بعد شد وجذب ومساومات سياسية ومالية بدأت اليوم الثلاثاء 17/7/2007م خطوات تطبيق اتفاق تسوية القضية المعروفة إعلاميًّا بـ"أطفال الإيدز" والتي تفجَّرت بين ليبيا والاتحاد الأوروبي بعدما اتهمت السلطات الليبية 5 ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني بحقن 496 طفلاً ليبيًّا بفيروس "الإيدز"، وتم الحكم عليهم بالإعدام في العام 2004م، وهو الحكم الذي تمت المصادقة عليه ديسمبر الماضي.
وتتلخص تسوية القضية المستمرة منذ فبراير من العام 1999م بتقديم تعويضاتٍ مالية لأهالي الأطفال المصابين تُقدَّر كل منها بمليون دولار مقابل رفع المجلس الأعلى للهيئات القضائية في ليبيا- والذي يعقد اجتماعًا اليوم- على المتهمين لحكم الإعدام والحكم بدلاً منه بالسجن 8 سنوات يقضونها، وهي الفترة الزمنية التي أمضوها في السجون الليبية بالفعل؛ مما يعني ضمنًا أن الليبيين سيطلقون سراح الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الذي حصل على الجنسية البلغارية قبيل أشهر.
وعلى الرغم من ارتفاع مبلغ التعويض إلا أن السلطات الليبية تكون بقبولها له قد باعت دماء الأطفال الليبيين وتخلت عن كرامتها الوطنية مقابل مبالغ مالية وتحقيق بعض التقدم على طريق التقارب مع الغرب، وهو الطريق الذي بدأ بقبول ليبيا تحمُّل المسئولية كاملةً في "قضية لوكيربي"؛ استجابةً للضغوط الغربية، وبصفةٍ عامة فإنه يجب التعرف على خلفيات القضية والملابسات التي قادت إلى تلك التسوية ودلالاتها على العلاقات الليبية الغربية بل وعلى العلاقات العربية الغربية بصفةٍ عامة.
ماذا حدث؟!
بدأت أحداث القضية قبل 8 سنوات وتحديدًا في فبراير من العام 1999م عندما وجَّهت السلطات الليبية اتهاماتٍ إلى 5 من الممرضات البلغاريات وطبيب فلسطيني بالمسئولية عن حقن 496 طفلاً ليبيًّا بالفيروس المسبب لمرض نقص المناعة المكتسبة المعروف بـ"الإيدز" وتم احتجازهم في السجون الليبية طوال 5 سنوات حتى تم صدر حكم بالإعدام ضدهم في مايو من العام 2004م ثم تمت المصادقة على الحكم في ديسمبر من العام 2006م.
![]() |
|
الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات المتهمات خلف القضبان خلال المحاكمة |
وقد مثلت القضية في تلك الفترة محورًا للتجاذب بين ليبيا والغرب في إطار القضايا المتوترة بين الجانبين، وفي مقدمتها قضية لوكيربي التي تمَّ تسويتها بإقرار ليبيا بالمسئولية عن حادث إسقاط الطائرة التابعة لشركة الطيران الأمريكية "تي دبليوم إيه" فوق مدينة لوكيربي الاسكتلندية في العام 1988م إلى جانب ملف امتلاك ليبيا لأسلحة دمار شامل تتضمن أسلحة بيولوجية وكيماوية.
وقد شهدت قضية "أطفال الإيدز" انتقادات حادة من البلغاريين والأوروبيين لليبيا؛ حيث احتلت القضية موقعًا مُهمًّا في إطار القضايا العالقة بين الاتحاد الأوروبي- والغرب بصفة عامة- وبين الدول العربية وقد وصلت حساسية القضية إلى حدِّ أن استخدمها مرشحو انتخابات الرئاسة الفرنسية التي جرت العام الحالي في حملاتهم الانتخابية.
كما تزامن الكشف عن القضية مع تصاعد التوتر بين ليبيا والغرب بخاصة في قضية لوكيربي التي تعرَّضت ليبيا بسببها إلى عقوبات دولية في العام 1992م فحاولت ليبيا استخدام قضية "أطفال الإيدز" إعلاميًّا للتنديد بالغرب إلا أنها فشلت في ذلك بسبب الظروف الدولية التي تلاحقت بعد ذلك؛ حيث استفردت الولايات المتحدة بإدارة الشأن الدولي بعد أحداث 11 سبتمبر في العام 2001م، وبالتالي فقدت ورقة قضية "أطفال الإيدز" أهميتها حتى تمت تسوية قضية لوكيربي، وهنا بدأت السياسة الليبية في التعامل مع الغرب تأخذ شكلاً جديدًا، فما هو؟!
ثمن الأطفال
الشكل الجديد الذي اتخذته السياسة الليبية في التعامل مع الغرب هو محاولة تحقيق أقصى استفادة من الانفتاح الغربي عليها بعد تسوية قضية لوكيربي؛ حيث شعر القذافي أن الغرب على استعدادٍ لدفع الأموال وغض الطرف عن الممارسات السياسية القمعية للنظام الليبي إلى جانب رفع العقوبات المفروضة على ليبيا في العام 1999م بعدما سلمت المتهمين في قضية لوكيربي، وهما الأمين خليفة فحيمة وعبد الباسط المقرحي.
![]() |
|
القضاة خلال إحدى جلسات قضية الإيدز الأشهر في ليبيا |
فقد بدأ الليبيون في اتخاذ خطوات إيجابية على طريق التنازلات السياسية، ومن بينها كشف النظام الليبي عمَّا يملكه من "أسلحة دمار شامل"، وهي الأسلحة التي لم تكن أكثر من مجرد تجهيزات لا ترقى إلى مستوى السلاح الحقيقي الذي يُثير ذعر الغرب إلا أن تلك الخطوة أسعدت الغرب كثيرًا؛ حيث أعطتهم دفعةً معنويةً أمام الرأي العام العالمي في الملف النووي الإيراني، وعلى ذلك فقد أصبح الغرب على استعدادٍ لدفع ثمن جديد، فما هو؟!
كان الثمن الغربي لليبيا هو غض الطرف عن الكثير من الممارسات القمعية الليبية ضد المواطنين وبخاصة سجناء الرأي الإسلاميين، والذين يُشكِّل الإخوان المسلمون عمادهم الرئيسي إلى جانب السماح بتسلم السلطات الليبية لعددٍ من قيادات أعضاء الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا والذين كانوا معتقلين في دولٍ أوروبية على الرغم من أن القوانين الأوروبية والدولية تمنع تسليم المتهمين المعتقلين في غير بلدانهم الأصلية إلى سلطات تلك البلاد إذا كانت هناك مخاطر من تعرضهم للتعذيب، وهو الأمر الذي كان متوافرًا بالفعل في تلك الحالة.
وإلى جانب ذلك بدأت الاستثمارات الغربية في التدفق على ليبيا وبخاصة في قطاع النفط، وكانت الخطوة الكبرى في هذا المجال هي قدوم شركة "بريتش بتروليم" البريطانية بعد حوالي عقدين من الانقطاع عن الحقول النفطية الليبية، بالإضافة إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الأمريكيين والبريطانيين من جهة وبين ليبيا من جهة أخرى، وقد أغرى ذلك الليبيين للقيام بحملات متاجرة بدماء الأطفال من أجل ابتزاز المزيد من الأموال والخدمات الليبية فكان إعادة قضية "أطفال الإيدز" إلى النور في العام 2004م بإصدار حكم الإعدام على الممرضات والطبيب.
وشهدت الفترة من العام 2004م حتى يومنا هذا العديد من التطورات من بينها تثبيت الليبيين الحكم على الممرضات والطبيب في ديسمبر الماضي ومنح بلغاريا جنسيتها إلى الطبيب الفلسطيني، بالإضافةِ إلى تحركات دبلوماسية واسعة النطاق من جانب الغرب وصلت إلى حدِّ توجه رئيس الحكومة البريطاني السابق توني بلير لزيارة ليبيا في 29 مايو الماضي من أجل تأكيد "الصداقة الليبية البريطانية" وبحث قضية الأطفال حتى وصلت القضية إلى مرحلتها الأخيرة بعقد الصفقة بين الغرب والليبيين والتي حصل خلالها أهالي الضحايا على مليون دولار لكل طفل، بينما من المتوقع أن تظهر آثار تلك الصفقة على النظام الليبي في الفترة المقبلة.
أهداف وسوابق!!
هل يعتبر القذافي التسوية نصرًا؟!

يظهر من السابق أن القذافي استغل دماء الأطفال في تحقيق العديد من الأهداف وفي مقدمتها إظهار نفسه أمام العالم على أنه رد صفعة لوكيربي للغرب بإجبار الأوروبيين على تقديم تعويضات لأسر أطفال الإيدز، إلا أن ذلك ليس صحيحًا على مختلف المستويات، فالنظام الليبي يتجه إلى الإفراج عن الممرضات والطبيب، بينما صدر الحكم في محكمةٍ دوليةٍ بهولندا بالمؤبد على عبد الباسط المقرحي، وهو يقضي حاليًا فترة العقوبة المقررة عليه!!
وبالإضافة إلى ذلك فإن التعويضات التي دفعتها ليبيا في قضية لوكيربي تفوق بصورةٍ كبيرةٍ ما دفعه الغرب في قضية "أطفال الإيدز"؛ حيث دفعت ليبيا 2.7 مليار دولار نظير مقتل 270 شخصًا، بينما دفع الغرب 496 مليون دولار نظير إصابة 496 طفلاً، كما أن التعويض المادي لن يكون كافيًا لإصلاح حياة الأطفال الليبيين الذين أُصيبوا بالإيدز حيث لا شفاءَ له فلن تكفي المليون دولار في جعل الطفل يحيا حياةً طبيعيةً على مختلف المستويات؛ حيث سيظل في نظر أقرانه، وكل أفراد المجتمع شخص مصاب بالإيدز؛ مما يعني حكمًا بالإعدام عليه منذ الطفولة.
أما الهدف السياسي الآخر الذي وضعه القذافي نصب عينيه وحققه في هذه المرة هو حدوث المزيد من التقارب بين الغرب وليبيا وقبول ليبيا عضوًا نشطًا في المنظومة العالمية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة بعيدًا عن كل الشعارات الثورية والتحررية التي دأب القذافي على ترديدها بين حين وآخر، وهو لا يعرف معناها على الأرجح!!
وبصفةٍ عامةٍ فإن التنازلات التي تقدمها الأنظمة العربية للغرب لها سوابق عديدة وتشمل كل المجالات، وأقرب نموذج هو توقيع مصر على ما يعرف بـ"اتفاقية السلام" في العام 1979م مع الكيان الصهيوني، وهي الاتفاقية التي نالت مصر بسببها المعونة الأمريكية التي يستخدمها الأمريكيون حاليًا للضغط على القيادة المصرية من أجل دفعها لتقديم تنازلات سياسية، وإلى جانب ذلك النموذج فإن هناك نموذجَ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي يبيع القضية الفلسطينية قطعة فقطعة مقابل الأموال الأمريكية والامتيازات الصهيونية.
إذن تسوية قضية الأطفال الليبيين المصابين بمرض الإيدز تأتي في سياق التجارة السياسية من جانب النظام الليبي، وهي التجارة التي احترفتها كل الأنظمة العربية وتمارسها دون خجلٍ أو حياء من المتابعين في الداخل والخارج حتى وإن كانت الثمن هو دماء الأطفال العربية وكرامة الوطن والمواطنين.

