عرفت الجزائر الكثير من الانتخابات بأنواعها المختلفة، سواءٌ المحلية أو التشريعية أو الرئاسية، وشهدت العملية الانتخابية تجاوزاتٍ وتزويرًا وتعسُّفًا من جانب السلطة؛ مما أفقدها محتواها الحقيقي، وجعل المواطن الجزائري يزهد في العملية الانتخابية، وأصبحت بمثابة إجراء روتيني يفتقد البعد السياسي والقانوني والتنموي.
وعلى الرغم من قرب الانتخابات المحلية البلدية والولائية المزمع إجراؤها اليوم، إلا أنه لا يوجد شيء قد تغير، على ما يبدو، منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة في 17 مايو 2007 إلى اليوم، سواءٌ على مستوى المشهد السياسي أو في تفاعلات الطبقة السياسية أو في سلوك السلطة، وأصبحت هناك تساؤلاتٌ حول أسباب عزوف المواطنين عن المشاركة الانتخابية الأخيرة، والتي لم تتجاوز 64%، وهذا ما أرجعه المراقبون إلى السلبيات التي يحملها القانون الانتخابي والأسلوب البوليسي المتبَع من جانب السلطة الحكومية، وما زال التخوُّف مستمرًّا من عزوف الشعب الجزائري عن المشاركة في الانتخابات المقبلة وتكرار السيناريو السابق، رغم طابع الإغراء للانتخابات المحلية.
![]() |
|
جزائريون يرفعون لافتة تدعو لانتخاب مرشحي حركة حمس |
ففي مرحلة الترشح للانتخابات المحلية، عاشت الأحزاب السياسية أيامًا عصيبةً وأجواءً متوترةً، تُعدُّ امتدادًا لتلك التي عاشتها خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وقد ترجمت تحضيرات محليات 29 نوفمبر الجاري منطق التشريعات الأخيرة، التي اتسمت بالاختلافات والصراعات والانشقاقات والهجرة الكثيفة بين صفوف مختلف التشكيلات السياسية، وتميَّزت هجرة خريف 2007 عن خريف 2002 بالغضب العارم على مستوى القواعد، في موجات احتجاجات غير متقطعة، تكاد تكون شبه عصيان على المنطق المقلوب في إعداد وترتيب واعتماد القوائم الانتخابية.
وتشابهت إلى درجة معينة مشاهد المدّ والجذر بين الطَموحِين والطامِعِين في الترشح على قوائم الحزب الحاكم؛ حيث تجسَّد منطق الغالب والمغلوب في حزب الأغلبية، والغالب فيه هو الأكثر ولاءً للحاكم؛ حيث الحركة التصحيحية التي ما تزال عنوانًا لكثير من المساوئ والمآخذ والسلبيات، والغالب الأكبر بين ذلك هو الفساد المالي وشراء الذمم؛ فقد عمَّت ممارسات العرض والطلب كلَّ المستويات؛ ليتحوَّل الحزب العتيد إلى بورصة انتخابات حقيقية.
وهكذا تمَّت صناعة قوائم الحزب؛ ما أثار حفيظة الرافضين لهذا المنطق والتحرك بعنف للتعبير عن رفضهم وازدرائهم لهذه الانحرافات، وطالبوا بضرورة استقالة الأمين العام للحزب، وهي رسالة مشفَّرة للقائمين على شئون الحزب، وتستهدف الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2009.
السرية والحذر
![]() |
|
الآلاف يعلنون تأييدهم لحركة حمس في الانتخابات |
ونجح المجتمع الوطني الديمقراطي في التعتيم إلى حدٍّ كبيرٍ على عملية إعداد قوائمه الانتخابية، بتوخِّي السرية والحذر، لكن لم تُخْفِ قيادةُ التجمع رغبتَها في استقطاب كفاءات وطنية قادرة على التسيير والتغيير، وفتح التجمع قوائمه للغاصبين والمغضوب عليهم وسيِّئي الحظِّ في تشكيلات سياسية أخرى، وعلى رأسها الأفلان وحزب العمال، والأرسيدي والأفافاس.
واستطاع الأرندي في أجواء الغموض تحويلَ خريف الغضب إلى موسم اقتناص الطيور المهاجرة، وتعزيز قوائمه بمرشَّحين يتمتعون بالكفاءة والنزاهة والالتزام أو التمثيل، حتى في أوساط الإسلاميين، وشهد الحزب انخراطًا نوعيًّا وجماعيًّا يُحسَد عليه، واستجابت مكاتب الحزب المحلية إلى طلبات الوافدين على قوائم الأرندي، التي لم تكن في منأى عن اختراقها من جانب مرشحين أصحاب سوابق قضائية.
وبهذه المناورة يكون التجمع قد قطع شوطًا كبيرًا في منافسة حزب عبد العزيز بلخادم على الأغلبية، وذلك من خلال نجاحه النسبي في انتقاء المرشحين الأكْفاء؛ مما وضعه في مركز متقدِّم في السباق إلى الأغلبية في المجالس المنتخبة، البلدية والولائية.
لكنَّ هذا الحصاد لا يعني أن كل شيء على ما يرام، وأن حزب أحمد أويحيى لم يستعمل وسائل غير مشروعة، مثل عرض بعض رؤوس القوائم على المزاد، أو التعرُّض لضغوطات خارجية، أمْلَتْها أطرافٌ فاعلةٌ في السلطة لفرض أسماء دون غيرها، كما لم يسلم الأرندي من أصوات الاحتجاج.
![]() |
|
"حمس" أعلنت الحرب على الفساد |
وفي ظل هذه الأجواء الفاسدة جاءت حركة مجتمع السلم (حمس) لتوجِّه انتقاداتٍ لأداء المجالس المحلية المنتخبة؛ بسبب حالة الفوضى والقصور التي عرفتها، وتعدُّد قضايا الفساد التي شهدتها، وتطرح نفسها كبديل مؤهَّل لتحقيق التنمية والعدالة وصيانة حقوق المواطنين إذا منحها الناخبون الأغلبية في الانتخابات المقبلة.
وقد أكد الشيخ أبو جرة سلطان- رئيس الحركة- عزوفَ كفاءاتٍ مشهود لها عن الترشح، مُرجعًا أسباب ذلك إلى غياب الصلاحيات في ظل القانون الحالي الذي حَصَر مهمَّة رئيس المجلس في تسيير المصالح المدنية، ومصلحة النظافة والتطهير ودفن الموتى، كما اشتكت قيادة الحركة- على غرار الأحزاب المنافسة الأخرى- من التعقيدات الإدارية والمماطلة البيروقراطية، التي أزعجت رجال الحركة، وأنهكت عزائمهم وإرادتهم.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الحركة شاركت في أغلب بلديات الوطن، بالإضافة إلى المشاركة الرمزية لحركة الإصلاح الوطني، التي ما تزال تعيش على وقْع الانشقاقات الداخلية، وانشطار الحركة إلى حركتين هما: الإصلاح التقويمي، والإصلاح الوطني، كما ترشَّحت حركة النهضة في حوالي نصف بلديات القطر الجزائري.
ويرى المراقبون أن هناك فرصةً كبيرةً أمام حمس للحصول على نتائج جيدة، إذا عرفت كيف تستفيد من الأزمة التي يعيشها الحزب الحاكم، والنتائج الضعيفة لحزب التجمع، لكن الرهان على الإسلاميين بجملتهم ليس رهانًا كبيرًا في الحصول على الأغلبية؛ لأن الانشطار والفُرقة والتفرُّد.. سلبياتٌ تقف وراء تراجع الحركة الإسلامية عن موقعها الحقيقي في الخريطة السياسية، وذلك أن دعوات المقاطعة من الشيخ عباس مدني والشيخ جاب الله ومشاركة حمس والإصلاح والنهضة كلٌّ على حدة.. قد يُذهب الريح ويفوِّت الفرص.
![]() |
وما زال حزبا القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يعانيان من عملية لملمة شتات الصفوف، بفعل سياسة الكرسي الشاغر المنتهجة وأزمة العروش، اللتين انعكستا سلبًا على حياة الحزبَين التنظيمية والعضوية، وتسبَّبتا في تراجع ملحوظ، فاضمحل تمثيل الأفافاس إلى 27 ولاية، وأصبح الأرسيدي يواجه تحديت إعلان القطيعة.
ومع اقتراب الانتخابات المحلية أصبح لزامًا على السلطة العمل على تحريك الساحة، وإزالة الركود، وبعث ديناميكية سياسية يتفاعل معها المواطن الجزائري، في اتجاه تجديد مجال الحياة السياسية، وبعث الحيوية والفعالية في مؤسسات الدولة، وإعادة رسم العلاقة التفاعلية بين الدول والمجتمع، وتمثل الانتخابات عاملاً مهمًّا وفرصةً مواتيةً لتحقيقه، لا سيما إذا تعلق الأمر بانتخابات تعكس حقَّ أوضاعِ وتطلعاتِ الجزائر العميقة، وما يمكن أن توفره السلطات المركزية من إمكانية ضرورية لمعالجة المشاكل وتحسين ظروف المواطنين المعيش في أُطُر تشريعية وقانونية لعمل وأداء هذه الهيئة والمؤسسة القاعدية البلدية.
إنها انتخابات ذات علاقة مباشرة بالتنمية المحلية، التي هي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي في الوقت نفسه أساس التنمية الوطنية.
------------
* بالاتفاق مع مجلة المجتمع



