تحتفل تونس هذه الأيام بمرور نصفِ قرنٍ على إعلان الجمهورية في البلاد، والذي يوافق الخامس والعشرين من شهر يوليو الحالي، وتمر تونس بهذه المناسبة بمرحلةِ مخاضٍ سياسيٍّ كبيرٍ على الرغم من الاستقرار النسبي للحكم في البلاد للرئيس زين العابدين بن علي الذي أحكم قبضته عليه بعد انقلابٍ أبيض قام به في النصف الثاني من عقد الثمانينيات الماضية إبان توليه منصب وزير الداخلية على حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
هذا المخاض السياسي يتجلى في العديد من الملامح والمناسبات التي يعبِّر فيها المعارضون في تونس عن حقيقة الواقع السياسي القائم حاليًا في البلاد، وتقييمهم الخاص بهذا الوضع، ومطالبهم العامَّة للإصلاح في البلاد، ووفق ما جاء على لسان بعض رموز المعارضة التونسية في إحدى الندوات التي دعت إليها مؤخرًا هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات- وهي ائتلاف يضم عددًا من التيارات السياسية المتنوعة من إسلاميين وليبراليين وبعض الهيئات المدنية التونسية- فإنَّ هناك مجموعةً من الإصلاحات السياسية والدستورية الجوهرية اللازمة لإعادة إنتاج النظام السياسي التونسي بعد نصف قرن من الحكم الجمهوري الصوري.
والملامح العامة للإصلاح كما تطالب بها المعارضة التونسية في الداخلِ والخارج تتمحور حول إقامة نظام جمهوري ديمقراطي يكفل كافة اعتبارات الحرية وسيادة القانون والفصل بين السلطات، والتداول الديمقراطي للسلطة عبر صناديق الاقتراع الحر والسري المباشر، كذلك تحديد ولاية رئيس الجمهورية بدورتَيْن فقط، والحد من سلطاته وإقرار مبدأ مساءلته أمام هيئة مستقلة تخضع لحكم القانون وحده، مع إعادة الاعتبار للدور التشريعي لمجلس النواب واستقلال السلطة القضائية في البلاد، وتفعيل مؤسسة قضائية تمثل محكمةً دستوريةً تراقب مدى تلاؤم القوانين مع أحكام الدستور التونسي، كما يحق للمواطنين التظلم لديها من الحكومة ومؤسسات الدولة.
المعارضة التونسية ترى في مطالبها هذه مشروعية قانونية وشرعية سياسية وجماهيرية مع ما وصلت إليه الأحوال السياسية والحقوقية في البلاد من تردٍ بالرغمِ من حالة الاستقرار السياسي والأمني التي تحياها تونس بالمقابل، وتطالب المعارضة بتحقيق عددٍ من الشروط اللازمة لعلاج حالة الغضب المكبوت من أسلوب الممارسة السياسية والأمنية للنظام الحاكم في البلاد، والتي تفاعلت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، بحجة مكافحة "الإرهاب" واستجابةً للمطالب الأمريكية في هذا المقام.
فجرى ضرب المعارضة واعتقال الكثير من المواطنين سواءً من النشطاء السياسيين والحقوقيين أو من المواطنين العاديين بحجة حفظ الأمن، ومن هنا نشأت المطالب الخاصة بضرورة سنِّ تشريعٍ للعفو العام عن هذه الشخصيات، ورفع الحظر عن تأسيس الأحزاب والجمعيات وتكريس الحريات الإعلامية ورفع يد وزارة الداخلية عن الممارسة السياسية والإعلامية كشروطٍ رئيسيةٍ تراها المعارضة التونسية ضرورية لمواجهة الحالة الراهنة في الدولة، وهي الشروط التي ضَمَّنَتْها فيما عُرف باسم "إعلان تونس من أجل نظامٍ جمهوريٍّ ديمقراطيٍّ" الذي صدر مؤخرًا بمناسبة هذه الذكرى.
المعارضة التونسية
تعيش المعارضة التونسية هذه الأيام مرحلةً غريبةً في طبيعتها؛ فالمعارضة منقسمة بين داخلٍ تسيطرُ عليه الدولة غالبًا تحت وطأة قبضة الأمن، وخارج غير موحَّد، وهو ما عبَّر عنه المعارض والناشط التونسي المقيم في سويسرا العربي القاسمي رئيس جمعية الزيتونة السويسرية المعنية بأوضاع حقوق الإنسان في تونس، والذي رسم صورة تعسة لأوضاع حقوق الإنسان والحالة السياسية العامة في بلاده.
فالقاسمي انتقد بشدة حالة الحظر "القانوني" التي تفرضها الحكومة التونسية على بعض أطياف المعارضة الإسلامية وغير الإسلامية بما "يقضي على أيَّةِ بارقةِ أملٍ في إصلاحات سياسية تنعكس على البلاد بشكل إيجابي"، وسخر القاسمي من اختيار تونس لتكون عضوًا في مجلس حقوق الإنسان الجديد التابع للأمم المتحدة، وأشار إلى أنَّ "الممارسات الوحشية التي تمارسها السلطات التونسية في حق المعتقلين السياسيين تسببت في قتل العديد منهم والإضرار الجسيم بالآخرين، شأن المعتقل السياسي وليد لعيوني الذي اختلت مداركه العقلية جرَّاء التعذيب الوحشي، وأصبح في حالةٍ يُرثى لها"!!
وتُعتبر التيارات الإسلامية في تونس الهدف الأكبر لأية انتهاكات حكومية وأمنية لدرجة أنَّ السلطات التونسية تمنع محامي المتهمين من النشطاء الإسلاميين من مقابلة موكليهم بموجب قانون مكافحة "الإرهاب" الجديد!!، وفي أبريل الماضي تمَّ منع المحاميين سمير بن عمر وأنور القوصري من زيارة موكليهما بسجنَي المرناقية وبرج العامري الواقعين بالقرب من العاصمة التونسية، بالرغم من أنَّ القوصري وبن عمر حصلا على إذنٍ قضائيٍّ بالزيارة.
![]() |
|
عبد الستار بن موسى بدأ إضرابا عن الطعام احتجاجا على ممارسات الحكومة ضد المحامين |
ويعتبر هذا الإجراء أحد الإجراءات- وليس الوحيد من نوعه- الذي تتبناه الحكومة التونسية ضد المحامين كأحد أهم قوى المعارضة والعمل المدني في البلاد؛ ففي مايو من العام الماضي 2006م، دخل نقيب المحامين التونسيين عبد الستار بن موسى وأعضاء المجلس الوطني للمحامين التونسيين الـ13 الآخرين إضرابًا عن الطعام داخل قصر العدالة، كما أوقفت النقابة تعاملها مع وزير العدل البشير التكاري؛ وذلك بسبب القانون الجديد الذي صدر وقتئذ والذي ينظِّم العمل في قطاع المحاماة وبخاصة ما يتعلق بأوضاع وتبعية المعهد الأعلى للمحامين؛ حيث تُطالب النقابة بدورٍ فَعَّالٍ للمعهد وبمجلس إدارة منتخب وإشرافٍ فعلي للنقابة على المعهد، بينما تعتبر الحكومة المعهد مؤسسة عامَّة ذات صبغة إدارية يتبع لوزاتَيْ العدل والتعليم العالي.
وتوافقت هذه الإجراءات مع سلسلةٍ أخرى من الإجراءات القمعية التي تبنتها الدولة التونسية، ومن بينها تعليق أنشطة الرابطة التونسية لحقوق الإنسان.
![]() |
|
الشيخ راشد الغنوشي |
على الجانب الآخر فإنَّ المعارضة التونسية الفعالة في الخارج تواجه مشكلة عدم توحيد الكلمة أو الرأي في مواجهة قبضة النظام، وتُعتبر حركة النهضة الإسلامية التونسية بزعامة الشيخ راشد الغنوشي المقيم حاليًا في فرنسا هي الأبرز بين مجموعات المعارضة التونسية، في ظلِّ وحدة المواقف التي تتبناها والمرجعية التي يمثلها الشيخ راشد الغنوشي في العالم الإسلامي وليس في تونس فحسب.
وترفع الحركة مجموعة برامج وأفكار للاصلاح والتداول السلمي للسلطة بالأساليب الدستورية والقانونية، مع رفض العنف بكافةِ أشكاله.
ولعل أبرز المشكلات والقضايا التي تواجهها المعارضة التونسية في الوقت الراهن- كما سبق القول- مشكلة تشابه البرامج والأهداف مع عدم وجود برنامج ولغة خطاب موحد ضمن جبهة عمل موحدة، كذلك تعتبر ملفات الفساد، وبخاصة فساد عائلة الرئيس زين العابدين بن علي أحد أبرز التحديات التي تواجه المعارضة التونسية كما يقول الأمين العام السابق للمجلس الوطني للحريات عمر المستيري.

