تتعالى هذه الأيام في أوساط شبه علنية أن غزة أصلاً كانت منفصلةً عن الضفة، وأن ابتعادها عن الضفة فرجٌ وفرصةٌ لكي نهتمَّ بتطوير الضفة والسعي لتحقيق إنجازٍ ما في الوطن الأصغر أو الأهم أو الأكثر حساسيةً!!.

 

والتبريرات كثيرة، لكنها في مجملها تكرس جريمة حقيقية، وهي أن الاحتلال تخلَّص من ربع الفلسطينيين داخل الوطن في أقل من 2% من الأرض، والمصيبة أن هذه الأصوات لم تعد حكرًا على العامة، بل تسمعها- ولو همسًا حتى الآن- في الصالونات السياسية الخاصة، مع أنها حتمًا ستجد طريقها إلى العلن غدًا إن لم نجد وسيلةً لإسكاتها!!.

 

نعم.. هناك من يكره غزة فعلاً أو يمثِّل دوْرَ الكراهية، ويقدِّم المبررات لذلك، وهناك فعلاً من وجد في الوضع الحالي فرصته ليستخدم بعض النماذج المنبوذة من المزاج الشعبي ليشجِّع ظاهرةَ الفصل بين الضفة وغزة، تمامًا كما سعى البعض أحيانًا- أو لا زال- لتشجيع نماذج التفريق بين لاجئٍ ومقيمٍ، أو بين فلاح ومدني، أو بين عائد بعد "أوسلو" ومقيم قبل "أوسلو"، أو بين ابن مخيم وابن مدينة، والنماذج كثيرةٌ في حالنا، ونحن عادةً لا ننشر غسيلنا "الوسخ" ونحاول تغطية شمسنا بغربال؛ ولأننا لا ننقد أنفسنا علنًا، ولا ننشر "غسيلنا" للريح؛ فإن أول ما يصيبنا من الأمراض هي تلك التي يؤسس لها العفن الذي يعيش بعيدًا عن الريح والشمس!!.

 

غزة المكروهة هذه هي نفسها غزة التي تمنَّى رابين لو يراها تغرق في البحر، غزة هذه هي نفسها التي حرثها شارون ليتمكن من إسكات صوت المقاومة ولو مؤقتًا، غزة نفسها هذه هي التي احتلها الأعداء عام 1956وأُجبروا على الجلاء عنها، غزة هي نفسها التي تسابق الجميع لإعلان تحريرها حين انسحبت قوات الاحتلال منها.

 

وغزة هذه خاصرة الوطن، وأي وطن دون خاصرة غير قادر على العيش، غزة هذه بوابة أفريقيا وبوابة المتوسط، وهي ظهر مصر العربية التي من المفترض أن تشكِّل معها ظهرين ملتقيين لحماية جبهة مصر وجبهة فلسطين.

 

نحن الآن أمام خيارين لا ثالثَ لهما: إما أن تجلس غزة في قلب الضفة، أو تترامى الضفة على تخوم البحر هناك تمزج ذهب رمال غزة في الماء بطين مرج ابن عامر وجبال نابلس.

 

هذه هي فلسطين حين يتراخى الجليل ليلتقي بوابات رفح وحين يتعالى النقب إلى شواطئ غزة هاشم.

 

هذا هو الوطن الذي يعتقد البعض أن تجزئته سوف يسهِّل تحريره، والحقيقة أن تجزئته هي الخطوة الأولى في مسيرة ضياعه أو "المدماك" الأول في بناء الهيكل على أرض فلسطين حين لا يبقى منها حتى ولا الاسم!!.

 

أي سخافةٍ وبلاهةٍ هذا التكرار على مسامع من لا يسمعون حكاية "أُكلتُ يوم أُكل الثور الأخضر"، وثيران العلم الفلسطيني الأربع ضرورية جدًّا أيًّا كان مكانها وأيًّا كان رأينا فيها، إلا أنها مكونات العلم، والعلم رمز للوطن، وحين يغيب جزءٌ من مكونات العلم لا يمكن لأحد أن يتحدَّث أبدًا عن علم واحد لوطن واحد.

 

الخلاص من غزة حلم احتلالي من الطراز الأول؛ فالقيادة الفلسطينية السعيدة اليوم بالقطيعة مع غزة تعلم جيدًا أن الاحتلال كان يسعى دومًا للتخلص منها، وأن الرئيس السادات أبلغ القيادة الفلسطينية أكثر من مرة أن بإمكانه إحضار غزة غدًا إذا قبلتها القيادة الفلسطينية وإسرائيل أحبطت إمكانية انضمام الأردن إلى كامب ديفيد الأولى؛ لعلمها أن وجود الأردن سيعني الحديث عن الضفة والقدس أيضًا، والقيادة الفلسطينية- وفي مقدمتها الرئيس عباس نفسه- تعلم جيدًا أن غزة كانت السبب في الوصول إلى أوسلو، وأن التخلص منها كان الثمن الذي وافق الاحتلال على دفعه في أريحا وجنين وباقي مناطق الضفة، لكنه لم يطل به الوقت حتى انقلب على الأمر، وحاول فرض الأمر الواقع بانسحابه من غزة، إلى أن وجد ضالته أخيرًا بالقطيعة الحالية بين الضفة وغزة.

 

وحلم البعض أن بالإمكان مفاوضة أولمرت على القدس أو حتى أي شارع في الضفة دون أن يكون جناحا الوطن المنقوص أصلاً موحدًا.

 

غزة خاصرة الوطن الفلسطيني الممتد بكل تلاوين التقسيم أيًّا كانت وبأية أسماءٍ صيغت، وغزة بوابة مصر ومصدر أمنها وأمانها، وأهل غزة ربع من بقي من الشعب على أرض الوطن بكل تقسيماته القديمة والجديدة، وإدارة الظهر لغزة وأهلها وحماس تحديدًا يعني إدارة الظهر أولاً للغالبية التي انتخبت حماس وعدم احترام إرادتها، وثانيًا إدارة الظهر لمصالح مصر الحليف العربي الأقوى وعمقنا الحقيقي، وكذلك إدارة الظهر لكل عمقنا العربي بفتح الأبواب للاحتلال على مصراعيها في القدس والضفة، والاقتراب من الخطوط الحمر ضد الأردن، وكذا إطلاق العنان لحكومة أولمرت لإدارة الظهر لأية احتمالات للانسحاب من الجولان بعد إخضاع فلسطين الممزقة، إلى جانب أن تمكين الاحتلال من فلسطين سيوفِّر للمحتلين كل الفرص الممكنة لمواصلة العدوان على لبنان ومقاومته، وسيعطي الاحتلال في العراق كل الفرص لتمزيق العراق، متخذًا مما يجري في فلسطين نموذجًا سيئًا يُحتذى!!.

 

المطلوب الآن وقف ثقافة التحريض التي تكاد تنتشر في أوساط العامة علنًا، ونجد من يغذِّيها؛ لأن ذلك سيكون البوابة الكارثية لتحقيق أحلام الاحتلال في فكر الناس البسطاء أولاً، تمهيدًا لتكريس ذلك على الأرض، وستكون القدس أولاً والضفة ثانيًا ثمنًا لإفلات الاحتلال من غزة والهروب بكل ما تبقى من الوطن، وسيجد من يكرهون غزة أنفسهم هناك يواجهون البحر دون باقي الوطن، فستكون غزة منفى الوطنيين والمناضلين، ومكانًا يتم تأليب العالم ضده كما بدأ الاحتلال يفعل بتصوير حماس وغزة على أنها مركز للإرهاب وملاذ للقاعدة، وسنجد غدًا تحريضًا أقسى ضد غزة، وستغذي "إسرائيل" ذلك، وسيفعل البعض منا ذلك بدرايةٍ أو بدون دراية!!.

 

إن استعادة غزة اليوم- ولو في فكرنا وحلمنا- ووقف لغة التحريض ضد حماس وغزة هي المقدمة الضرورية لمنع أيادي التخريب من الانطلاق للعبث، ليس بأمننا فقط، ولكن أيضًا بأمن عمقنا القومي، وبالتالي فإن إعادة اللحمة والحوار مع غزة وحماس مقدمةٌ ضروريةٌ لمنع المحتلين من التفرد بالقدس والضفة وتكثيف الاستيطان، متخفِّين خلف الصراع الداخلي وانشغال البعض باقتلاع حماس من الضفة أو اقتلاع فتح من غزة، والحقيقة أننا جميعًا سنُقتَلع من الوطن، وللأسف نحن نسهِّل الأمر جيدًا؛ لينموَ الزرع الغريب في وطنٍ نتنكَّر له ونكرِّس شرذمته بأيدينا.

---------

* ناشط يساري فلسطيني.