في أجواء قريبة مما شهدته الانتخابات البرلمانية في الوطن العربي مؤخرًا، جرَت الانتخابات التشريعية الروسية، بعد أن سبقتها مجموعةٌ من الإجراءات الخاصة بتهيئة الأوضاع المناسبة لفوز حزب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سواءٌ تلك المتعلقة بتغيير النظام الانتخابي، بما يسمح بفوز حزب "روسيا الموحَّدة" بأكثر من 60% من الأصوات، أو تلك الخاصة بالحدِّ من عمليات المراقبة على الانتخابات، أو تلك التي تحُولُ بين المعارضة والوصول إلى وسائل الإعلام المختلفة، ومن ثَمَّ التفاعل مع الجماهير وإقناعهم ببرامجهم الانتخابية، إلى غير ذلك من أمور تحدُّ من قدرة القوى المعارضة على المنافسة، وذلك كله من أجل أن يحتفظ الرئيس بوتين بنفوذه في روسيا بعد أن يترك منصبه الرئاسي في 2008.
سوابق العملية الانتخابية
تؤكد الإجراءات السابقة على إجراء العملية الانتخابية في روسيا أن الرئيس بوتين وقيادات حزبه، يعدُّون أنفسَهم للسيطرة على الأوضاع في روسيا خلال الدورة التشريعية القادمة؛ إذ جرت هذه الانتخابات ولأول مرة وفقًا للنظام النسبي وحده، وذلك على خلاف مجالس الدوما السابقة التي كان نصف نوابها يُنتخبون عبر نظام الاقتراع المباشر.
![]() |
|
أنصار حزب روسيا الموحدة في إحدى مسيراتهم الانتخابية |
فبموجب القانون الانتخابي الذي أقرَّه مجلس الدوما- بناءً على اقتراح تقدَّم به الحزب الحاكم- تُجرَى الانتخابات بموجب نظام القوائم الحزبية، وتُلغى مقاعد المستقلين الذين منعتهم القوانين الجديدة من الترشح، إلا ضمن القوائم الحزبية بوصفهم مناصرين لها، على ألا يتعدى عددهم الـ50% من عدد المرشحين، ويرفع القانون الجديد أيضًا سقف الحد الأدنى اللازم للفوز من 5% من أصوات الناخبين عمومًا إلى 7%.
وينص القانون الجديد أيضًا على اعتبار الانتخابات البرلمانية شرعيةً، بغض النظر عن نسبة المشاركة، بعد أن كان القانون السابق يشترط مشاركة نسبة 51% من الناخبين المسجَّلين في القوائم الانتخابية وعددهم يزيد عن 108ملايين ناخب.
وبذلك تكون المنافسة في تلك الانتخابات قد اقتصرت على الأحزاب بصورة كبيرة، ولأن الأحزاب الروسية ضعيفة إلى حدٍّ ما، وتفتقد غالبيتَها للقدرة على التواصل مع الشريحة العريضة من الجماهير- خاصةً بعد أن أصدرت القيادات الروسية تعليماتٍ إلى وسائل الإعلام بعدم التواصل مع الأحزاب المعارضة، بل ومنعها من نشْرِ برامجها عبر وسائل الإعلام الرسمية والمعارضة على حدٍّ سواء؛ باعتبار أن تلك الوسيلة، من وجهة نظرهم، غير مجدية في العملية الانتخابية- يصبح من الطبيعي أن يفوز حزب "روسيا الموحدة" بغالبية المقاعد.
ومما ساعد على ذلك الأمر كذلك محدودية المراقبة على العملية الانتخابية؛ حيث شارك فقط في الإشراف على الانتخابات ما يقرب من 266 مراقبًا معظمهم من دول رابطة الدول المستقلة التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق، في حين قاطعها مراقبو منظمة التعاون والأمن الأوروبي؛ بسبب نقص تعاون موسكو معهم.
![]() |
|
بوتين يدلي بصوته |
أضف إلى ذلك أنه ولأول مرة في تاريخ روسيا، يشارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الانتخابات على رأس لائحة الحزب الحاكم؛ مما جعل العديد من المراقبين يصفون الانتخابات بأنها أقرب إلى استفتاءٍ فعليٍّ حول سياسة بوتين في روسيا.
وبالإضافة إلى كل ما سبق، فقد ذكرت صحيفة "كوميرسانت" نقلاً عن مصادر أمنية أن أجهزة المخابرات هي التي ستتولَّى عمليًّا الإشراف المباشر على العملية الانتخابية، وأن ما عداها من قوات مدعوٌّ للائتمار بأمرها، وهو ما أكدته مصادر مخابراتية، قالت إنها تتولى فقط التنسيق بين أجهزة الحراسة والأمن؛ الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه لتزوير الانتخابات ومِن ثَمَّ التحكم في نتائجها.
استطلاعات مخيفة
كما أنه وبالرغم من حظر استطلاعات الرأي في روسيا حتى لا يؤثر ذلك على شعبية الرئيس، وفُرَص حزبه في الفوز، توقعت استطلاعات الرأي التي أُجرِيَت بالرغم من الحظر المفروض، أن تتجاوز نسبة التصويت لصالح حزب "روسيا الموحدة" الـ60% استنادًا إلى رصيد بوتين في تحقيق استقرار اقتصادي وتحسين مستوى حياة الروس في ثماني سنوات من حكمه.
ومنحت الاستطلاعات التي حظرتها السلطات رسميًّا "روسيا الموحدة" حوالي 67% من نوايا التصويت، والحزب الشيوعي بين 7% و14%، والحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي (قومي متشدد مؤيد للكرملين، حوالي 7%).
وقد كشفت الاستطلاعات أيضًا أن الأمل ضعيف في أن تتخطَّى عتبة الـ7% المحددة لدخول البرلمان أحزاب "روسيا الصحيحة" الاشتراكي القريب من الكرملين و"وطنيو روسيا" اليساري و"اتحاد القوى اليمينية" الليبرالي المعارض و"يابلوكو" الإصلاحي المعارض والحزب الديمقراطي الروسي وحزب الفلاحين الروسي وحزب العدالة الاشتراكية و"القوة المدنية".
انتقادات لاذعة
أحد مؤيدي حزب بوتين في مسيرة انتخابية

ومن جانبها كانت الأحزاب الروسية المعارضة قد وجَّهت انتقاداتٍ لاذعةً للرئيس الروسي، متهمةً إيَّاه بخرق القانون والدستور، خاصةً بعد أن وجَّه وسائل الإعلام الروسية للعمل لمصلحته فقط، دون سائر الأحزاب التي حُرِمَت من القيام بمسيرات، بل واستخدامه لوسائل عامة لضمان فوز واسع لحزبه؛ لدرجة قيامه باعتقال كل من يقوم بمسيرات دون ترخيص، ومن ضمن هؤلاء لاعب الشطرنج السابق غاري كاسباروف، وفي هذا الصدد صرَّح سيرجي ميتروخين- نائب رئيس حزب يابلوكو الحر- لإذاعة إيكو موسكو بأن ما حدث يمثل خرقًا صارخًا للقانون وسوءَ استخدام للسلطة لصالح حزب واحد.
وكذلك اتهم حزبٌ ليبراليٌّ روسي الرئيس فلاديمير بوتين بإساءة استعمال سلطته قبل ساعاتٍ من بدء التصويت في الانتخابات البرلمانية (الدوما)، وأضاف كارت فون كليدن- المتحدث باسم الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي الديمقراطي الألماني للشئون الخارجية- إن الانتخابات البرلمانية في روسيا لا يمكن وصفها بالنزاهة أو الحرية.
تبريرات واهية
ومن أجل تبرير موقفهم فيما يتعلق بحدوث تغيُّر في وسائل الدعاية المتبَعة في مثل تلك الظروف، وتحوُّلها من الشعار الرنَّان إلى الرمز والإشارة، اتهم الرئيس الروسي معارضيه السياسيين بالسعي لإضعاف روسيا؛ بسبب إصرارهم على استخدام وسائل الإعلام للتواصل مع الجماهير العريضة من الشعب الروسي.
وأضاف بوتين أمام آلاف من مناصريه قبل 11 يومًا من الانتخابات التشريعية أن هذه المعارضة تريد أن تكون روسيا ضعيفةً وعاجزةً وتريد مجتمعًا روسيًّا ضائعًا ومقسمًا لكي تمرر مخططاتها دون رادع، مشيرًا إلى أنها تسعى كذلك وبدعم من الغرب لإرجاع عقارب الساعة إلى الأوقات الصعبة التي عاشتها روسيا.
![]() |
|
بوتين هاجم المعارضة في تصريحاته |
ووصف بوتين المعارضة بأنها وصوليةٌ، تسعى إلى تمويل أجنبي، وبالتحضير لعملية استفزاز عبر النزول في الشارع، بعد ما تعلَّمت ذلك من خبراء غربيين، وتدرَّبت في الجمهوريات المجاورة.
كما حذَّر أيضًا من مخاطر وصول المعارضة إلى السلطة، وقال إنها ستمارس الخداع والتضليل مرةً أخرى، مشيرًا إلى أنها تسعى إلى إعادة نظام الأقلية القائم على الفساد والأكاذيب.
نتائج العملية الانتخابية
أظهرت النتائج الرسمية للانتخابات، وكما هو متوقَّع، أن حزب "روسيا الموحَّدة"- بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين- حصد أكثر من 60% من مقاعد مجلس الدوما؛ حيث صرَّحت اللجنة الانتخابية المسئولة عن إدارة العملية الانتخابية أن حزب "روسيا الموحدة" والذي يضمُّ في صفوفه بحسب الأرقام المعلنة رسميًّا 1.5 مليون عضو، قد فاز بنسبة 63.6% من المقاعد النيابية بعد فرْز 34% من أصوات الناخبين.
أما الحزب الشيوعي- والذي يفوق عدد منتسبيه مليون شخص، ويزيد أنصاره عن 20 مليونًا بحسب قيادته، والذي يمتلك قاعدةً اجتماعيةً مؤيدةً في أقاليم البلاد- فقد حلَّ ثانيًا بـ11.5%، تلاه الحزب الديمقراطي الحر 9.5%، ثم حزب "روسيا العادلة" أحدث الأحزاب السياسية المشاركة عمرًا، والذي أسسه رئيس مجلس الفيدرالية (الشيوخ) سيرغي ميرونوف؛ ليكون بديلاً محتملاً عن حزب السلطة، وقاد حملته الدعائية على أساس "بوتين لولاية ثالثة"، لكنه تلقَّى ضربةً كبيرةً عندما انضمَّ بوتين إلى لائحة "روسيا الموحدة"، والذي حصل على 7.5%، وبذلك تصبح تلك الأحزاب هي الوحيدة التي تجاوزت عتبة الـ7% الضرورية للحصول على مقعد في البرلمان.
أما المعارضة الليبرالية التي لا تتمثَّل في الجمعية المنتهية ولايتها باستثناء بعض النواب المستقلين، فقد أصيبت مجددًا بالهزيمة؛ إذ لم يحصل حزب يابلوكو سوى على 4.1%، بينما حصلت بقية الأحزاب على نسبة لا تتعدَّى 1.1%، وتتمثل تلك الأحزاب في:
- اتحاد القوى اليمينية: أكثر أحزاب اليمين الليبرالي تنظيمًا، ولا يُخفي ولاءَه الكامل للغرب، لكنَّه تعرَّض خلال السنوات الأخيرة للتفتُّت؛ ما أضعف مواقعه كثيرًا، كما تعرَّض مع بقية الأحزاب الليبرالية لحملة عنيفة من جانب الكرملين.
- الحزب الديمقراطي الروسي: من التشكيلات التي خرجت عن اتحاد القوى اليمينية.
- القوى المدنية: خرج كذلك من اتحاد القوى اليمينية.
- حزب العدالة الاجتماعية: يقدمه قادتُه على أنه حزب يسار الوسط في روسيا، لكنه لا يحظى بشعبية، ويضم شخصياتٍ بارزةً خرجت عن الحزب الشيوعي الروسي.
- الوطنيون الروس: انشق كذلك عن الحزب الشيوعي، ويضم سياسيين ورجال أعمال معروفين بتوجهاتهم اليسارية.
- الزراعي الروسي: أحد أعرق الأحزاب في البلاد، ويقف تقليديًّا إلى جانب الشيوعيين، وانضم مرات إلى لوائحهم الانتخابية.
وبذلك تكون التغييرات التي أحدثها الحزب الحاكم قد نجحت في أن تؤتي ثمارها، خاصةً بعد أن حصرت الانتخابات في أربعة أحزاب فقط، في حين جعلت السبعة الآخرين خارج المنافسة، بعد أن فشلت تلك الأحزاب الصغيرة في تلبية الشروط التي وضعتها لجنة الانتخابات المركزية للمشاركة في السباق إلى البرلمان على أساس قانون الانتخابات المعدَّل، وهو ما يعني- حسب التوقعات السابقة للانتخابات- أنها لم تعدُ كونها استفتاءً على رئاسة بوتين، الذي يحاول استخدام الانتخابات البرلمانية من أجل تعزيز سلطته وفرض هيمنته ونفوذه على روسيا لأطول فترة ممكنة.


