تفتقر الساحة الدولية إلى إجماعٍ على ماهيَّةِ الدور السوري داخل الشرق الأوسط؛ حيث يتهمه بعض النقاد بزعزعة استقرار جيرانه، وتعمُّد خلق مشكلات حتى يصبح بعد ذلك جزءًا ضروريًّا من الحل، ويمتد الخلاف إلى طبيعة النظام السوري الذي يعتقد البعض أنَّه قد أصابه الوهن جرَّاء أحداث السنوات القليلة الماضية، ويسعى الآن بقوة لتجنُّب فرض العزلة عليه، بينما يرى فريق آخر أنَّ جميع محاولات تهميش النظام السوري باءت بالفشل.
انعكس هذا التباين في غياب الإجماع بشأن كيفية التعامل مع دمشق؛ حيث قوبلت سياسة إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن القائمة على فرض العزلة بالرفض من معظم الأطراف الأخرى، خاصةً الاتحاد الأوروبي الذي آثر اتباع توجه أكثر براجماتيةً.
ورغم تقليص الكثير من دول الاتحاد صِلاتِها بدمشق في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005م يبدو أنَّ الصلات تستعيد سابق عهدها على مستوى العلاقات الثنائية بين سوريا ومعظم هذه الدول، ويلاحظ اختلاف في ترتيب الأولويات بين الأطراف الرامية لتعزيز مصالحها بالمنطقة؛ فبينما تسعى الولايات المتحدة لتهدئة الأوضاع في العراق أولاً وقبل كل شيء تُبدي فرنسا اهتمامًا أكبر بتهدئة الأوضاع داخل لبنان، بينما يبقى شعور الاتحاد الأوروبي بالقلق إزاء الوضع في المناطق الفلسطينية المحتلة.
تداعيات غير مقصودة!!
أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الأوروبية شكواها إزاء السلوك السوري على مدار السنوات القليلة الماضية، وتركَّزت هذه الشكاوَى أو المزاعم في معظمها حول العراق، كما أنَّها امتدَّت أيضًا إلى الجبهة الفلسطينية، ثم ظهر لبنان على الساحة بقوة في العام 2004م؛ بسبب استحقاق الانتخابات الرئاسية التي جددت للرئيس اللبناني إميل لحود خلافًا للدستور اللبناني، وتتضمن هذه "الشكاوى" الغربية من دمشق:
- سماح سوريا لمن تصفهم واشنطن وحلفاؤها بـ"المتمردين" بالدخول إلى العراق.
- إيواء أعضاء في نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
- دعمها لما يوصف بـ"الإرهاب" من خلال استضافتها لجماعات المقاومة الفلسطينية، وهي تهمة أمريكية وصهيونية جاهزة هذه الأيام.
- استمرارها في التأثير على الأحداث الجارية في لبنان من خلال شبكة من العلاقات وتوفيرها الدعم النشط لحزب الله.
- عدم إقدام دمشق على خطواتٍ كبيرة في موضوع التسوية مع الكيان الصهيوني.
ولبعض الوقت حاول منتقدو دمشق التعامل معها من خلال فرض العزلة عليها، لكن بعد مرور أربع سنوات على احتلال العراق وعامَيْن على الانسحاب السوري من لبنان، هناك مؤشراتٌ على أنَّ هؤلاء يُعيدون النظر في سياستهم ويدرسون إمكانية اتباع أخرى تتضمن بعض التعاون معها، وحاليًّا تشيد وسائل الإعلام السورية بصمود الحكومة في وجه التهديدات الموجهة للأمن القومي.
![]() |
|
الملك عبد الله بن عبد العزيز |
وبلغ هذا الانتصار ذروته خلال اجتماع القمة العربية الأخير الذي عُقد بالعاصمة السعودية الرياض في مارس من العام 2007م عندما أبدى خادم الحرمَيْن الشريفَيْن الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود- الذي أظهر حتى ذلك الوقت سخطه من التوجهات السورية- حفاوةً ظاهرةً لدى استقباله الرئيس السوري بشار الأسد، ومع أنه من المحتمل ألا يكون ذلك مؤشرًا على مُباركة الرياض لأفعال دمشق، إلا أنَّه شكَّل على الأقل اعترافًا بأهمية دورها، وبعد شهرين عقدت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس اجتماعًا مع نظيرها السوري "وليد المعلم" ليتحطَّم بذلك الجمود الذي أصاب العلاقات بين الدولتَيْن لفترةٍ طويلةٍ.
وتشعر دمشق أنَّ الأحداث الجارية أثبتت صحة موقفها حيال القضايا الإقليمية، بغضِّ النظر عن صحَّة تورُّطها بها؛ الأمر الذي يفسِّر تنامي ثقة النظام السوري بذاته، خاصةً في ضوء الهدايا غير المتوقّعة وغير المقصودة الواردة إليه من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة وبريطانيا، بل ومن القوى اللبنانية المناهضة لسوريا، فمن المنظور السوري تحقَّقت جميع التحذيرات التي أطلقتها دمشق، بل وعادت عليها بمكاسب غير متوقَّعة؛ حيث ثبتت صحة تحذيراتها بشأن تفكك العراق، وباتت الأفكار الأنجلو- أمريكية بشأن "دمقرطة" المنطقة طيّ النسيان.
المصالح الإقليمية
حافظ الأسد

شهدت السنوات القليلة الماضية ترديًا في علاقات دمشق مع غالبية القوى الغربية العظمى، بل والدول العربية بالغة الأهمية، على النقيض، لم تتأثَّر تحالفاتها الإقليمية بدول غير عربية ولا بالتوترات التي تعرَّضت لها المنطقة، وعلى امتداد عقود طويلة، شكَّل الكيان الصهيوني العامل الرئيس المؤثر في العلاقات السورية- الأمريكية، ومع أن العلاقات بين الجانبَيْن تأرجحت بين الارتفاع والانخفاض فإنَّها لم تصل قط إلى نقطة الانهيار، حتى قرار إطلاق يد دمشق في لبنان عام 1990م في أعقاب قرار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد تأييد حرب الخليج الثانية 1991م، لإخراج القوات العراقية من الكويت جاء بموافقة الكيان الصهيوني.
ومنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م أصبح العراق تحديدًا هو المحور الأساس الذي تدور حوله العلاقات بين الدولتَيْن، فقد أسفر هذا الغزو عن فقدان دمشق سيطرتها على لبنان وعلاقاتها الوثيقة بالدول العربية الكبرى، ويبدو أنَّ النبرة الخطابية التي اتبعتها سوريا شجَّعت واشنطن على اتخاذ إجراءات عقابية ضدها رغم تعاون دمشق بشأن عدد من القضايا المهمة، منها تعزيز السيطرة على أمن الحدود، وتقديم يد العون للاجئين العراقيين أثناء الانتخابات البرلمانية العراقية.
وقد صدرت مؤشراتٌ واضحةٌ عن إدارة بوش الصغير تُوحي بأنَّ سوريا بدأت الإذعان للواقع من خلال اللجوء للدبلوماسية التقليدية بدلاً من التوجهات الانفرادية العدوانية.
الصدوع "الفارسية"
بشار ونجاد

يرتبط كلٌّ من الملفَّين العراقي واللبناني بالعلاقات السورية- الإيرانية التي تُعَدُّ حاليًّا في أفضل أحوالها، بَيد أنَّ ذلك لم يمنع حدوث فترات خمول بالعلاقات بين الدولتَيْن؛ نتيجةَ دخول دمشق في مفاوضات سلامٍ ثنائيةٍ مع الكيان الصهيوني، وما صاحب ذلك من تقارُبٍ مع واشنطن، لكنَّ الأوضاع بالعراق وكراهية الإدارة الأمريكية دفعت طهران ودمشق نحو التَّقارُبِ من جديد.
واليوم يلمِّح المسئولون السوريون إلى أنَّ الزواج بين بلادهم وطهران ليس "كاثوليكيًّا"، وأنَّ الطلاق أمرٌ ممكنٌ إذا ما توافرت حوافز مغرية، إلا أنَّه من غير المحتمل حدوث ذلك في القريب، ذلك أنَّ المنافع المترتبة على مثل هذا "الطلاق" لا تكافئ الفوائد العائدة من وراء كون سوريا أقرب دولة عربية لإيران، كما أنَّ الاستثمارات العربية الخليجية المتزايدة لا تحُول دون تلقِّي استثمارات إيرانية.
وعلى الرغم من المظهر الخارجي الذي يُوحي بوحدة مواقف الطرفَيْن، اتسمت العلاقات السورية- الإيرانية في عهد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد بمتانةٍ أقل ممَّا كانت عليه الحال في ظلِّ حكمِ والده، بل يشعر الإيرانيون بالحَيرة إزاء تأرجُحِ دمشق؛ بما يوحي بأنَّها تسعى للحصول على أفضل صفقة ممكنة، وبشكلٍ خاصٍّ يشعر النظام الإيراني بالقلق إزاء الحماس السوري تجاه الدخول في مفاوضاتٍ "غير مشروطة" مع الكيان الصهيوني، ممَّا يبدو أنَّه يشير ضمنًا إلى احتمال تخلِّيها عن "حزب الله".
الاتفاق مع الكيان
ياسر عرفات

في أعقاب وفاة رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات شعر النظام السوري بتنامي رأس ماله السياسي على الجبهة الفلسطينية، وتصاعدت المشاركة السورية النشطة بالقضية الفلسطينية باستضافتها محادثات الوحدة بين حركتَي حماس وفتح في يناير من العام 2007م، الحالي، والآن بعد أحداث غزة تبدو سوريا مهيَّأةً للاضطلاع بدور مؤثر، وفي الوقت الذي أعلنت فيه غالبية الدول تأييدها لمحمود عباس (أبو مازن) لا تزال دمشق تعترف بحركة حماس باعتبارها الحكومة الفلسطينية الشرعية.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ سوريا أبدَت تأييدًا قويًّا للانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت عام 2000م، إلا أنَّه بمرور الوقت خفَّفت سوريا من حدَّة خطاباتها، وأصدرت مؤشراتٍ تُوحي باستعدادها استئناف محادثات السلام، وهو ما رفضه الصهاينة كالمعتاد؛ باعتبار أنَّ ذلك مجرد خدعة من جانب دمشق لإنهاء عزلتها.
وقد قامت دمشق بمحاولات تقرب متكررة من الحكومات الصهيونية المتعاقبة، مؤكدةً مبدأ المحادثات "غير المشروطة"، ونظرًا للرفض الصهيوني الحالي للتعاون معها، ومساندة واشنطن لذلك لجأت سوريا لتنويع وزيادة جهودها على الصعيد المعلن وعبر القنوات السرية، ومؤخرًا تم الكشف عن مسودة لخطة سلام توضح استعداد النظام السوري لتقديم تنازلات كبرى، بما في ذلك منْح شروط تمييزية للكيان فيما يخص الجولان والتنازل عن حقوق المياه، بما يمكن أنْ يشكِّل أنباءً جيدةً للكيان الصهيوني إذا كان يرغب في تقليص حجم أعدائه في الجوار، لكنه استمر في الاستجابة بشكلٍ سلبيٍّ.
الاعتبارات الداخلية
هناك تقييمٌ يقول إنَّه كلما زادت الانتقادات الموجَّهة إلى سوريا تمكَّن النظام من إحكام قبضته على البلاد، وعندما تولَّى بشار السلطة في العام 2000م شهدت البلاد حديثًا كثيرًا حول الإصلاح، لكنْ سرعانَ ما تغيَّر المناخ السائد، وبات هناك ما يشبه الاتفاق الضمني بين النظام والشعب يقضي بأنَّه من غير الممكن أنْ تسمح سوريا بتعريض أمنها القومي للخطر والانزلاق إلى هوَّة الفوضى، كما ظهرت شائعاتٌ حول وقوف الحرس القديم عائقًا في وجْه محاولات الأسد الابن تحسين أوضاع البلاد.
علاوةً على ذلك وقعت تطوراتٌ أخرى ساعدت النظام على نحو غير متوقع؛ حيث شعر السوريون بالسخط إزاء الشعارات العنصرية الفجة من قبل المتظاهرين اللبنانيين المناهضين لسوريا وقصص تعرُّض العمال السوريين لمضايقات، بل والقتل أحيانًا بعد الخروج الكبير في ربيع العام 2005م.
المراهنات السورية
يبدو أنَّ النظام السوري نجح في تعديل سياساته مع تطور الأحداث منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001م؛ حيث تحوَّلت من اتخاذ توجُّه نشِط يقوم على المبادأة والمشاركة بجميع المشكلات الإقليمية إلى إستراتيجية أخرى تتميز بالتحلِّي بقدرٍ أكبرٍ من الصبر والتَّأني والانتظار لرؤية ما ستسفر عنه الأحداث الجارية.
على سبيل المثال لدى دمشق قناعة بأنَّها تتعرض لضغوطٍ غير مبررة ناشئة عن كراهية تجاهها ترتبط بعلاقات ومصالح شخصية، مثل الموقف الفرنسي تجاه لبنان والأمريكي تجاه الكيان الصهيوني؛ ممَّا جعلها تقرِّر الانتظار لما ستحمله الأيام بعد رحيل أعدائها، على أملِ أنْ يسلك خلفاؤهم سياسات مختلفة، وبالفعل، رحل اثنان عن السلطة، هما: جاك شيراك في باريس في مايو الماضي، وتوني بلير في لندن في يونيو 2007م، بينما من المقرَّر أنْ يرحل بوش الصغير عن البيت الأبيض في يناير من العام 2009م، كما تراهن دمشق على عدد من الأحداث الجارية، وتشعر بالثقة من أنَّها لن تكون بحاجة إلى اتخاذ أية إجراءات للاستمرار في تعزيز موقفها، منها:
- المشكلات المرتبطة ببدء عمل المحكمة الخاصة باغتيال الحريري، والأمل في ألا يتمكَّن المحقّق التابع للأمم المتحدة القاضي البلجيكي سيرج براميريتز من إضافة معلومات جديدة بشأن القضية، وبالتالي فقدان التحقيق للزخم اللازم.
- إقرار القمة العربية الدورية المقرَّر إجراؤها بدمشق في مارس من العام 2008م لعودة نفوذ سوري قوي فيما يخص الشئون العربية.
- فشل واشنطن في تخليص نفسها من العراق والاعتراف بحاجتها إلى دمشق لمساعدتها في تحقيق ذلك.
- الحاجة للتوصل إلى إجماع بين الفصائل الفلسطينية المختلفة وضمان تعاون حماس.
- استمرار الدعم الشعبي لصمود النظام السوري على الصعيد الداخلي وعلى مستوى الشارع العربي.
- عدم تحقيق أيٍّ من السياسات التي اتبعها خصوم سوريا حتى الآن أهدافها المعلنة، بل أتت معظمها بنتائج عكسية.
مع التأكيد على جملةٍ من الحقائق من بينها عدم جدوى المزاعم بضعف النظام السوري في مواجهة العزلة الدولية أو هشاشته على الجبهة الداخلية؛ حيث تشير الاحتمالات إلى أنَّه سيتمكن من البقاء، خاصةً في ضوء الإخفاقات في العراق ولبنان، والحقيقة الثانية تقول إنَّ التدخل في الشئون السورية لم يساعد القوى الداخلية التي يرمي التدخل الأمريكي لمساعدتها، ولا الجهة التي تمارس التدخل ذاتها، مع توجيه اتهامات دون دليل للنظام السوري يعزِّز من موقفه على المستوى الداخلي وفي أوساط المراقبين المتشكِّكين.
وأخيرًا.. ومع تهافت الأدلة الأمريكية بدأت فكرة أنَّ النظام السوري يقف وراء الكثير من الأحداث الإجرامية بالمنطقة التي تعود عليه بالنفع تفقد مصداقيتها، وبات من المتعذِّر النجاح في تنفيذ الرغبة الأمريكية والصهيونية المحمومة في الفصل بين سوريا وإيران، من خلال التعاون مع إحداهما دون الثانية، ما دام لا يتم توفير ضمانات لأمنهما القومي على الجبهات الأخرى، كما أنَّ كليهما يدرك أنَّهما أقوى معًا.
