تدخل تركيا غدًا الأحد 22/7/2007م استحقاقًا سياسيًّا مهمًّا، ممثَّلاً في الانتخابات العامة المبكرة التي سوف تجري هناك، والتي تأتي نتيجة مجموعة من التطورات والأزمات السياسية المتلاحقة التي قادت البلاد لأزمةٍ دستوريةٍ وفراغٍ رئاسيٍّ؛ بسبب تعنُّت القوى العلمانية في البلاد إزاء ترشيح حزب العدالة والتنمية الحاكم وزيرَ الخارجية ونائب رئيس الوزراء عبد الله جول لمنصب رئيس الجمهورية خلفًا للرئيس الحالي المنتهية ولايته أحمد نجدت قيصر.

 

عبد الله جول

 

وقد جرَت الدعوة إلى هذه الانتخابات المبكرة بعد الممارسات التي قام بها حزب الشعب العلماني (أكبر أحزاب المعارضة التركية في البرلمان)، والتي نتج عنها تعطيل الحياة النيابية في البلاد لمنع جول من الوصول إلى منصب الرئيس، وذلك بالتوازي مع مجموعةٍ من الإجراءات التي تبنَّاها الرئيس قيصر، الذي نقض التعديل الدستوري الذي أقره حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي لتعديل طريقة انتخاب رئيس الدولة من الانتخاب داخل البرلمان إلى الاقتراع الشعبي المُباشر؛ مما دعا رئيس الوزراء رجب طيب أردوجان إلى اللجوء إلى المحكمة العليا لإقرار هذا التعديل الدستوري الذي من المقرَّر الاستفتاء عليه في ذات يوم الانتخابات العامة المبكرة.

 

ويشارك في هذه الانتخابات 14 حزبًا، بالإضافة إلى نحو 700 مرشح مستقل؛ بسبب إدراكهم أن أحزابهم لن تنال نسبة الـ10% الضرورية لدخول البرلمان، وفق ما ينص عليه الدستور التركي، وعلى رأس الأحزاب المشاركة في الانتخابات حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوجان، الذي من المتوقَّع أنْ ينال عددًا أكبر من أصوات الناخبين مقارنةً بالانتخابات السابقة؛ حيث كان الحزب قد حصل على 34.2% من أصوات الناخبين في انتخابات العام 2002م، وحاز بذلك على 362 مقعدًا في البرلمان من أصلِ 550 مقعدًا.

 

ثمَّ يأتي حزب الشعب الجمهوري (يسار الوسط) بزعامة دينيز بايكال الذي يُعتبر وريث مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، ويرجَّح أنْ يحافظ على نفس عدد المقاعد في البرلمان السابق؛ حيث كان قد نال حصة 19.3% من الأصوات كانت كافيةً لكي يفوز بـ178 مقعدًا في البرلمان المنتهية ولايته.

 

يجيء بعد ذلك حزب الحركة القومية المتطرف بزعامة دولت بهجلي، الذي من المتوقَّع أنْ يكون المنافس الأبرز لحزبَي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري، وينال حزبا بهجلي والشعب تأييد الجيش في مواجهة التأييد الشعبي الكاسح لحزب العدالة والتنمية.

 

قضايا وأجندات

على الرغم من أن الأزمة السياسية الحالية في تركيا هي العنوان الأبرز لهذه الانتخابات المبكرة إلا أن هناك العديد من الملفات والقضايا المفتوحة أمام الناخبين الأتراك، وكذلك الأحزاب التركية، وعلى رأسها قضية الأكراد، وملف الحجاب، إضافةً إلى قضايا العلاقات مع العالم العربي والإسلامي والاتحاد الأوروبي وسياسات أنقرة في الشرق الأوسط.

 

كذلك تشمل هذه الانتخابات في مستوياتها الأعلى جدلاً مهمًّا حول طبيعة هوية الدولة التركية، ما بين الأصول الإسلامية والواجهة العلمانية التي فرضها مؤسس الجمهورية العلمانية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك منذ العام 1924م على هذا البلد المسلم الحضاري القديم.

 

وهي قضية شديدة الأهمية في إطار هذه الانتخابات؛ ففوز حزب العدالة والتنمية بمرجعياته الإسلامية المدنية في هذه الانتخابات يعني أنَّ الناخب التركي قال كلمته فيما يخص تصوره لطبيعة هويته بعد الهزيمة الكبرى التي تلقَّاها التيار العلماني في انتخابات العام 2002م.

 

 خير النساء زوجة عبد الله جول

 

ولعل قضية الحجاب هي الأبرز من وجهة النظر الإعلامية والاجتماعية؛ فبعد الأزمة التي أثارتها قضية النائبة البرلمانية المحجَّبة مروة قاوقجي في أواخر سنوات التسعينيات الماضية ومطلع الألفية الجديدة برَزت إلى الوجود قضية حجاب زوجة وزير الخارجية عبد الله جول؛ حيث أثار العلمانيون في تركيا عند ترشيح جول نفسَه لمنصب الرئيس مشكلةً كبرى بشأن حجاب زوجة جول؛ حيث قالوا إنَّه ليس من الممكن أن تكون السيدة الأولى في تركيا محجبة!! وقالوا إنَّ دخول زوجة جول المحجَّبة إلى قصر الرئاسة التركي الذي أسَّسه أبو العلمانية التركية أتاتورك أمرٌ يخالف كافة القيم العلمانية التركية ويخالف الدستور!!

 

والمؤسف أن الأمريكيين أنفسهم انتقدوا هذا الوضع، وزاد من سخرية هذا الموقف أن أردوجان لم يستطع إتمام تعليم ابنته المحجبة في تركيا؛ بسبب منع الحجاب في الجامعات التركية، فأرسلها إلى الولايات المتحدة لاستكمال تعليمها!!

 

القوميون

ولا تقتصر المضايقات السياسية التي يعاني منها أردوجان وحكومته على العلمانيين وتعنُّتاتهم ضد التاريخ وحقائقه فيما يخص الهوية التركية، بل إنَّ التحالف السياسي الراهن في تركيا بين العلمانيين والقوميين أنشأ مأزقًا سياسيًّا تاريخيًّا أمام هذا البلد من دون النظر إلى مصلحته العليا، وأبرز دليل على ذلك هو السلوك الذي تتبنَّاه الأحزاب والشخصيات السياسية العلمانية والقومية في تركيا بدعمٍ من المؤسسة العسكرية إزاء قضية الأكراد.

 

فالقوميون الأتراك أثاروا مشكلةً أسموها بـ"سياسة عدم الحسم" التي تتبنَّاها حكومة أردوجان إزاء ملف التمرد الكردي في جنوب وجنوب شرق البلاد؛ حيث يطالب هذا التيار بشنِّ حربٍ على شمال العراق لمنع عناصر حزب العمال الكردستاني التركي الانفصالي من التمركز في مناطق إقليم كردستان العراق، والحصول على الدعم اللوجستي اللازم من أكراد العراق.

 

وتضغط المؤسسة العسكرية التركية على الحكومة بشدة لضرب مناطق الشمال العراقي ثم اجتياحها، بينما ترفض الحكومة ذلك؛ بسبب عدم رغبتها في التورُّط في المستنقع العراقي، والتحذيرات الأمريكية المتواصلة لأنقرة بعد الإقدام على ذلك.

 الصورة غير متاحة

مدرعات من الجيش التركي قرب الحدود مع العراق

 

وفي شبه مؤامرة- قد يكون الأمريكيون متورِّطين فيها بعد شهادات عددٍ من المتمردين الأكراد الأتراك السابقين ممَّن استسلموا للجيش التركي قبل بضعة أيام؛ حيث قالوا إنَّهم شاهدوا عرباتٍ أمريكيةً مدرَّعةً لدى الانفصاليين الأتراك- عادت أعمال العنف في تركيا إلى التَّفاعُل مجدَّدًا بالتوازي مع مشكلة انتخابات الرئاسة؛ بحيث بدأت التفجيرات تطال عناصر الجيش التركي والبنية التحتية التركية في أنقرة وديار بكرٍ وغيرها، فيما يبدو وكأنه أمرٌ مقصودٌ في تزامنه مع الأزمة السياسية الحالية في البلاد.

 

الأمر الذي فسَّره مراقبون بأنَّ هناك أيديَ خفيةً حرَّكت المتمردين الأكراد لإعطاء المبرر للجيش التركي لشنِّ حربه الخاصة في شمال العراق على غير رغبة الحكومة؛ مما سيتسبَّب في إحراج أردوجان أمام الرأي العام التركي بعد إظهاره بمظهر العاجز عن حماية الأمن القومي التركي، أو أن يشارك في هذه الحرب، فيفقد بذلك بعضًا من قواعده الشعبية التي لا ترى في الحرب على شمال العراق أيةَ فائدة، بل يراها عدوانًا على بلدٍ عربيٍّ مسلمٍ مجاور، وقد أتت الضربة المدفعية الأخيرة لشمال العراق ضمن سياقات ضغط العسكريين على حكومة أردوجان في هذا الإطار.

 

لذلك ردَّ أردوجان على ذلك بطرح مشروع تعديل دستوري لإعطاء سلطة شنِّ الحرب للبرلمان، بخلاف الوضع القائم الذي يعطي هذا الحق للحكومة، وهي خطوةٌ ذكيةٌ من أردوجان؛ على اعتبار أنَّ ذلك التعديل سوف يشمل عملية توسيع لمسئولية أي عملٍ عسكريٍّ خارجي ضمن سلطة الشعب وممثليه وليس لأحزاب معينة في الحكومة؛ بحيث لو رفض ممثلو الشعب قبول قرار شنِّ الحرب فلن يكون بوسع المؤسسة العسكرية التحرُّش بالبرلمان كممثِّلٍ للشعب بأكمله، خلافًا لما كان يمكن أنْ يحدث مع الحكومة.

 

الأكراد

ويبدو أن سياسة حزب العدالة والتنمية قد نجحت في مساعيها لحلِّ الأزمة الكردية بنفس الأسلوب الهادئ والطويل المدى، الذي اعتادت عليه حكومة أردوجان، وأردوجان ذاته حتى من قبل توليه هذا المنصب إبان كونه حاكمًا لإسطنبول؛ حيث أعلن الأكراد على غيرِ إرادة العلمانيين والقوميين؛ حيث تناقلت الأنباء عن المرشحين الأكراد في هذه الانتخابات أنَّهم ينوون الوقوف إلى جانب حزب العدالة والتنمية.

 

ولا يعود ذلك فحسب إلى سياسة حزب العدالة والتنمية، بل إلى سياسات الأحزاب الأخرى المتشددة ضد الأكراد، فحزب الحركة القومية تعهَّد- حال وصوله إلى البرلمان- بإعادة العمل بعقوبة الإعدام لتنفيذها بحق زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في جزيرة إيمرالي التركية عبد الله أوجلان.

 الصورة غير متاحة

البرلمان التركي

 

ويخوض الأكراد هذه الانتخابات بسياسةٍ جديدة عبر تقديم 60 مرشحًا مستقلاًّ بدلاً من الترشح في قوائم حزبية؛ لأن ذلك يتطلَّب الحصول على 10% من أصوات الناخبين على المستوى القومي، وهو ما فشلوا فيه خلال الانتخابات الماضية، ومن المتوقَّع أنْ يفوز الأكراد بما لا يقل عن 30 مقعدًا في البرلمان القادم والحصول على أكثر من 50% من أصوات الناخبين الأكراد في المناطق ذات الأغلبية الكردية.

 

إذن هي معركة بين الساسة والعسكر، وبين العلمانيين والقوميين المتشددين من جهة والعدالة والتنمية من جهةٍ أخرى، كما أنَّها معركةٌ بين قيمٍ علمانية طارئة على تركيا وقيمٍ إسلامية مدنية ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ التركي.

 

هذه المعركة كانت لها انعكاساتها الإعلامية التي شهدت انحيازاتٍ غير مسبوقة من جانب الصحف ووسائل الإعلام التركية على مختلف توجهاتها للأحزاب والرموز المختلفة التي تخوض هذه المعركة، وهو ما كان محطَّ انتقاداتٍ كبيرة داخل تركيا.

 

وفي هذا يقول كمال بياتلي- الصحفي بوكالة (جيهان) التركية للأنباء-: "لا تخرج الانتخابات الحالية عن دائرة الاستقطابات السياسية والفكرية لوسائل الإعلام، لكنْ يمكنك دومًا أن ترى أنَّ الصحف الكبرى تنشر إعلانات مدفوعة الأجر لمرشحين من تيارات أخرى؛ حيث تنشر الصحف المحسوبة على التيار العلماني إعلانات لرجب طيب أردوجان، في حين أننا قد لا نجد العكس بسبب صغر إحجام الصحف ذات الطبيعة الإسلامية وليس لأي سببٍ آخر".