عناصر كثيرة تتشابك في تشكيل الأزمة الدارفورية بعضها تسأل عنه الأطراف الداخلية، والأخرى تتحمل مسئوليتها الأطراف الخارجية، تلك الأزمة التي تتصاعد وتيرة أحداثها بصورةٍ لافتةٍ في الآونة الأخيرة، بالرغم من الجهود الكثيرة المبذولة لاحتوائها، سواء من قِبل الحكومة السودانية التي تخشى من تدويل الأزمة، أو من قبل الأطراف الإقليمية التي تخشى من تأثيرات الأزمة السلبية على أمنها القومي، وعلى أمن واستقرار المنطقة، أو من قِبل الأطراف الدولية التي تتحرك أحيانًا من منطلقٍ إنساني، وأحيانًا أخرى بدافعِ الحفاظ على المصالح، إلا أن تلك الجهود تبقى محدودةَ التأثير، قليلةَ الفاعلية؛ لأسبابٍ كثيرة- أيضًا- بعضها داخلي والآخر خارجي، فهل يمكننا رغم كل ذلك حل الأزمة، ووضع حدٍّ للصراع الدائر هناك، أم ستظل الأمور مشتعلة إلى أن يحدث الانفصال وتقع الكارثة التي يخشاها الجميع؟
مسئوليات مشتركة
كان طبيعيًّا بعد أن توصلت الحكومة السودانية إلى اتفاقية سلامٍ مع الجنوب، وتعيين سلفا كير نائبًا للرئيس السوداني، أن تشتعل الأزمة الدارفورية، لتحتل المرتبة الأولى على الأجندة السودانية، ولأول مرةٍ منذ فترةٍ طويلة، خاصةً بعد قتل وتشريد الآلاف من الدارفوريين على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
وفي الواقع هناك أسباب عديدة وراء تفاقم الأوضاع في دارفور، في مقدمتها الشعور الشديد بالظلم جرَّاء عدم توافر العدالة في توزير الموارد السودانية على جميع المناطق بالمساواة، بالرغم من كثرةِ الموارد الني يتمتع بها إقليم دارفور، من بترولٍ ومعادن وأراضٍ خصبة يمكن في حالةِ الاستفادة منه أن تكفي السودان وغيره من الدول العربية.
يُضاف إلى ذلك عدم قيام الحكومة السودانية، وقت إجراء المباحثات والاتفاقيات مع الجنوب بإشراك ممثلين عن الإقليم، وبالتالي إعطاؤه جزءًا من التمثيل اللائق في الحكومة، خاصةً أن ما يُقدمه الإقليم لحكومة الشمال من موارد وخدمات يفوق بمراحل ما يقدمه الجنوب، ومن هنا نقول إنه كان طبيعيًّا نتيجةً لذلك أن تتحرك الفصائل المختلفة من أجل الضغط على الحكومة والأطراف المختلفة من أجل الحصول على جزءٍ ولو بسيط من الكعكة.
وبالفعل بدأت حركات التمرد في تهديد الوجود الحكومي في المنطقة، عن طريق الاستيلاء على مراكز الشرطة، وطرد العناصر الحكومية منها، مما دفع الحكومة لأن تستعين بالقبائل العربية الموجودة في الإقليم من أجل استعادة السيطرة على الأوضاع مرةً ثانية، ومن هنا جاءت الاستعانة بميليشيا الجنجويد من أجل مواجهة حركات التمرد المدعومة من أطراف داخلية وخارجية.
وفد مجلس الأمن دعا إلى نشر قوات دولية في دارفور
وقد تسبب ذلك في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وصلت لدرجة قيام الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، وبعض الدول الكبري للمطالبة بتدويل الأزمة الدارفورية، بسبب- حسب ادعاءات تلك الدول- عدم قدرة الحكومة على ضبط الأوضاع، بل وتسببها في إذكاء الصراعات الدائرة هناك، في مقابل رفض الحكومة السودانية لذلك الأمر على أساس أنه يُمثِّل تهديدًا صريحًا للسيادة السودانية، وتدخلاً مرفوضًا في شئونها الداخلية؛ وذلك بالرغم من الضغوط والتهديدات الكثيرة الموجهة ضدها من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن يسير في فلكها من الدول الكبرى.

ومن جانبها، عمَّت حركة تحرير السودان، إلى التحرك صوب دارفور، في محاولةٍ منها لكسب أراضٍ وأنصار جدد، يُمكنوها في حالة الاختلاف مع الحكومة السودانية، من الضغط عليها، ودفعها لتلبية مطالب الحركة، مثلما هو واضح في الآونة الأخيرة، بعدما وضحت نيات الحركة في الاستقلال عن الحكومة السودانية، ودفع الجنوب للانفصال عن الشمال؛ الأمر الذي يُحتم عليها فتح العديد من جبهات الصراع أمام الحكومة، حتى لا تقدر على مواجهة مخططات الحركة.
مصالح خارجية
الإبادة المزعومة لأهالي دارفور ذريعة الدول الغربية لدخول السودان

أما على الصعيد الخارجي فالوضع لا يختلف كثيرًا عمًّا يحدث في الداخل، فالإدارة الأمريكية الحالية، تحاول من ناحيةٍ أن تُلفت الأنظار عمَّا يحدث في العراق وفلسطين من أحداث مأساوية تتحمل مسئوليتها الإدارتان الأمريكية و"الإسرائيلية"، والتأكيد مرةً ثانيةً على أن ما يدفعها للتحرك في منطقة الشرق الأوسط، هو رغبتها في الحفاظ على حقوق الإنسان في المنطقة؛ وذلك في محاولةٍ منها لكسب ود الناخب الأمريكي- خاصةً أننا مقبلون على انتخاباتٍ رئاسية جديدة-، بعد أن فقد ثقته في الإدارة الحالية وحزبها الجمهوري.
ومن ناحيةٍ ثانية، تحاول الإدارة الحالية الهيمنة والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك السودان، خاصةً منطقة دارفور الغنية بينابع النفط والمواد المعدنية الثمينة، وفي نفس الوقت الحد من النفوذ الصيني المتزايد والمسيطر بالفعل على جزءٍ كبيرٍ من البترول السوداني الرخيص.
وفي هذا الصدد فقد اعتبر الرئيس بوش أن ما يحدث في دارفور أزمة تتحدى ضمير العالم، مما يدفعه لفرض عقوبات قاسية على الحكومة السودانية بزعم أنها مسئولة عن عمليات الإبادة التي تتم في الإقليم.
وبالفعل قرر الرئيس الأمريكي منع 31 شركةً من بينها شركات تصدير النفط من الاتجار وإجراء التعاملات المالية مع الحكومة السودانية.
ولم يكتفِ بوش بذلك، بل أكد سعيه لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لمعاقبة حكومة الخرطوم، متهمًا الحكومة السودانية بعرقلةِ جهود الأمم المتحدة لتحقيق السلام في دارفور.
وبناءً عليه كلَّف بوش وزيرة الخارجية كونداليزا رايس بالتشاور مع بريطانيا وحلفاء آخرين للسعي إلى فرض عقوبات جديدة على السودان داخل مجلس الأمن بحيث تفرض حظرًا موسعًا على مبيعات الأسلحة للحكومة السودانية.
أما "إسرائيل" فتسعى بدورها لتهديد الأمن القومي العربي عمومًا والمصري خصوصًا؛ وذلك عن طريق التدخل في مناطق الصراع القريبة منها، وإيجاد موضع قدمٍ تستطيع من خلاله إشعال الصراع في أي وقتٍ تشاء، وفي نفس الوقت الاستفادة من الموارد الكثيرة الموجودة في تلك المناطق، سواء عن طريق شركائها الأمريكيين، أو عن طريق عملائها في المنطقة، وفي نفس الوقت تقديم دعمٍ وهمي لأهالي المنطقة، من أجل تحسين صورتها من ناحية، والحصول على تعاطف هؤلاء معها من ناحية أخرى.
أما الصين وروسيا فتعملان بدورهما من أجل الحيلولة بين الولايات المتحدة وبين السيطرة على الإقليم، بسبب مصالحهما النفطية هناك، خاصةً أنه من شأن سيطرة أمريكا على الإقليم، أن تجعل تلك الدول طوع إرادة واشنطن، وهذا ما يرفضه الجميع، خاصةً بعد أن أدَّت سياسات بوش في المنطقة إلى ارتفاع أسعار البترول لأرقام قياسية، تخطت الـ90 دولارًا، وإن كان الغالب أن تتم تسوية حسابات الدول الكبرى بالطريقة التي تخدم مصالحها وليس مصلحة أصحاب الأرض والإقليم؛ الأمر الذي لا يجعلنا نعول كثيرًا على دور هؤلاء في حل الصراع.
مواقف مترددة
وبين هذا وذاك يبقى الوضع العربي، حائرًا بين الحفاظ على مصالحه وأمنه الإقليمي، وبين الوقوف في وجه المخططات الغربية التي تسعى لتقسيم الإقليم.
![]() |
وفي الواقع الدول العربية، وفي القلب منها مصر أمام تحدٍّ كبير، إذ لا يخفَى على أحدٍ أن الدول الكبرى، تعمد إلى تهميش الدور المصري في السودان، لعلمهما بخطورة ذلك الدور على مصالحها في الإقليم؛ ولذلك فهي تسعى إلى إشغال مصر والدول العربية بهمومها ومشاكلها الداخلية، ومنعها من الاهتمام بما يجري في الإقليم، حتى لا يُؤثر ذلك على مساعيها ومخططاتها الخاصة بالسيطرة والهيمنة على المنطقة.
ومن ثَمَّ تسعى تلك الدول جاهدةً من أجل إفشال أية قمم أو مؤتمرات تدعو إليها الدول العربية، في محاولةٍ منها لحل أزمة دارفور، مثلما حدث مؤخرًا في سرت بليبيا، عندما غابت أطراف عديدة، واختلفت بقية الأطراف التي حضرت حول سبل الخروج من الأزمة.
ورغم ذلك لا بد وأن نؤكد أن الدول العربية، وفي القلب منها مصر، أمام خطرٍ محدق، يحتاج منها لأن تقف بقوةٍ من أجل تفويت الفرصة على مَن يريد الإضرار بأمن واستقرار المنطقة، من أجل ألا يتكرر السيناريو العراقي مرةً ثانية، مع بقية الدول العربية، الواحدة تلو الأخرى.
حل الأزمة
لقد وصلت الأزمة الدارفورية إلى وضعٍ في غايةِ الخطورة، خاصةً بعد أن ترك المنطقة الآلاف من مواطنيها؛ خوفًا من عمليات القتل المستمرة من قِبل كافة الفصائل الموجودة في دارفور بلا استثناء بما في ذلك الجنجويد؛ الأمر الذي يحتم على كافة الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية العمل معًا من أجل وقف معاناة هؤلاء البشر.
والحقيقة أن الأمر لا يتطلب سوى تجنيب لغة المصالح مؤقتًا، والعمل معًا من قِبل المجتمع الدولي، وبالاتفاق مع الحكومة السودانية، ومع مختلف الفصائل المتمردة، على تهدئة الأوضاع، وإيجاد صيغةٍ يُوافق عليها الجميع فيما يتعلق بعمليات إعادة توزيع الثروات الكثيرة التي تحفل بها المنطقة، وفي نفس الوقت الاتفاق مع الدول الكبرى على الكيفية التي يمكنها من خلالها استغلال ثروات الإقليم بالصورة التي لا تضر بأهله، وعدم استغلال الإقليم من أجل تحقيق مصالح خاصة، حتى ولو كان ذلك على حساب الشعب الدارفوري الفقير.
وعلى الصعيد الداخلي، على الحكومة السودانية أن تجتمع مع مختلف الفصائل، وأن تعمل على الوصول إلى صيغةٍ توافقيةٍ تُرضي جميع الأطراف، من أجل الحفاظ على أمن واستقرار السودان، خاصةً أن الجميع يعلم جيدًا أن القوى الخارجية لا تتدخل في السودان، إلا من أجل تحقيق مصالحها الخاصة فقط.
وفي النهاية نؤكد أن الحروب والعقوبات لا تحسم صراعًا، بل على العكس تزيد الأمور سوءًا؛ حيث تقابل تلك الأفعال بتشدد من قِبل غالبية الأطراف، خاصةً الحكومات التي ترفض الإذعان لأي إرادةٍ خارجيةٍ مهما كانت قوتها، خصوصًا إذا ما كان من شأن ذلك أن ينزع عن تلك الحكومة هيبتها أو يحد من سيطرتها على أمورِ شعبها، ومن هنا يبقى الحوار هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها حل أزمة دارفور، وتجنيب شعبه عمليات القتل والتشريد التي يعاني منها.
