تحفَّظت الحكومة التركية على قرار إعلان استقلال إقليم كوسوفا من طرف واحد، والانفصال عن جمهورية صربيا، وربطت قبولها الاستقلال والاعتراف بكوسوفا بموقف المجتمع الدولي، وكذا تحفَّظت وسائل الإعلام التركية والسياسيون والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني التركية، وإن اتفقوا جميعًا على التفاؤل من قرار الاستقلال لإمكانية انعكاسه إيجابيًّا على موقف جمهورية قبرص التركية المعلَنة منذ عام 1983م ولم يَعترف بها دوليًّا غير تركيا وباكستان.

 

 الصورة غير متاحة

رجب طيب أردوغان

كانت وسائل الإعلام التركية ذكرت أمس أن طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية اتصل هاتفيًّا بهاشم تقي رئيس حكومة إقليم كوسوفا (عدد سكان الإقليم 2,2 مليون نسمة) وهنَّأه على إعلان الاستقلال، غير أن وسائل الإعلام التركية نفسها ذكرت أن تركيا الرسمية تنتظر موقف المجتمع الدولي من هذا الاستقلال؛ لكي تحدد موقفها هي الأخرى من الاعتراف أو عدمه.

 

ولم يصدر حتى الآن أي اعتراف أو قبول باستقلال كوسوفا من طرف الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بتركيا، رغم وجود أفكار قوية بتركيا حول الميراث العثماني التركي في البلقان؛ وظلت أقاليم شرق البلقان وجنوب شرقه تحت السيادة العثمانية لقرابة 3 قرون قبل أن تنفصل في نهاية القرن التاسع عشر، تدعو للحفاظ عليه والتعامل معه بإيجابية.

 

الانفصال والاستقلال المحلي
 
 الصورة غير متاحة

احتفالات شعبية في شوارع كوسوفا بالاستقلال عن صربيا

في تعليقه على قرار الحكومة الكوسوفي الاستقلالَ عن جمهورية صربيا يقول الدكتور شاغري أرخان الأستاذ بجامعة أنقرة: إن روسيا تُعارض الاستقلال، وهذه المرحلة مهمة، وتتوقف على موقف الاتحاد الأوروبي، ومن ناحية تركيا هناك قلق وفرح؛ فأما القلق فيرجع إلى ما يمكن أن يؤثر في أوضاع منطقة شمال العراق وتوجهات الأكراد في الاستقلال، والفرح ربما يتعلق بإمكانية تسهيل الاعتراف بقبرص التركية.

 

ويقول مصطفى أوزجان رئيس الشئون الخارجية بجريدة "يني آسيا" التركية: إعلان استقلال كوسوفا تطوُّر مهمّ بالنسبة لمستقبل القضية القبرصية؛ لأنه يشكِّل المثل وهذه المرحلة صعبة للغاية، وكل الاحتمالات مفتوحة هناك، وأمريكا لها مصلحة في دعم استقلال كوسوفا في إطار سياسة الشد والارتخاء التي تدور بينها وبين روسيا في السنتين الأخيرتين، كما أن لها وجودًا عسكريًّا كبيرًا هناك.

 

السفير إينال باطور (متقاعد): نحن أمام مرحلة صعبة، خصوصًا المعارضة الروسية في مواجهة أمريكا وموقف الصرب الموجودين داخل كوسوفا، ماذا سيفعلون؟ هل سيطالبون بالضمّ لصربيا؟ الحقيقة أن هناك مساومةً شديدةً بين روسيا والغرب بشأن جمهوريات جنوب روسيا وشمال جورجيا، وللأسف وقفت تركيا بعيدةً عن هذا الصراع أو المساومة والتزمت الصمت، وأرى سرعة إعادة طرح موضوع استقلال قبرص التركية في هذه الأيام، والتخلي عن دور الخجل الذي تلتزم به تركيا في سياستها الخارجية.

 

جُوراي دايرّلي خبير العلاقات الدولية بمعهد صارم التركي، يرى وجود فرق بين قضية إعلان استقلال كوسوفا واستقلال قبرص التركية، ومن ناحية احتمال وقوع أعمال شدة وعنف بكوسوفا فهو احتمال قائم، خصوصًا مع معارضة روسيا التي لها مؤيدون هناك، ومع الأسف ليس لتركيا وجودٌ حتى يماثل الوجود العربي هناك، وكان يُفترض وجود قوة تركية هناك بين قوات الأمم المتحدة، خاصةً أن لنا حوالي 100 ألف تركي هناك، يقصد العناصر الكوسوفية ذات الأصول التركية العثمانية، وبكل أسف أهملت تركيا وجودها في البوسنة وقبرص واليونان والبلقان عامةً، والنتيجة اليوم رؤية هذا الموقف الصامت.

 

على الصعيد الإعلامي اهتمت وسائل الإعلام التركية المختلفة بمسألة إعلان كوسوفا الاستقلال، ونقلت المحطات التلفزيونية على الهواء جلسة البرلمان التي أعلن فيها هاشم تقي إعلان استقلال الإقليم، وكتبت صحف "حريت" و"ميلليت" و"زمان" ويني آسيا" و"يني شفق" اليومية عبارة واحدة هي: "أخيرًا استقلت كوسوفا"؛ تعليقًا على قرار الاستقلال.

 

 الصورة غير متاحة

لافتة ضخمة تحمل عبارة الحرية لكوسوفا في العاصمة بريشتينا

غير أن وسائل الإعلام التركية أعلنت عن تفاؤلها من إعلان استقلال كوسوفا عطفًا على مساعي استقلال قبرص التركية، لكنها أبدَت نوعًا من التحفُّظ في تناول مسألة الاستقلال؛ تحسُّبًا للقضية الكردية ومساعي الأكراد الاستقلالية في العراق وتركيا ومشكلة إقليم ناجورنوقراباغ الأذري المحتل من طرف أرمينيا عام 1994، ويسعى للاستقلال عن جمهورية أذربيجان المتحالفة مع تركيا في مواجهة أرمينيا.

 

كما شارك المطرب الشعبي التركي الشهير إبراهيم طاطلي سس في الغناء بالاحتفال الشعبي الذي أقيم بكوسوفا لحظات إعلان الاستقلال.

 

انقسام الاتحاد الأوروبي

الجدير بالذكر أن كلاًّ من رومانيا وإسبانيا [تخوفًا من طلب إقليمي الباسك وكاتالونيا الاستقلال] وقبرص اليونانية [المطالبة بإعادة توحيد جزيرة قبرص] واليونان وروسيا الاتحادية [تتخوف من انفراط عقد الاتحاد بتجديد طلب استقلال الشيشان وأوستا الجنوبية] وجورجيا [تتخوف من انفصال جمهوريتي أبخازيا وأجاريا].. أعلنوا جميعًا عن عدم اعترافهم بهذه الجمهورية وأنها مخالفة للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة الداعية للحفاظ على وحدة الدول الأعضاء، بينما أشارت 51 دولة إلى إمكانية الاعتراف والقبول، من بينها تركيا وأمريكا.