أخيرًا وبعد فترة طويلة من الجدال ما بين قوى الموالاة والمعارضة، تم الاتفاق جزئيًّا على أن يصبح العماد ميشال سلميان القائد الأعلى للجيش الرئيسَ اللبناني الجديد، بالرغم من مخالفة ذلك للدستور الذي ينص على ألا يعتلي منصب الرئاسة كلُّ مَن كان في وظيفةٍ رسمية؛ الأمر الذي دفع الجميع- من أجل وضع حدٍّ للأزمة الحالية؛ خوفًا من تصاعد الأمور لدرجةٍ قد تهدد أمن واستقرار لبنان- لأن يتفقوا على تعديل الدستور بحيث يسمح للجنرال اللبناني بأن يتولى رئاسة الدولة.

 الصورة غير متاحة

هل ستتفق الموالاة والمعارضة على العماد ميشال سليمان؟!

 

فالأمور في لبنان الآن تنتقل من سيء إلى أسوأ، خاصةً أن فريقا الموالاة والمعارضة لا يزالا على قدرٍ كبيرٍ من الخلاف؛ بسبب الشكوك الكثيرة المثارة بين الطرفين، والاتهامات المتبادلة بينهما، ورغبة كل منهما في السيطرة على مقاليد الأمور في لبنان؛ تنفيذًا لأجندات يراها البعض وطنيةً، ويراها آخرون خارجيةً؛ مما يُحتِّم على الجميع التوحُّد من أجل وضع حدٍّ لما يعانيه الشعب اللبناني، ومن قطع الطريق على محاولات البعض جرَّ البلاد لحربٍ أهلية على غرار تلك التي حدثت في الماضي، وهنا يبقى التساؤل: هل ستتفق الموالاة والمعارضة على سليمان؛ حفاظًا على أمن واستقرار لبنان؟، أم ستكون للأطراف الخارجية الكلمة الفصل في الموضوع؟.

 

تاريخ العماد

العماد ميشال سليمان، والذي تسلَّم قيادة الجيش اللبناني بتاريخ 21/12/1998م، من مواليد 21/11/1948م، وبعد إتمامه لدراسته الابتدائية والثانوية دخل المدرسة الحربية، وتخرَّج فيها بصفة ملازم عام 1970م، وتدرَّج خلال خدمته العسكرية من آمر فصيلة مشاة، قائد كتيبة، مُدرِّبٍ في المدرسة الحربية، مدرسة الرتباء، وفي 4/12/1990 عُيِّن رئيسًا لفرع مخابرات جبل لبنان، واستمر في هذا المنصب حتى 24/8/1991م، وبتاريخ 25/8/1991م اختير للقيام بوظيفة أمين الأركان، وذلك حتى 10/6/1993م.

 

واعتبارًا من 11/6/1993م إلى 15/1/1996م قاد لواء المشاة الحادي عشر، تلك الفترة التي تخللتها مواجهات عنيفة على جبهة البقاع الغربي والجنوب مع العدو الصهيوني، وبتاريخ 15/1/1996 عُيِّن قائدًا للواء المشاة السادس، واستمر بقيادته حتى 21/12/1998م، وهو تاريخ تعيينه قائدًا للجيش اللبناني.

 

وقد حصل سليمان على العديد من الدورات التدريبية في كثيرٍ من بلدان العالم؛ ومن ذلك  دورة تدرُّج في بلجيكا من 7/1/1971م حتى 4/7/1971م، ودورة تقنيات عمل الأركان في فرنسا من 9/2/1981م إلى 17/7/1981م، ودورة أركان في كلية القيادة والأركان اعتبارًا من 6/6/1988م ولمدة 52 أسبوعًا، وأخيرًا دورة إدارة الموارد الدفاعية في الولايات المتحدة من 22/6/1995م حتى 25/7/1995م.

 

وبالإضافة إلى علومه العسكرية الكثيرة والتي وصل فيها لمستوًى لم يسبقه إليه غيره من قوَّاد الجيش اللبناني السابقين، يحمل سليمان إجازةً في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية، كما أنه يتقن- بالإضافة إلى ذلك- اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

 

كما حاز سليمان- كذلك- على العديد من الأوسمة أثناء تأدية واجبه العسكري في الجيش اللبناني، ومن ذلك حصوله على وسام الأَرْز الوطني من رتبة فارس، ورتبة الوشاح الأكبر- الاستحقاق اللبناني من الدرجات الثالثة، الثانية، الأولى- الفخر العسكري من الدرجة الفضية- الحرب- التقدير العسكري من الدرجة الفضية- الوحدة الوطنية- فجر الجنوب- الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة- الشرف للاتحاد العربي- الاتحاد العربي للرياضة العسكرية من الطبقة الثانية (قائد).

 

وحصل- أيضًا- على العديد من الميداليات، منها: الميدالية العسكرية، ميدالية الأمن الداخلي، ميدالية الأمن العام، ميدالية أمن الدولة، الميدالية التذكارية للمؤتمرات للعام 2002م.

 

دور مميز

يعتبر العماد سليمان من القادة اللبنانيين أصحاب الأدوار المميزة؛ إذ يعد من القلائل الذين ساهموا بفاعلية في الحفاظ على أمن واستقرار لبنان، وهو في ذلك له دور مميز على صعيد مناهضة التجسس؛ إذ سبق له أن تمكَّن من كشف عدة شبكات إرهاب وتجسس صهيونية، وآخرها الشبكة التي كُشِفت خلال عملية "مفاجأة الفجر" بتاريخ 10/6/2006م، كما كشف أيضًا منظماتٍ إرهابية متطرفةً في جرود الشمال مطلع العام 2000م، واستطاع القضاء على معظم أفرادها وتفكيك الخلايا المرتبطة بها في المناطق كافة وتوقيف عناصرها.

 الصورة غير متاحة

الدمار حل بمخيم نهر البارد!!

 

أضف إلى ذلك تمكُّنه من مهاجمة تنظيم فتح الإسلام في مُخيَّم نهر البارد بتاريخ 20/5/2007؛ ردًّا على الغدر الذي تعرضت له مراكز العسكريين في محيط المخيم وبعض المناطق الأخرى؛ حيث تم القضاء على بنية هذا التنظيم داخل وخارج المُخيَّم؛ الأمر الذي لقي التفافًا شعبيًّا غير مسبوق- للمرة الأولى في تاريخ لبنان- حول دور الجيش في الحفاظ على الوحدة الوطنية.

 

كما نجح سليمان كذلك- حسب المصادر اللبنانية الرسمية- في التصدي للعدو الصهيوني ودعم المقاومة حتى تحرير الجنوب عام 2000م، بالإضافة إلى قيامه باستكمال عملية الانتشار في كافة الأراضي اللبنانية بعد انسحاب الجيش السوري بتاريخ 26 من إبريل 2005م وما حصل من اضطرابات وإخلال بالأمن خلال العام 2007م، وكذلك استكمال وإعادة تنظيم هيكلية الجيش اللبناني بعد تعديل قانون خدمة العلم.

 

وتكريس الجيش حاميًا للديمقراطية وليس جيشًا للسلطة يقمع المعارضين لسياستها، بل جيش للوطن يحفظ أمن المواطن ويحافظ على حقوقه. وقد تجلَّى دوره الوطني في الحفاظ على أمن المتظاهرين والمؤسسات العامة والخاصة وحرية التعبير طيلة عام 2005م بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري خلال سنة 2006م وحتى الآن.

 الصورة غير متاحة

سليمان صاحب اقتراح انتشار الجيش اللبناني في الجنوب

 

ويعتبر هو صاحب الاقتراح الخاص بإنهاء الحرب الصهيونية على لبنان والتي حصلت في 12/7/2006م كحلٍّ مُشرِّف عن طريق التخطيط والتحضير لنشر الجيش اللبناني في الجنوب وعلى المعابر البرية والبحرية، وبالفعل تم تنفيذ هذه العملية بدقة، وبنهايتها رُفع العلم اللبناني على تل "اللبونة" المحاذية للحدود الجنوبية؛ إيذانًا بعودة السيادة إلى الجنوب.

 

خطوة جيدة.. ولكن؟

وفي الواقع يُعد اختيار العماد ميشال سليمان رئيسًا للبنان من قِبل الموالاة خطوةً وإن كانت جيدةً إلا أن بها نسبةً كبيرةً من المكر والدهاء من قِبل الموالاة؛ من أجل وضع المعارضة أمام خيار واحد؛ حتى يتم وضع حدٍّ لتلك الأزمة التي امتدت أكثر مما كان متوقعًا.

 

وحسب آراء الخبراء فإن اختيار الموالاة لسليمان إنما يعود لعدة أسباب، أهمها:

أولاً- أن جميع الأطراف لا تختلف حول شخص سليمان؛ فالموالاة هم مَن اقترحوا ترشيحه، والمعارضة أبدت ترحيبها بالأمر، وإن كان هدف الموالاة الأول من الموضوع هو تحييد الجيش في الصراع الدائر بينها وبين المعارضة، خاصةً إذا فشلت المحاولات الجارية الآن لتنصيب سليمان رئيسًا للبنان.

 

ثانيًا- لا توجد اختلافات أمريكية ولا سورية ولا عربية على شخص سليمان؛ حيث يُعرف عنه الجدية والحياد، والرغبة في الوصول بلبنان إلى بر الأمان، فضلاً عن أنه لم يسبق له أن اتخذ مواقف عدائية، سواءٌ لسوريا أو لأمريكا، بل وتشير بعض التقارير إلى أن مصر والسعودية والأردن قد أعطت موافقتها الضمنية على سليمان.

 

إلا أنه ورغم كل ذلك يظل الأمر في لبنان مُعلَّقًا، خاصةً أن حزب الله لم يعطِ إلى الآن رأيًا صريحًا ومباشرًا في ترشيح سليمان؛ خوفًا من أن يقوم سليمان بموافقة الأغلبية على قراراتها الخاصة بتفكيك المقاومة اللبنانية، وقطع جميع الصلات الموجودة الآن، سواءٌ بسوريا أو بإيران، خاصةً أن الواضح من إصرار الأغلبية على اختيار سليمان هو دفع المعارضة اللبنانية دفعًا من أجل أن توافق على سليمان القائد الأعلى للجيش؛ وذلك حتى لا تفقد تعاطف الجيش مع قضيتها، خاصةً أنه قد حافظ على وجودها خلال الفترة الماضية، مُعليًا القيم الديمقراطية على النزاعات الطائفية الضيِّقة.

 الصورة غير متاحة

حزب الله لم يعلن موقفه من العماد سليمان حتى الآن!!

 

وإزاء هذا الوضع المُتعثِّر، فإن أغلب الظن- حسب ما يشير الخبراء- أن الحزب سينتظر بلورة الموقف الإيراني والاتجاه الذي تذهب إليه التباينات السورية- الإيرانية، ثم بعد ذلك يتخذ قراره بالموافقة أو الرفض؛ الأمر الذي يعني أنه قد تنقلب الأمور في أية لحظة تعود إلى نقطة الصفر مرةً ثانية، بالرغم من وجود فريق في المعارضة يوافق على تعيين سليمان رئيسًا للجمهورية، وهو ما يعني كذلك أن أمور لبنان لا تزال مُعلَّقةً بأيادٍ خارجية، خاصةً أنه من شأن انتخاب سليمان أن تكون له تداعيات محلية وإقليمية على الكثير من اللاعبين الداخليين والخارجيين؛ الأمر الذي يحتاج من الجميع إلى وقت؛ كي يحسموا خيارهم، سواءٌ بالموافقة على سليمان أو رفض ترشيحه أيًّا كانت النتائج المترتبة على ذلك على الصعيد اللبناني الداخلي.