الانتخابات النيابية الفرعية التي جرت الأحد الماضي 5/8/2007م لملء المقعدَيْن اللذَيْن شغرا في مجلس النواب اللبناني باغتيال النائب والوزير الكتائبي بيار الجُمَيِّل والنائب السنِّي وليد عيدو، جرت بمرسوم حكومي اتخذته الحكومة ولم يوقِّع عليه رئيس الجمهورية؛ بحجة "عدم دستورية وميثاقية هذه الحكومة"، وذلك على خلفية خروج الوزراء الذين يمثِّلون حزب الله وحركة أمل منها ومقاطعتهم لجلساتها، إلا أنَّ عدم التوقيع على المرسوم لم يَحُلْ دون إجراء الانتخابات، كما أنَّه لم يحُلْ دون مشاركة معظم القوى السياسية فيها.. الموالاة والمعارضة، على حدٍّ سواء؛ حيث شارك "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشال عون، وخاض المعركة بمرشح فاز بالمقعد النيابي بوجه مرشح قوى 14 آذار المساندة للحكومة الرئيس أمين الجُمَيِّل.
وقد كان التيار يتهم الحكومة بـ"اللا دستورية واللا شرعية وبحكم غير الموجودة"، في حين شاركت قوى المعارضة أيضًا في بيروت بمرشح "حركة الشعب" إبراهيم الحلبي، الذي خسر أمام مرشح "تيار المستقبل" محمد عيتاني، وإنْ كان حزب الله وحركة أمل كمكوِّنَيْن رئيسيَّيْن من مكونات المعارضة قد دعَوَا إلى مقاطعة الانتخابات على اعتبار أنًها تجري استنادًا إلى مرسومٍ حكوميٍّ صادرٍ عن حكومةٍ ليس لها الصفة الدستورية والميثاقية.
ورغم هذه الدعوة وهذا التحفُّظ من هاتَيْن القوَّتَيْن إلا أنَّ قوى المعارضة الأخرى شاركت إمَّا دعمًا وإمَّا ترشحًا، وقد وصل الأمر بمرشح "حركة الشعب" في بيروت إلى اعتبار المقاطعة أمرًا عبثيًّا لا طائل منه؛ فالحزب القومي والبعث وتيار المردة وقوى أخرى في المعارضة دعت إلى مساندة مرشح التيار الوطني في المتن، ومرشح حركة الشعب في بيروت، وحتى حزب الله وحركة أمل شاركا بشكلٍ غير معلنٍ وغير مباشرٍ، وخاصةً في المتن عندما أتاحا المجال أمام الناخبين الذين يلتزمون توجهاتهما، وشجَّعا على التصويت لصالح مرشح المعارضة، وهذا ما ظهر بشكلٍ ظاهرٍ وواضحٍ وجليٍّ في نتائج الانتخابات، في حين أن حسم نتائج معركة بيروت مبكرًا لصالح مرشح المستقبل جعل الفريقين يتريَّثان ويدعوان للمقاطعة انسجامًا مع النظرة إلى الحكومة.
وبذلك تكون كل أطياف المعارضة- وليس "التيار الوطني الحر" وحده- قد شاركت في العملية الانتخابية التي دعت إليها الحكومة بمرسومها الذي لم يوقِّعْه رئيس الجمهورية، وبذلك فإنَّ المشاركة ستتيح إضفاء الشرعية اللازمة للنائبَيْن الفائزَيْن.
في تقييمِ بعض المراقبين فقد نجحت الحكومة اللبنانية نجاحًا كبيرًا بهذه الخطوة التي أقدمت عليها؛ فهي أولاً استطاعت أنْ تعطي انطباعًا إيجابيًّا عن قدرتها على ضبط الأمن، رغم حالة الاحتقان التي تسود البلاد، ورغم النزف الجاري في معركة مخيم نهر البارد؛ فلم تُشِر التقارير الأمنية إلى وقوعِ أيِّ خرقٍ أمنيٍّ يُذكر أثناء العملية الانتخابية، وهذا ما يصبُّ أيضًا في صالح قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني، ويعزِّز من الثقة بهاتَيْن المؤسستَيْن.
على جانبٍ آخر أكدت الحكومة مصداقيتها وحياديتها في هذه المعركة وعدم تحيُّزها لأيٍّ من فريقَيْ التنافس، على الرغم من أنَّ أحد المرشحين في المتن كان حليفًا أساسيًّا لها.. أمين الجُمَيِّل.. وقد ظهر ذلك في النتائج التي أعلنها وزير الداخلية حسن السبع، والتي كان الاعتراض على جزء منها من قِبَل المرشح الحليف للحكومة وليس من مرشح المعارضة، وهذا ما يعزِّز مصداقيتها.
ولعل الشيء الأبرز والأهم بالنسبة لها يتمثَّل في كسر جدار نعتها بـ"اللا دستورية واللا ميثاقية" من خلال احتكام الجميع إلى صناديق الاقتراع التي دعت إليها الحكومة بمرسومها، والذي يمثِّل اعترافًا صريحًا بشرعيتها ودستوريتها، وهذا ما يجب أنْ يدفع من الآن وصاعدًا إلى الإقلاع عن نعتها بهذه الصفات، وما يجب أنْ يؤسِّس لعودة الوزراء المقاطعين أو المستقيلين لممارسة دورهم وعملهم انطلاقًا من الانسجام الحكومي، تمهيدًا لحلِّ الأزمة المستفحلة في البلد.
![]() | <
