بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما صاحَبَها من مذابح ارتكبتها آلةُ الحرب الألمانية آنذاك، ومنها مذابح الهولوكوست ضد اليهود، فرضت التزامات عديدة على ألمانيا، وكان على رأسها الاعتذار للكيان الصهيوني، وتقديم تعويضات مالية ضخمة قدِّرت بمئات المليارات من الدولارات لأهالي ضحايا المجازر، الذين تمَّت المبالغة في تقدير عددهم بشكلٍ كبير، كذلك لا تزال الحكومة الألمانية تدفع رواتب تقاعدية لقرابة 35 ألف يهودي غادروا ألمانيا في أثناء الحرب؛ وذلك لتعويضهم عمَّا جرى لهم!.

 

ولم يتوقف الأمر عند التعويضات الضخمة، بل أصبح اللوبي اليهودي في ألمانيا يمارس نفوذًا قويًّا على وسائل الإعلام الألمانية، وكذلك مراكز صناعة القرار السياسي والاقتصادي، وكل ذلك لما فيه من مصلحة للكيان الصهيوني، وقد مارس هذا اللوبي مؤخرًا ضغوطات لإتمام صفقة أسلحة متطورة للكيان بأسعار مخفضة، كما مارس هذا اللوبي حملةً عنيفةً ضد بعض المنظمات الألمانية التي حاولت الضغط على الحكومة لإيقاف التبادل التجاري مع الكيان في أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ نظرًا للممارسات الدموية التي كانت تُرتَكَب بحق الفلسطينيين، ويتدخَّل اللوبي الصهيوني حتى في صياغة الكتب المدرسية الجامعية فيما يتعلق بمذبحة الهولوكوست لتقوية وجهة النظر الصهيونية.

 

اليهود في ألمانيا

وخلال العشر سنوات الماضية تضاعفت أعداد اليهود في ألمانيا بمقدار 3 أضعاف، فقد كان العدد أقل من 30 ألف عام 1990م فقفز إلى أكثر من 90 ألفًا الآن وبتقديراتٍ قد تصل إلى ما يقرب من 120 ألف يهودي، ولا يزال اليهود يتوافدون إلى ألمانيا وكل يومٍ تظهر أجيال وتجمعات جديدة، ويستبدل اليهود القدامى بغيرهم من القادمين الجدد.

 

وقد وقَّعت الحكومة الألمانية مؤخرًا اتفاقية تمنح لليهود صورةً شرعيةً في ألمانيا؛ مما وضعهم في مرتبةٍ مساويةٍ مع طائفة اللوثريين والروم الكاثوليك، ما فتح الباب أمام الجماعات اليهودية للحصول على منح تبلغ 3.24 ملايين دولار سنويًّا من الدعم الحكومي للمساعدة في البرامج المختلفة، مثل تدريب الحاخامات وتسكين المهاجرين اليهود الروس القادمين حديثًا.

 

وقد جاء إعادة إحياء الجالية اليهودية في ألمانيا نتيجة هجرة العديد من اليهود الذين يتحدثون الروسية إلى ألمانيا من مختلف دول الاتحاد السوفيتي السابق، ويصل في العام الواحد ما يقرب من 10 آلاف يهودي، ليصل إجمالي اليهود الروس ما يقرب من 70 ألف يهودي؛ وذلك بعدما تمت الموافقة على قانون- أوائل التسعينيات- يُسهِّل هجرة اليهود إلى ألمانيا، ولكن أدى ذلك إلى إغراق الجالية اليهودية الأصلية في ألمانيا في ذلك الطوفان من اليهود الذين يتحدثون الروسية؛ مما أدَّى إلى تغيير الطبيعة الديمجرافية للجالية اليهودية، وأصبح 85% من إجمالي يهود ألمانيا اليوم من المتحدثين بالروسية، كما أصبحت هناك جماعاتٌ كاملةٌ، مثل جماعة دومي التي لا يوجد فيها فرد واحد من غير الروس.

 

الصهيونية والنازية: وبنظرةٍ إلى الوارد لرصد العلاقة التاريخية بين الصهيونية وألمانيا النازية، نجد أن نشوء أول حركة يهودية في ألمانيا تدعو إلى الاستيطان في فلسطين كان عام 864م؛ حيث تمَّ الإعلان عن تأسيس المنظمة الصهيونية في ألمانيا كجزءٍ من الحركة الصهيونية العالمية في 31/10/1897م في فرانكفورت بزعامة ماكس بودنهايمر، ثم أسس هيرنخ لو المنظمة الصهيونية في برلين، وفيها صدرت عام 1902م نشرة بعنوان الأنباء اليهودية استمرت حتى عام 1938م وفي أثناء الحرب العالمية الأولى أصبح للحركة الصهيونية مكتبٌ في برلين، بالإضافة إلى مكتبها الرئيس في كوبنهاجن المحايدة ومكتبها الآخر في بريطانيا، وتلقى قنصل ألمانيا في فلسطين عام 1915 تعليمات تنص على ضرورة تأمين الحماية التامة للمصالح اليهودية في فلسطين، وقبل نهاية الحرب أحدثت الحكومة الألمانية دائرة خاصة للشئون اليهودية في وزارة الخارجية الألمانية وتطوع بعض اليهود في أوروبا الشرقية بالجيش الألماني.

 

ولقد بقيت الحركة الصهيونية معزولة عن جماهير اليهود الألمان ولم تخرج في ألمانيا من أزمتها إلا في العهد النازي، وكان أركان الحكم النازي في مقدمة المهتمين بإنجاح المشروع الصهيوني للاستيطان في فلسطين.

 

وبوصول الحزب النازي بقيادة هتلر إلى السلطة في ألمانيا في 1933م بدأ تطبيق سياسة مضايقة اليهود المعارضين للصهيونية من الذين يعتبرون ألمانيا وطنًا لهم.

 

وقد رأت الصهيونية في صعود الحزب النازي واستلامه السلطة فرصة ذهبية لإجبار اليهود على الرحيل إلى فلسطين وتحقيق فكرتها القائلة: إن اليهود يجب ألا يكونوا جزءً من مجتمعٍ غير يهودي.

 

والعلاقة بين الحركة الصهيونية والنازية اتخذت شكلها الرسمي بتوقيع الرايخ الألماني والوكالة اليهودية اتفاقية هعفراء، وتعني بالعبرية النقل والتحويل التي سمحت بنقل رءوس أموال اليهود الألمان المهاجرين إلى فلسطين مقابل إلغاء الصهيونية للحصار الاقتصادي الذي فرضه اليهود على البضائع الألمانية، بسبب القوانين التي فرضتها ألمانيا النازية على اليهود الألمان، فقد منحت هذه الاتفاقية التي وقعت عام 1938م الحركة الصهيونية سلاحًا قويًا؛ لأنها سمحت بهجرة اليهود الألمان وحدهم إلى فلسطين وتعويضهم، وأما سائر اليهود فقد كانت أموالهم تصادر بدون أي تعويض، وكان منظمو الهجرة الصهاينة ينالون بالتعاون مع النازيين حصتهم من الفوائد المادية على حساب الأفراد اليهود.

 

وعقب بدء الغزو النازي للاتحاد السوفيتي صيف 1941م وجد هتلر أنه لم يعد من الممكن تخليص أوروبا من اليهود بالهجرة، وتبنى ما سُمِّي بالحل النهائي للمشكلة اليهودية، فأقيمت معسكرات الإبادة الجماعية لتنفيذ هذا الحل.

 

دعم مادي

وبعودةٍ مرةً أخرى إلى العصر الحديث، والدعم المادي اللامحدود الذي تتلقاه الحكومة الإسرائيلية من ألمانيا، نجد أن هناك أسماء ألمانية كثيرة ساهمت في بناء "إسرائيل" التي تعيش على خبزٍ من الخارج، ففي عهد المستشار فيلي برانت وخليفته هيلموت شميت حصلت "إسرائيل" على مساعداتٍ كثيرةٍ، خاصة أنه في عهد شميت اجتاحت إسرائيل لبنان في عام 1982م لتضرب فصائل الثورة الفلسطينية وتُجبرها على الرحيل، في ذلك الوقت سجَّل المراقبون أن حجم المساعدات العسكرية التي حصلت عليها "إسرائيل" من ألمانيا بلغ أكبر معدل، وفي عهد المستشار هيلموت كول حصلت "إسرائيل" على ثلاث غواصات من طراز الدلفين التي تستطيع حمل صواريخ نووية على متنها.

 

وحين استلم الحكم المستشار الاشتراكي جيرهارد شرودر زوَّد عدد الغواصات باثنتين، وكانت إسرائيل تستخدم طرقًا عديدةً لتهريب الأسلحة، على سبيل المثال خلال عهد كول اكتشف موظف في الجمارك عن طريق الصدفة حوانيت في ميناء هامبورج مهيأةً للسفر على متن سفينة تجارية إلى إسرائيل فيها صناديق كُتب عليها: آلات للاستخدام في الزراعة، أما اليوم فإن إرساليات السلاح تتم علنًا في عهد المستشارة أنجيلا ميركيل التي تنتهج سياسة تقارب قوية مع إسرائيل جعلتها ثالث أهم شخصية سياسية أجنية مقبولة عند الإسرائيليين بعد دبليو بوش وتوني بلير.

 

وتتحدث الأرقام عن الدعم الذي قدَّمته ألمانيا لإسرائيل (ما يزيد على 120 مليار يورو) لكن "إسرائيل" التي تعتمد في البقاء على دعمٍ كلي من الخارج، لا تستطيع الثبات دون هذا الدعم الذي تلقاه من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، بغض النظر عن الدعم المادي تحصل "إسرائيل" على دعمٍ عسكري جعلها تملك أكبر ترسانة حربية في الشرق الأوسط، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك أسلحةً نووية، وتحصل "إسرائيل" على دعمٍ سياسي فألمانيا التي ترأس حاليًا الاتحاد الأوروبي لن تقوم بأي مبادرةٍ لا تتفق مع الخيار الإسرائيلي، وتبدو عقدة الذنب أعمق بكثير، إذ إنه بعيدًا عن الدعم الرسمي وغير الرسمي الذي تحصل عليه "إسرائيل" من ألمانيا، فإنَّ اللوبي اليهودي وأصدقاء إسرائيل من الألمان، يقومون بجمع الأموال لتمويل مشاريع في إسرائيل، خاصةً في مجال التعليم؛ حيث إن الدولة العبرية تعتمد كليًّا على دعمٍ من الخارج.

 

وفي جميع أنحاء ألمانيا تكونت فئات تعمل في جمع التبرعات للجامعات الإسرائيلية، فهناك على سبيل المثال جماعة تُطلق على نفسها اسم (أصدقاء الجامعة العبرية في حيفا) والجمعية الألمانية لأصدقاء معهد وايزمان، وهؤلاء هم أفضل أصدقاء إسرائيل في ألمانيا، وغالبًا ما يترأس هذه الجماعات أسماء معروفة من السياسة والاقتصاد والمجتمع، كما لا يتأثر هؤلاء بالأنباء السلبية التي ترد من منطقة الشرق الوسط أو بالتقارير الإعلامية الناقدة لإسرائيل.

 

وفي ظل تزايد عدد المنظمات التي تجمع تبرعاتٍ لإسرائيل، نشأت منافسة شديدة بينها، إذ تسابق أصدقاء إسرائيل في ألمانيا على مَن يجمع تبرعاتٍ أكثر لإسرائيل، وباتت جمعيات التأييد الألمانية تتطلع لتنافس منظمات إسرائيلية مثل منظمة "كيرين حيسود" التي تأسست في لندن عام 1920م بهدف دعم دولةٍ لليهود المنظمة المذكورة لجمع التبرعات، ولهذه المنظمة أيضًا جمعية من الأصدقاء الذين يجمعون لها المال.

 

الألمان يرفضون

وحول موقف الشعب الألماني من الهولوكوست واستغلال اليهود المتواصل لهذه المحرقة، فقد أصبح من الواضح أن الشعب الألماني بأكثريته الساحقة يرفض الانصياع إلى خطيئةٍ مزعومةٍ؛ وذلك على الرغم من انصياع معظم المسئولين الألمان إلى المطالبة اليهودية بهذا الصدد.

 

ومن الدلائل لهذا الواقع رفض العديد من النواب الألمان في المجالس الإقليمية وبصورةٍ خاصة في مقاطعات ألمانيا الشرقية المشاركة في تذكارات ضحايا المجازر النازية من اليهود، ومطالبتهم بوجوب تكريم ضحايا القصف البربري الذي تعرَّضت له مدينة دريسدن الأثرية خلال الحرب من قبل الأمريكيين والقوات الحليفة.

 

ذلك، فإن البربرية النازية لم تلقَ أي إقبالٍ على الرغم من الحملات الترويجية المكثفة لها، ومن الناحية السياسية، فإن الأحزاب السياسية الوحيدة التي تجرؤ على الإعرابِ عن لسان حال الرأي العام الألماني هي أحزاب اليمين المتطرف المصنفة بالنازية الجديدة، وهي أحزاب قد تتعرض للحل قريبًا؛ انصياعًا من الحكومة الألمانية لمشيئة اللوبيات الألمانية.

 

ويبقى أن نشير في النهاية إلى أن البطالة بلغت اليوم أرقامًا قياسية في ألمانيا، وهو ما سيزيد من شعبية تيار اليمين المتطرف الألماني، وما قد يحمل الشعب الألماني على رفض استمرار تسديد ألمانيا لتعويضات طائلة وجائرة لليهود تُشكِّل اليوم إحدى الدعائم الرئيسية للاقتصاد اليهودي في العالم.

---------

* يُنشر بالاتفاق مع مجلة المجتمع الكويتية