشمالية، والجبال الوسطى التي تشكِّل حوالي ثلثَيْ مساحة البلاد، والمناطق المنخفضة الجنوبية التي تتكوَّن بشكلٍ رئيسي من مناطق صحراوية وشبه صحراوية، كما أنَّ لأفغانستان مناخٌ قاريٌّ قاسي شتاءً، وتتمَّيز المرتفعات بالبرد وتغطيها الثلوج الكثيفة، أما الصيف فدافئٌ غالبًا، باستثناء المرتفعات الأعلى.

 

وهي طبيعة- كما نرى- شديدة الصعوبة في القتال بالنسبة للأجانب، ممَّا كان له أكبر الأثر ليس في هزيمة الأمريكيين فحسب بل وفي هزيمة أيَّةِ قوة استعمارية أُخرى جاءت إلى هذه البلاد العصيَّة، تمامًا مثلما أمَّنت الطبيعة الجليدية القاسية لروسيا حماية مثالية ضد غزوات نابليون وهتلر في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين.

 

 

3- تعمل طالبان على المستوى العسكري الإستراتيجي بسياسةٍ جيدة تعتمد على التَّجمَّع والعمل من خلال مجموعاتٍ صغيرة مسلحةٍ بأسلحةٍ خفيفة ومتوسطة لكنها فعالة ضد العتاد الأمريكي والأطلنطي الثقيل والمدرَّع، مع عدم التمركُز في مناطقٍ مكشوفةٍ أو في معسكراتٍ كبيرة نسبيًّا يسهل ضربها، في مقابل حالة من الانكشاف الكامل لقوات الناتو والتحالُف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان.

 

فقوات الاحتلال لا تستطيع أنْ تقيم قواعدها في الجبال والكهوف، ولا تعمل سوى على الأرض المنبسطة الواسعة المكشوفة التي يسهل على مقاتلي حركة طالبان استهدافها من بعيد من الجبال التي تحيط بها من كلِّ جانبٍ، كما أنَّ قوات الاحتلال تعمل من مواقعٍ ثابتة وكبيرة كعادة القوات النظامية وهو بمثابة أهداف ثمينة وسهلة لقوات طالبان الخفيفة الحركة والتسليح ولكنها شديدة الفاعلية بفعل هذه الظروف.

 

تقريرٌ مهمٌ!!
 
 الصورة غير متاحة

أفغان يعبرون عن رفضهم لوجود الاحتلال بأراضيهم

وفي دلالةٍ كبيرةٍ على طبيعة التقدُّم والتمكُّن الكبير لحركة طالبان بفعل العوامل سالفة الذِّكر، وبالذات ما يخص دعم قبائل البشتون للحركة؛ حذَّر تقريرٌ لوزارة الداخلية الباكستانية جرى تقديمه إلى الرئيس الباكستاني برويز مشرف وناقشه مجلس الأمن القومي الباكستاني من الاتساع الكبير الراهن والمستقبلي في الانتشار لعناصر حركة طالبان "في كلِّ الأراضي الباكستانية" إذا لم تتحرك السلطات بـ"سرعة وحسم" لمواجهة ذلك.

 

وقال التقرير إن عناصر طالبان وحلفاءها من رجال القبائل باتوا أكثر عددًا ولديهم قوة نارية تفوق في شكل ملحوظ قدرات قوات الأمن الباكستانية في المنطقة القبلية المحاذية للحدود مع أفغانستان، وقال التقرير ما نصه: "إنَّ تأثير دعوة طالبان إلى المقاومة بشكلٍ متواصلٍ، له انعكاساتٌ خطرةٌ على باكستان، بجانب أنَّ هناك موقفًا عامًّا للتهدئة مع الحركة، وهو ما يدعم قوة الحركة".

 

وطبقًا لما ذكرته صحيفة الـ(نيويورك تايمز) الأمريكية فإنَّ التقرير يقف وراءه وزير الداخلية الباكستاني أفتاب خان شرباو، ولعل شرباو تأثَّر كثيرًا في إعداده لهذا التقرير بمحاولة الاغتيال التي تعرَّض لها في شهر أبريل الماضي في منطقة شرسادا الواقعة إلى الشمال الشرقي من إقليم بيشاور الحدودي الواقع في شمال غربي باكستان.

 

هذه المحاولة كما قدَّر الأمريكيون كانت لها دورٌ بالغ في القضاء على أيِّ دعمٍ محتملٍ من جانب شرباو للسياسة الجديدة للرئيس الباكستاني تجاه طالبان؛ حيث كان مشرف وفق بعض المواقف المعلنة منه في الفترة الأخيرة ينوي إجراء مفاوضات مع المجموعات القبلية التي تدعم طالبان وتحمل السلاح ضد الدولة الباكستانية بسبب دعم إسلام أباد للاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعمليات ضد طالبان على الحدود بين البلدين، بل وبعضها ينفذه الأمريكيون داخل الحدود الباكستانية ذاتها.