- سرقوا احتياطي الذهب فانهارت العملة ونهبوا 20 مليار دولار من النفط
- شركة أحمد الجلبي جمعت الكلاب الضالة وقدمتها للحكومة على أنها مدربة
بغداد- سارة علي
لو قُدِّر لأعتى العصابات أن تضع برنامجًا تأهيليًّا لأعضائها لتعليمهم السرقة على الطريقة الحديثة، فلن تجد أفضل من نموذج العراق بعد احتلاله ونهبه على يد قوات الاحتلال وأعوانهم، كنموذجٍ تدريبي رائع لتدريب لصوصها على النهب بالمليارات.
فالمحتلون وأعوانهم لصوص 5 نجوم محترفون، والوقائع القليلة التي تمَّ كشفها عن نهبهم وسرقتهم للعراق تستحق أن تُدرَّس في أكاديميات السرقة والنهب للعصابات الكبرى، والعراق في عهدهم تحوَّل إلى بؤسٍ وفقرٍ وعوز.
فالعراق كالإسفنجة المليئة بالماء، الذي هو النفط هنا؛ حيث يعوم العراق على بركٍ من آبار النفط والمعادن الغنية الأخرى والمفروض حسب تلك التقارير أن تكون أرصفة شوارع العراق من ذهب؛ وذلك لوفرة خيراته، ولكنها كانت وبالاً على أبنائه الذين يعانون اليوم من شظف العيش؛ لأن تلك الثروات سال لها لعاب الكثيرين، وكانت من بين أهم الأسباب التي دفعت إلى احتلال العراق.
وتقول تقارير اللجان الأمريكية المختصة بالتحري عن أموال العراق بعد الاحتلال أن مبالغ تُقدَّر بـ8 مليارات دولار فُقدت خلال فترة الحاكم العسكري بريمر بعد الاحتلال مباشرةً عبر العقود والشركات الوهمية التي دخلت العراق بحجة إعمار العراق، وبعض تلك الشركات حققت أرباحًا خياليةً كشركة بكتل الأمريكية، فما كان يتكلف 5 دولارات، كانوا يكتبونه في الفواتير 50 دولارًا، وهكذا!
الأدهى من ذلك هو ما جاء في أحد البرامج التي عرضتها قناة mbc4 نقلاً عن قناة fox الأمريكية عن تورط بعض الشركات الأمريكية ببيع مواد وأجهزة لا تعمل إلى العراق، ولما سأل مقدم البرنامج كيف تبيعون سيارات وعجلات لا تسير، أجاب مسئول الشركة الأمريكية إن العراق طلب شراء سيارات وعجلات، ولكن لم يشترط في العقد أن تكون تلك السيارة والعجلات تسير!.
وعندما كان أحمد الجلبي أحد أعضاء حكومة سابقة مسئولاً عن توريد الكثير من الصفقات للعراق- كان المطلوب استيراد كلاب بوليسية لأغراض الحراسات في دوائر الدولة ومؤسساتها، وقد رست المناقصة على إحدى الشركات التي يملكها الجلبي، وكان مبلغ الصفقة مليون دولار أمريكي، فقام المذكور من خلال موظفيه بجمع الكلاب الضالة في شوارع بغداد وتقديمها للحكومة على أنها كلاب بوليسية مدربة، والحكومة بطبيعة الحال أثنت على الصفقة؛ لأنها كما يُقال سينالها من الحظ جانب!.
سرقات الجلبي
أحمد الجلبي

أيضًا من ضمن السرقات التي قام بها أعوان المحتل، تلك الحادثة الشهيرة بعد غزو العراق؛ حيث تركزت مجموعات أحمد الجلبي في فندق فلسطين ميريديان ومجموعات العميد الموسوي في فندق شيراتون ويروي العميد المهندس حسن منشد أن لديه تسجيل فيديو لحادث سطو مجموعة الجلبي على 250 مليون دولار كانت في سرداب فندق فلسطين الميريديان في إحدى سيارات البنك، وعند اعتراض العميد حسن منشد على خروج السيارة اتصل مسئولوه بالعميد الموسوي الموجود آنذاك في فندق الشيراتون، إلا أن الأخير أوعز له بالسماح للسيارة بالخروج.
ومن ضمن الذهب العراقي الموضوع أمانة في سويسرا، والذي تبلغ قيمته مئات بلايين الدولارات، والمخصص لتغطية قيمة العملة العراقية المتداولة، وعندما تم تجميد الذهب العراقي هبطت قيمة العملة العراقية المتداولة، وأصبح ما يعرف في العراق آنذاك بالدينار السويسري، وهو ما كان متداولاً في شمال العراق في منطقة الحكم الذاتي كردستان والدينار العراقي الذي كان متداولاً في باقي أرجاء العراق؛ لأن الأول كان يطبع في سويسرا مقابل قيمة الذهب المؤمن هناك، والثاني بدأت الحكومة العراقية بطباعته في العراق؛ لذلك قامت قوات الغزو الأمريكي في العراق بعد حل الجيش العراقي، وبعد حرق وتدمير وسرقة كل الدوائر في بغداد ومنها وثائق وزارة الخارجية بإحراق العملة العراقية واستبدالها بعملة أخرى لأسباب عديدة، ومن أهمها سرقة باقي الذهب العراقي في سويسرا، وهو ما تروى مصادر عراقية أنه حصل أيضًا في حساب خاص في البنك الوطني الفرنسي بإشراف اللجنة سيئة الصيت التي حملت الرقم (661) التي كانت تسيطر عليها أمريكا وبريطانيا.
ولنا أن نتصور من هذه الوقائع القليلة المدى الذي وصل إليه المحتل في نهب أموال العراق، خصوصًا أن المحققين في مكتب المحاسبة العامة الأمريكي قالوا في الثلاثين من أبريل 2004م بأنه كان هناك حوالي 58 مليار دولار من مصادر مختلفة متاحة أمام العراق لاستخدامها في إعادة إعمار العراق فأين تلك المبالغ؟ وأين إعمار العراق؟
الإجابة النموذجية على هذا التساؤل تتلخص في أن الأموال نهبت وسرقت وكلها ذهبت إلى جيوب الأمريكان وجزء منها بالطبع ذهب لجيوب عملائهم والمتعاونين معهم في مشروع احتلال العراق واستباحته، وربما نجد في المقتطفات المبنية أدناه، والتي تكشف عن عمليات السرقة الكبيرة هذه باعترافهم واعتراف هيئات ومنظمات دولية متخصصة أمثلة تؤكد الإجابة على هذا التساؤل:
سرقات نموذجية: كشفت هيئة الاستشارات والرقابة الدولية التي تم تشكيلها طبقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1483 الصادر في 22/5/2003 في أحد تقاريرها وقائع مهمة عن هدر أموال صندوق التنمية العراقي المودعة فيه إبَّان وجود سلطة الإدارة المؤقتة التي كان يترأسها بول بريمر والبالغة 20 مليارًا و 200 مليون دولار؛ حيث تضمنت عائدات النفط العراقي 11 مليار دولار، وبعض الأموال التي نقلت من حساب برنامج النفط مقابل الغذاء بحدود 7 مليارات دولار، وقد أنفق منها 11 مليارًا و300 مليون دولار.
![]() |
|
بول بريمر |
كما قام بريمر في آخر أيامه- وفقًا لأحد المسئولين الأمريكان- وتحديدًا في يومي 25، 28 يونيو بتوزيع عددٍ من المليارات على عجالةٍ قبيل مغادرته العراق كانت حصة حزبي الطالباني والبارزاني منها مليارًا و800 مليون دولار من فئة 100 دولار بلغ وزنها الكلي 14 طنًا وحملتها 3 مروحيات إلى كردستان، وقد أكدت ذلك هيئة الإذاعة البريطانية في تحقيقٍ أجرته حول الموضوع، وقالت: إن مصير هذه المبالغ يعتبر لغزًا محيرًا.
وذكرت صحيفة "الفاينانشيال تايمز" اللندنية أن هذه الأموال مودعة حاليًّا في بنك كردي مجهول في جنيف، وتم التفاوض مع شركة أمريكية أسسها اثنان من مساعدي الرئيس بوش، والرئيس السابق لمستشاري البيت الأبيض- لتمثيل الحزب الديمقراطي الكردستاني في واشنطن لتوظيفها في البنوك السويسرية.
وانتقدت وكالة الرقابة المالية، التابعة للأمم المتحدة سلطة الاحتلال بسبب الطريقة التي أنفقت بها أكثر من 11 مليار دولار من عائدات النفط العراقي، وذكرت الوكالة في تقرير نشرته "الفاينانشيال تايمز" أن صندوق تنمية العراق الذي تديره سلطة الإدارة المؤقتة برئاسة بريمر وتقوده أمريكا، والذي يحول عائدات النفط إلى مشاريع إعادة الإعمار كان عرضة لأعمال النصب والاحتيال.
أيضًا كشفت منظمة كريستيان أيَّد البريطانية عن أن بريمر سرق 4 مليارات، وفي تقريرٍ آخر لها أبلغت المنظمة عن مجهولية مصير عشرين مليار دولار من الأموال العراقية، وتساءلت: أين ذهبت تلك الـ20 مليارًا؟ ولم يصدر حتى الآن أي توضيحٍ لا من السلطة المؤقتة المنحلة ولا من الإدارة الأمريكية، ولا من قِبل الحكومة عن مصير تلك الأموال!
وشركة المحاسبة "كيه بي جيه" التي اضطلعت بمسئولية التدقيق لحسابات صندوق التنمية أكدت أن المسئولين الأمريكيين الذين أداروا العراق تحايلوا في التعامل مع نحو 20 مليار دولار أنفقت خلال الاحتلال، وشددت على أن كثيرًا من العقود التي أُبرمت من قبل جهة السلطة المؤقتة المنحلة لم يطلع عليها مجلس الحكم المنحل، ولا الشعب العراقي ولا أية جهة رسمية معينة ولا حتى هذه الشركة رغم مطالبتها بذلك، وأشارت إلى الملياري دولار التي صرفها بريمر في اليومين الأخيرين لوجوده والتي اتضح أنها أعطيت إلى البارزاني والطالباني إضافةً إلى 3 مليارات لعقود مبرمة في نهاية فترة بريمر أيضًا، وكل هذه المبالغ لا يعرف عنها أو عن وثائقها أي شيء، ومن بين ما أوردته أيضًا أن هناك 4 مليارات و 600 مليون دولار رصدت لالتزامات معلقة ولم يتم التعرف على هذه الالتزامات.
وقد أيَّدت هيئة الإذاعة البريطانية في التحقيق الخاص الذي أجرته في نهاية يناير من العام الماضي ما ذهبت إليه منظمة كريستيان أيد؛ حيث كشفت التحقيق عن نهب مليارات الدولارات من الثروة النفطية العراقية، بمشاركة وتواطؤ من قوات الاحتلال الأمريكي وعدد من الشركات الأمريكية، خصوصًا في الفترة السابقة لحل مجلس الحكم العراقي.
فضائح فساد
وقال أحد المشاركين في التحقيق إنه قياسًا على عمليات السرقة والفساد والنهب التي أعقبت الاحتلال فإن إعادة إعماره تنذر بأن تكون من أكبر فضائح الفساد في التاريخ، وقالت الإذاعة، إن ما يزيد على 20 بليون دولار من ثروة العراق النفطية بدَّدت بين سرقةٍ ونهبٍ ورشوة.
![]() |
|
نهب نفط العراق مستمر!! |
أيضًا الكولونيل تشارلز كرون، وهو الضابط الأمريكي الذي كان ناطقًا باسم قوات التحالف في العراق قال: إن قوات التحالف التي كانت مسئولة عن ثروة العراق بصفتها قوة احتلال استولت على مبالغ نقدية كبيرة وجدتها في القصور والمجمعات الرئاسية والدوائر الرسمية العراقية ويقول: لا أدري ما حصل لها، الكثير منها نقل بطائرات إلى مواقع مجهولة ربما نقلت خارج العراق أو ربما أعطيت للقادة العسكريين ليصرفوها في مناطق قيادتهم بحرية.
أيضًا وجد مدققو حسابات من الحكومة الأمريكية أن 8.8 مليارات دولار من الأموال التي يُفترض أن تكون قد صُرفت في العراق مفقودة ولا توجد سجلات حسابات تشير إلى أوجه صرفها أو إلى الجهات التي تلقتها أو أخذتها، ويلوم المدققون سلطة التحالف المؤقتة في ضياع هذه الأموال لإخفائها في إدارة الأموال حسب الأصول المعتادة.
وكشف تقريرٌ أعده المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق الحقوقي ستيوارت باون أن سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق التي كان يقودها الأمريكي بول بريمر أضاعت حوالي 9 مليارات دولار كانت مخصصة لإعادة إعمار العراق، وأشار التقرير إلى أمثلة كثيرة من الفساد والاختلاس منها أنها قامت بدفع مبالغ على لائحة بالنفقات تضم أسماء 8206 أشخاص غير موجودين أو غير حقيقيين، وإضافةً إلى ذلك فإنه وقَّعت عقودًا بملايين الدولارات في غياب أي وثاق أو لتلك أصولية لتلك العقود مما يشير إلى وقوع عمليات اختلاس وسرقة.
إعادة الإعمار أكبر فضائح الفساد
أما في إطار عملية إعادة الإعمار وعقودها فإن السرقة فيها أيضًا كانت واضحة تمامًا؛ إذ إن تقرير هيئة الاستشارات والرقابة الدولية التي أمر بتشكيلها قرار مجلس الأمن رقم 1483 يكشف لنا عن فضائح استخدام الأموال العراقية ويشير إلى أن استخدام الأموال العراقية تمثل حالة فساد مطلق وقد أوردت مئات الأمثلة عن حالة الفساد منها:
- إحالة مناقصة إعمار الهياكل الارتكازية على شركة هاليبرتن بمبلغ مليار ونصف المليار دولار دفعت مرةً واحدةً إلى هذه الشركة قبل حتى البدء بالتنفيذ، وهذه الشركة كان يرأسها ديك تشيني قبل توليه منصب نائب الرئيس.
- أمر موظف في سلطة الاحتلال بالخطأ بصرف مبلغ 3 ملايين دولار كدفعةٍ أوليةٍ عن مقاولة ملغاة أصلاً، ولا علاقةَ للموظف لها، وذهبت الأموال إلى جيوب مستلميها المجهولين ولم تعد.
- خصص أعضاء سلطة التحالف المؤقتة مبلغ 800 مليون دولار لمقاولات مجهولة الأساس يتم انجازها بعد مغادرتهم العراق؟!
- خصص بريمر مبلغ 10 ملايين دولار لشخص أمريكي من أصل عراقي هو كنعان مكية ادعى أنه سيبني متحفًا لضحايا صدام حسين، وسلم له المبلغ وطار هو ومشروعه والأموال عائدًا إلى مكان إقامته في الولايات المتحدة الأمريكية دون إن يقدم شيئًا يُذكر.
وأشار التقرير إلى أن سلطة التحالف المؤقتة التي حكمت العراق من مايو من عام 2003 وحتى 28 يونيو 2004 تاريخ تسليم السلطة إلى الحكومة العراقية المؤقتة، استعملت في هذه الفترة أموال الدولة العراقية وعائدات النفط، لما يسمى بإعادة إعمار العراق، وكل الذي استطاعت أن تقدم به وثائق وأسسًا مشروعية للصرف هو تمويل قرابة 1928م عقدًا بلغت قيمتها 847 مليون دولار فقط، وباقي المبالغ الله أعلم به!
ولم ينته الأمر عند ذلك، فوزير المالية العراقي بيان جبر صولاغ قام بالتعاون مع ابن شخصية ترأس أكبر ائتلاف في الحكومة الحالية ببيع الأبنية ومقرات السفارات العراقية في الخارج، وأصدر أوامره ببيع بناية مصرف الرافدين في لندن باعتبارها من ممتلكات وزارة المالية العراقية التي يرأسها، رغم أنها بناية عريقة تقع في قلب منطقة السيتي في لندن؛ حيث كبريات المصارف البريطانية والعالمية، ويقدر سعر البناية حاليًا بعشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية.
-----------
* بالاتفاق مع المجتمع

