في مساء يوم 4 يناير عام 2006م، جاءت مكالمة هاتفية لإيهود أولمرت من أمين عام الحكومة الصهيونية جاء فيها (رئيس الوزراء أيريل شارون غاب عن الوعي وستتولى أنت السلطة مكانه).
وقال أولمرت في رسالة إلى صحيفة "معاريف": "مضى عامان على تولي هذا المنصب وأعترف بأنني أتساءل يوميًّا ما كان شارون ليفعل مكاني"، وأضاف: "في ضوء حقيقة متغيرة، أظل مخلصًا للفكرة الأساسية التي قادت شارون طوال حياته وتتلخص حول هذه المبادئ:
1- ضمان "إسرائيل" قوية، آمنة
2- تستوعب "إسرائيل" مهاجرين جددًا
3- تعزز "إسرائيل" طابعها اليهودي
4- تحترم "إسرائيل" مواطنيها
5- تقدم "إسرائيل" للجميع أفقَ مستقبلٍ ينعم بالسلام
وأكمل أولمرت: "أينما يكون شارون، فأنا واثقٌ من أنه سيقول لي لو استطاع: امضِ في طريقك بإيمان، وقُدْ شعب إسرائيل".
ومنذ ذلك الحين وإيهود أولمرت يقود الحكومة الصهيونية، إلا أنه واجهته العديد منه الصعوبات، سواء الداخلية والخارجية، إلا أنه وجد دعمًا غير عادي من حلفائه الذين يقودون العالم الآن.
الحلفاء يحكمون العالم
![]() |
|
جورج بوش |
يرى أولمرت أن الظرف الدولي الحالي مناسبٌ جدًّا لـ"إسرائيل"، ويُقدِّم لها فرصةً للتوصل إلى اتفاقٍ مع الفلسطينيين، وقال لـ"جيروزالم بوست": "بموجب تضافر ظروف وما يشبه (العناية الإلهية)، يتولى (الرئيس الأمريكي جورج) بوش رئاسة الولايات المتحدة، ونيكولا ساركوزي رئاسة فرنسا، وإنجيلا ميركل مستشارية ألمانيا، وجوردون براون رئاسة الوزراء في بريطانيا"، وتابع "هل يمكن إيجاد تركيبة أكثر إيجابية من ذلك بالنسبة لـ"إسرائيل"؟، في إشارةٍ إلى أنَّ كلَّ هؤلاء القادة يعتبرون أصدقاءً لـ"إسرائيل".
وأضاف أولمرت "أعتبر أنه من الأفضل التوصل إلى اتفاق سلام قبل أن ينهي بوش ولايته" في يناير 2009م، وقال أولمرت إنه منسجم بنسبة 100% مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي "لا يقوم بشيءٍ واحد لا أتفق معه عليه".
ساركوزي عميل الموساد
![]() |
|
نيكولا ساركوزي |
أما ساركوزي الرئيس الفرنسي فهو الآخر صديقٌ حليفٌ للصهاينة كما يقول أولمرت، وربما تعدَّى الأمر ذلك بكثير، فقد كشفت صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية في عددها الصادر يوم 26 أكتوبر من العام المنقضي أن الشرطة القضائية في فرنسا تُحقق في رسالةٍ إلكترونية أرسلت إلى مائةٍ من كبار المسئولين في الشرطة، تؤكد أن الرئيس نيكولا ساركوزي كان عميلاً لدى جهاز "الموساد" الصهيوني.
وتحت عنوان "تغلغل الموساد في الاتحاد من أجل حركة شعبية (الحزب الفرنسي الحاكم) نيكولا ساركوزي: الرجل الرابع"، كتب المراسِل، الذي أطلقت عليه الصحيفة اسم "الغراب الإلكتروني"، "كل ذلك ينمُّ عن تلاعب حتى أخمص القدمين: رائحة عفن في اليمين المتطرف".
وبحسب الرسالة، أوصى رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق مناحيم بيجن، في العام 1978م رئيس الأركان الصهيوني الأسبق رافاييل إيتان، وكان "قائد التجسس الإسرائيلي" بحسب وصف "لوفيجارو"، بالتسلل إلى الحزب الديجولي، ليجعله شريكًا لـ "إسرائيل".
واستطاع إيتان آنذاك استقطاب "ثلاثة مواطنين باتوا جاهزين للتعاون"، هم باتريك بالكاني، رئيسًا لشبكة العمالة، وباتريك ديفيديان وبيار لولوش.
وفي عام 1983م استقطب بالكاني "الشاب الواعد" نيكولا ساركوزي، ليصبح "رابع رجل (فرنسي) في الموساد"، تلاه في العام 1990م "رجل خامس" هو مانويل إيزشليمان، وكان نائب رئيس بلدية اسنيار.
وأصبح الرجل الرابع رئيسًا للجمهورية الفرنسية، ويتغنى أولمرت بتعاونه المتواصل مع دولته.
مكاسب وخسائر أولمرت
وفي خلال عامين هي عمر حكومة أولمرت يحاول الخبراء رصد مكاسب وخسائر الحكومة الصهيونية في هذه الفترة الزمنية، وفي نهاية العام 2006م، وضعت حكومة أولمرت نصب أعينها تحقيق ثلاثة أهداف إستراتيجية خلال العام 2007م، وهي إسقاط حكومة حماس في قطاع غزة، وإحباط المشروع النووي الإيراني، واستعادة قوة الردع في مواجهة سوريا وحزب الله لمنعهما من المبادرة لشنِّ حربٍ على تل أبيب، ومع انقضاء العام 2007م يتبين أن حجم التحديات التي يواجهها أولمرت يزيد فقط.
الخطر الحمساوي
![]() |
|
أعضاء من حركة حماس |
فعلى صعيد حماس، تعتبر حكومة أولمرت أن نجاح الحركة بمواصلة سيطرتها على القطاع يمثل تحديًا كبيرًا لصناع القرار الصهاينة، فالرئيس الصهيوني شمعون بيريز اعتبر أن بقاء حركة حماس في الحكم يعني عدم قدرة دولته على تمرير أي اتفاق تسوية يضمن تحقيق مصالحها الإستراتيجية في الضفة الغربية.
وفي مناسبةٍ أخرى اعتبر بيريز أن العالم "سيرتكب خطأً كبيرًا في حال سمح بنجاح تجربة حركة حماس في الحكم"، معتبرًا أن نجاح حركة حماس في الحكم يعني أن العالم قد سلَّم بنشوب حربٍ دينيةٍ في المنطقة، ومشددًا على أن إفشال حكومة حماس مهمة تقع على رأس أولويات حكومة أولمرت.
وعلى الرغم من أن صناع القرار في تل أبيب يرون أن التهديد الذي يمثله حكم حماس يعتبر الثالث من حيث الخطورة مقارنةً بالتهديد الإيراني والسوري، ومع ذلك، فإن الصهاينة يرون أنه التهديد الذي يتوجب معالجته على جناح السرعة وقبل أي تهديدٍ آخر.
وحسب التقييم الإستراتيجي السنوي الصادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية "الإسرائيلية" المعروفة بـ"أمان" فإن التهديد الذي ينطوي عليه "الكيان الحمساوي" في غزة يتطور يومًا بعد يومٍ، ويتحول إلى تهديدٍ مباشرٍ ينذر بالمس بالمستوطنين في منطقة النقب بشكلٍ كبير.
ويجزم التقييم أن هذا التهديد سيزداد خطورةً خلال العام القادم؛ لأن حركة حماس تواصل تطوير منظومة قذائفها الصاروخية، سواء عبر زيادة مدى هذه الصواريخ أو عن طريق زيادة وزن المادة المتفجرة التي يتم حشو رأس الصاروخ بها.
ويؤكد التقرير أن حركة حماس تستعد لمواجهة "إسرائيل" وتخطط لإلحاق أكبر الأذى بالجيش الصهيوني، والذي يزيد إحباط الصهاينة هو حقيقة أن الحصار والضغوط الاقتصادية فشلت في إسقاط حكومة حماس، من هنا، فإن كل الدلائل تؤكد أن حكومة أولمرت ستشن حملةً عسكريةً واسعةً لتحقيق هذا الهدف، مع أن كثيرًا من الخبراء الإستراتيجيين يرون أن هذه ستكون وصفةً لتوريط الحكومة في المستنقع الغزاوي، والولايات المتحدة لعبت دورًا أساسيًّا في تشجيع أبو مازن وأجهزته الأمنية على لعب دورٍ في محاولةِ تقويض حكم حركة حماس.
ويكفي هنا أن نُشير إلى الوثيقة التي قدَّمها نائب الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه السابق إلى الشرق الأوسط، إلفيرو دي- سوتو، إلى الأمين العام "بان كي مون" في نهاية خدمته التي امتدت لمدة 30 عامًا التي تتهم الإدارة الأمريكية بأنها عملت منذ البداية على إسقاط الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس التي تشكَّلت بعد الانتخابات التشريعية، بأي ثمن، حتى لو كان ذلك بثمن حربٍ أهليةٍ دامية.
مخاوف من حزب الله
عرض عسكري لحزب الله

على صعيد المواجهة مع سوريا وحزب الله، فإن الكيان الصهيوني يعتبر نفسه حقق إنجازًا مهمًّا خلال العام 2007، متمثلاً في زيادة قوة الردع في مواجهة هذين الطرفين.
وترى تل أبيب أن العملياتِ التي قام بها الصهاينة خلال العام المنصرم، وتحديدًا العملية العسكرية في قلب سوريا، لم تدلل فقط على القدرات الاستخبارية الصهيونية وتفوّق سلاحها الجوي، بل إن هذه الأحداث دللت على قوةِ التصميم التي أبدتها حكومة أولمرت- على حدِّ زعم التقرير- على إحباط كل تهديد وقدرتها على الإقدام على خطوات خطرة ولاتخاذ قرارات صعبة ومصيرية عندما يتعلق الأمر بأمنها.
ويعتقد صناع القرار في حكومة أولمرت أن كلاًّ من سوريا وإيران وحزب الله قاموا بتحليل نتائج حرب لبنان الثانية بشكلٍ عميقٍ والاستنتاجات الناجمة عنها، وتوصلت دوائر صنع القرار في هذه الأطراف إلى أن شنَّ حرب صواريخ على المستوطنات في هذه الظروف ستلحق الضرر بهذه الأطراف أكثر من مسها "بإسرائيل".
تواصل التهديد الإيراني
المفاعل النووي الإيراني

أما فيما يتعلق بالتهديد الذي يُشكله البرنامج النووي الإيراني، فإن "إسرائيل" ترى أن إيران تواجه مشاكل فنية في تطوير برنامجها النووي، وتحديدًا في تخصيب اليورانيوم، الذي يمكن استخدامه في بناء القنبلة النووية، لكنه في نفس الوقت تدعي حكومة أولمرت أنها ستواجه خطرًا كبيرًا عندما تتخطى إيران الحاجز التكنولوجي الذي يمكنها من تخصيب اليورانيوم بكمياتٍ مناسبة، وتتوقع "إسرائيل" أن هذا من الممكن أن يحدث في وقتٍ قريب، ووفق تقييم "أمان" فإن العام 2009م من الممكن أن يشهد نجاح إيران في إنتاج خمسة كجم من المادة المشعة اللازمة لصناعة القنبلة النووية.
وحسب المنطق الصهيوني فإن أهم تطورين خدما حكومة أولمرت خلال العام 2007، كانا مؤتمر أنابوليس، وأزمة الرئاسة في لبنان بحسب ما أورده تقرير شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية، فإن مؤتمر "أنابوليس"، ساهم في تعزيز مكانة كلٍّ من أولمرت والولايات المتحدة في المنطقة، والاستنتاج المهم الذي يخلص إليه صناع القرار في "إسرائيل" من انعقاد المؤتمر هو أن حضور الدول العربية في المؤتمر يدلل على استعدادها للتعاون مع واشنطن وتل أبيب من أجل القضاء على "خطر الإسلام المتطرف"، على حدِّ وصف شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية.
في نفس الوقت فإن أولمرت يرى أن الأزمة التي تعصف بلبنان على خلفية تنصيب رئيس جديد تمثل تطورًا إيجابيًّا بالنسبة للأمن الإستراتيجي؛ لأنها تشغل كلاًّ من حزب الله وسوريا، الأمر الذي يبعد خطر اندلاع حرب إقليمية في المنطقة.
ولكن هل نجحت حكومة أولمرت في أن تحقق أهدافها، وحددتها بستة مبادئ عامة وثلاثة أهداف أساسية على المستوى السياسي والإقليمي؟ وأيضًا هل نجحت الحكومة في تحقيق هدفها الرئيسي في إقصاء حماس عن أن تكون اللاعب الرئيسي في الشارع الفلسطيني؟ وهل نجحت الحكومة في إبعاد شبح حزب الله والتهديد النووي الإيراني عنها؟ هذه الأسئلة كلها يعلم إجابتها الساسة والحكومة في تل أبيب لكنهم لا يريدون الإفصاح عنها.


