فترة عصيبة من المتوقع أن تحياها كوسوفا عقب إعلانها الاستقلال عن صربيا من جانب واحد، إذ يتوقع أن تشهد البلاد حالةً من عدم الاستقرار بسبب رفض صربيا لذلك الإعلان، معتبرةً إياه مخالفًا للقوانين الدولية، التي تزعم أنها تؤكد أحقيتها في الإقليم، يساعدها في ذلك روسيا والصين؛ وذلك على عكس مواقف الدول الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوربية، الذين يروا أن من حق سكان الإقليم الحصول على الاستقلال بعد سنوات المعاناة الطويلة التي تكبدوها في ظل حكم بلجراد؛ مما يجعل من الصعوبة تحديد مستقبل الإقليم.

 

وإن كان الواضح أن الاتجاه يسير نحو موافقةِ المجتمع الدولي على استقلال كوسوفا باعتبار ذلك- وعلى عكس ما تدعيه صربيا- حق مشروع لها تكفله المواثيق والشرائع الدولية.

 

ردود الفعل

شهدت ردود الفعل الدولية الخاصة باستقلال إقليم كوسوفا تباينًا ملحوظًا بين كتلتي، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة، وصربيا وروسيا والصين من جهةٍ أخرى، وإن كان الواضح أن المصالح والرغبة في الهيمنة والسيطرة هي من تحكم تحرك كل طرفٍ في مواجهة الآخر؛ وذلك باستثناء صربيا التي تنظر للأمر من وجهة نظر مختلفة، معتبرةً أن الإقليم جزء لا يتجزأ من أراضيها، ولا يمكن التنازل عنها بأي حالٍ من الأحوال.

 

وفي هذا الإطار تسعى أوروبا إلى توحيد صفوفها، حتى تتمكن من إنهاء تلك المعضلة بأقل خسائر ممكنة، وكما هو معلن يحظى مشروع استقلال الإقليم بدعم الدول الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا؛ حيث تدعو تلك الدول إلى الاعتراف باستقلال الإقليم حتى وإن جاء إعلان الاستقلال من جانب واحد.

 

وفي مقابل تلك الدول التي تعلن صراحةً رغبتها في حصول الإقليم على الاستقلال، هناك دول أخرى (حوالي سبع دول) تبدي ترددًا إزاء الاعتراف بإعلان ألبان كوسوفا الاستقلال من جانبٍ واحدٍ؛ خوفًا من أن يُشجِّع ذلك الجماعات العرقية أو القومية فيها على الإقدام على خطوةٍ شبيهة، على رأس هذه الدول قبرص، التي تخشى أن يؤدي الاعتراف باستقلال كوسوفا إلى اعتراف دول أكثر باستقلال "الجمهورية التركية" في شمال الجزيرة، وهذا الموقف القبرصي يلقى دعمًا من اليونان وسلوفاكيا وأسبانيا والمجر، لأسبابٍ داخليةٍ تتعلق بالأقليات.

 

 الصورة غير متاحة

بوش رحب باستقلال كوسوفا

أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد كان موقفها صريحًا وسريعًا في نفس الوقت؛ إذ اعترفت باستقلال كوسوفا في بيانٍ ألقته وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بعد يومٍ من إعلان الإقليم، جاء فيه أن الولايات المتحدة اعترفت رسميًّا بكوسوفا دولة مستقلة ذات سيادة، وأن الرئيس بوش قد وافق على إقامة علاقات دبلوماسية مع إقليم كوسوفا.

 

وقد بررت رايس الموقف الأمريكي بقولها "في ضوء الصراعات التي دارت في التسعينيات فإن الاستقلال كان الخيار الوحيد القابل للتطبيق من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة".

 

وعلى عكس الموقف الأمريكي أعلنت موسكو أنها تدعم "بشكلٍ كاملٍ المطالب المبررة لصربيا"، المتعلقة بإعادة الوحدة الترابية للبلاد، مشيرةً إلى أن من شأن قرارات قيادة كوسوفا أن تخلق مخاطر لتصعيد التوتر وأعمال العنف العرقية في الإقليم، داعيةً مجلس الأمن لرفض استقلال الإقليم، إلا أن مجلس الأمن الدولي قد رفض الطلب؛ مما دفع روسيا وبلجراد لأن تطالب بعقد اجتماعٍ طارئ جديد، من أجل الحيلولة بين الدول وبين قبول استقلال الإقليم.

 

ومن جهته خرج الرئيس الصربي بوريس تاديتش إلى شعب صربيا وألقى خطابًا مختصرًا قال فيه: "إن صربيا لن تعترف أبدًا باستقلال كوسوفا"، مؤكدًا أن صربيا ردت وسترد بكل الوسائل السلمية والدبلوماسية والشرعية لإلغاء هذا العمل الذي ارتكبته "مؤسسات كوسوفا".

 

مواقف مبررة

 الصورة غير متاحة

احتفالات شعبية في شوارع كوسوفا بالاستقلال عن صربيا

الناظر لأول وهلةٍ لمواقف الدول الداعمة لاستقلال كوسوفا يعتقد أنها تفعل ذلك من منطلق إنساني أو أخلاقي، إلا أن الواقع يشير إلى ما يحرك هؤلاء جميعًا هو مصالحهم الخاصة، ورغبتهم في السيطرة والهيمنة، وهذا ما اتضح جليًّا بعد أن أجبرت واشنطن جيش تحرير كوسوفا على أن يحل نفسه، ويسلم أسلحته ويتحول إلى حزبٍ سياسي، وبدلاً من تمكين الكوسوفيين من إدارةِ شئونهم بأنفسهم ولو تحت حماية دولية، إذا بها تفرض عليهم إدارة أجنبية مدنية وعسكرية أشبه بتلك التي كانت سائدة في الحقب الاستعمارية السابقة، ولكن هذه المرة تحت علم الأمم المتحدة الواقعة تحت السيطرة الأمريكية.

 

وفي هذا الصدد يؤكد الخبراء أن السبب في دعم أمريكا لاستقلال كوسوفا، يتمثل في أن صربيا تحتل موقعًا مهمًّا في البلقان، وهي على ارتباطٍ تقليدي ثقافي وديني مع روسيا، فضلاً عن أنها تُمثِّل خطَّها الأمامي في البلقان، وبتأثير روسيا فهي تبتعد عن الاتحاد الأوروبي وتعارض سياسة أمريكا في البلقان، وهذا ما يمثل ضررًا للمصالح الأمريكية في المنطقة؛ حيث تريد أمريكا من دول البلقان (أوروبا الشرقية) أن تكون مجال نفوذ لها، بل مركز قوة ضاربة في خاصرة روسيا.

 

لذلك كانت أولى الخطوات هي في فصل الجبل الأسود عن صربيا، ثم فصل كوسوفا بعد ذلك، حتى تتمكن من تنفيذ مشاريعها في المنطقة دون عرقلةٍ من صربيا بتأثير روسيا.

 

استفادات جمة

وقريبًا من الموقف الأمريكي يأتي موقف الاتحاد الأوروبي، فرغم علم الاتحاد الأوربي أن أمريكا تريد إضعاف صربيا لتضْعف نفوذ روسيا في البلقان، ولإزالة أي عائقٍ لنفوذ أمريكا في البلقان، إلا أن الاتحاد الأوروبي يتوقع من فك ارتباط صربيا بروسيا (أو إضعاف هذا الارتباط) أن يستطيع إدخالها الاتحاد الأوروبي مستغلاً عداءها لأمريكا في إيجاد توازن مع دول أوروبا الشرقية التي دخلت الاتحاد وأصبحت ركائز لأمريكا فيه مثل بولندا وتشيكيا، ولذلك أبدى الاتحاد الأوروبي تأييده لخطة اهتيساري، التي تُوصي باستقلال كوسوفا مع الإشراف الدولي القوي، هذا من ناحية.

 

ومن ناحيةٍ أخرى، يرغب الاتحاد الأوروبي في الاستفادة من الخيرات الكثيرة التي تنعم بها كوسوفا ، فرغم أن مساحتها لا تتعدى حوالي (11) ألف كم2 إلا أنها تعتبر من أخصب المناطق في البلقان وأغناها بالثروة المعدنية؛ حيث إنه على مستوى الاتحاد اليوغسلافي السابق كان هذا الإقليم ينتج وحده ما نسبته 75% من الرصاص والزنك و60% من الفضة و50% من النيكل و20% من الذهب.

 

كما تحتوي على 100% من احتياطي البسموس و79% من احتياطي الفحم و61% من احتياطي المغنيسيوم، وتوجد في كوسوفا أيضًا كميات كبيرة من البوكسيت الحديدي والجاليوم والحديد والنحاس والزئبق وتزرع القمح والشعير والشوفان وزهرة الشمس والبنجر.

 

استعادة النفوذ

وبدورها ترغب موسكو من خلال معارضتها لاستقلال كوسوفا في استعادة نفوذها في المنطقة؛ لذلك تعمل على عرقلة أو تأجيل دخول أي دولةٍ من دول المنطقة في الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، والموقف الروسي المعلن يساند الموقف الصربي الذي يطالب بالتمسك بالقرار الأممي رقم 1244 حتى يصدر قرار جديد.

 

وبالإضافة إلى ذلك تبرز الروابط المصلحية في أن روسيا تريد الاحتفاظ بموطأ قدمٍ لها في أوروبا الشرقية، تحاول من خلاله فك الحصار الذي يطوقها يومًا بعد يومٍ من خلال اتساع النفوذ الأمريكي في المنطقة وانضمام أوروبا الشرقية إلى الناتو، أما الروابط القومية، فتتمثل في كون الصرب والروس ينحدرون من قومية واحدة هي القومية "السلافية" واللغة الروسية قريبة في مفرداتها من اللغة الصربية، في حين ينحدر مسلمو كوسوفا من القومية الألبانية، وأخيرًا تخشي روسيا من تكرار ما حدث في كوسوفا معها.

 

تحديات استقلال

 الصورة غير متاحة

 الصرب يشعلون النار في نقطة حدودية مع كوسوفا

يبقى على حكومة الإقليم مواجهة التحديات الكثيرة المحدقة به، والتي قد تؤدي في حال التغاضي عنها إلى فقدان الإقليم للأمن والاستقرار، ومن ثَمَّ ضياع الحلم الذي طالما حلم به الشعب الكوسوفي، ومن أهم تلك التحديات التي يذكرها الخبراء، تكوين دستور جديد للدولة يتم فيه تحديد أسس الدولة الجديدة والنظام السياسي المحتمل الأخذ به، وهل يكون إسلاميًّا تماشيًّا مع ديانة الأغلبية الألبانية أم يكون علمانيًّا استجابةً لضغوط الغرب؟.

 

أما التحدي الآخر فيتمثل في كيفية التصدي للأقلية الصربية، التي يحتمل أن تسعي لعرقلة استقرار البلاد، بدعم من بلجراد، التي لن تكف على ما يبدو عن إثارةِ العراقيل والفتن داخل الدولة، حتى تثبت للعالم أن الحكومةَ الجديدةَ عاجزة عن إدارة شئون الإقليم.

 

يُضاف إلى ذلك تحدى التعامل مع الدول صاحبة المصالح في الإقليم، خاصةً فيما يتعلق الثروات الكثيرة التي يتمتع بها الإقليم وترغب الدول الكبرى في تأمينها لصالحها، باعتبار أن ذلك حقها المشروع بعدما ساعدت الإقليم في الحصول على الاستقلال.

 

مما سبق يتبين أن ما يحدث في كوسوفا هو صراع دولي أطرافه أمريكا وروسيا، وإلى حد ما أوروبي، مما يتطلب من النظام الكوسوفي القائم أن يتعامل بحذرٍ مع كافةِ الأطراف؛ حفاظًا على استقلال دولته الناشئة من جهة، وحتى يضمن وقوف هؤلاء ضد أية محاولات من قبل صربيا لتهديد استقرار وأمن الإقليم، وفي نفس الوقت تطوير الإقليم وتحويله إلى دولة قادرة على الحفاظ على سيادة أراضيها دون تدخل من جهات خارجية، مثلها مثل أي دولةٍ مستقلة.