منذ استقلال الجزائر عام 1962م وعلاقاتها مع فرنسا تتسم بغير الطبيعية؛ فتارةً تمر بحالة انسداد، وأخرى انفتاح؛ وذلك بسبب الرواسب التاريخية التي تحكَّمت ولا تزال تتحكم في الخيوط المتشابكة لهذه العلاقات، والتي لخَّصها الرئيس الجزائري الراحل هواري بو مدين عندما سئل عنها بقوله: بيننا وبين فرنسا أنهار من الدماء وجبال من الجماجم!!.

 

ومثل هذه النظرة هي التي شكَّلت نظرية الطلاق الأبدي مع عدوِّ الأمس التي تبنَّاها الكثير من الساسة الذين كانوا يعملون تحت قيادة الرئيس بو مدين، ومن بينهم الرئيس الحالي عبد العزيز بو تفليقة، الذي كان آنذاك وزيرًا للشئون الخارجية، إلا أنه ونظرًا للتغيُّرات المتسارعة التي يشهدها العالم والتحديات التي يفرضها الوضع الراهن، فإن بو تفليقة عاد لتبني نظرية أخرى ترتكز على المصالحة التاريخية مع الذين قتلوا قرابة مليوني جزائري خلال سبع سنوات فقط!!.

 

أبوَّة استعمارية!

وذلك ما بدا جليًّا وواضحًا من خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى الجزائر في مطلع يناير الماضي، والاستقبال الرسمي الحارّ والشعبي الفاتر الذي حظي به، وكان يمكن للعلاقات الثنائية- على ضوء تلك الزيارة- أن تخرج من حالة الانسداد والتوتر التي كانت تميزها خلال أكثر من ثلث قرن، ولكن يبدو أن الطرف الفرنسي لم يتخلَّ عن نظرية الأبوَّة الاستعمارية التي تسكن ساسته، والتي جعلتهم يحشرون أنوفهم في ملفات لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد بقدر ما تعني الجزائريين وحدهم، مثل ملفات الجيش، وحقوق الإنسان، والمفقودين.

 

وكانت البراجماتية واضحةً في تصريحات ساركوزي، الذي بدا وكأنه مفاوض باسم الشركات الاقتصادية والصناعية الفرنسية التي تحاول أن تأخذ حصة الأسد من الاستثمارات في الجزائر، ورغم وصف زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي للجزائر بالتاريخية فإنها قد تعثَّرت في حقيقة الأمر ولم تحقق أهدافها المنتظرة؛ لأنها لم تكن بدايةً موفَّقةً أو إيذانًا معلنًا لإزالة العقد النفسية والتاريخية بين البلدين؛ من أجل إظهار الرغبة الحقيقية في بناء علاقات إستراتيجية بينهما.

 

تيار فرانكوني تغريبي

وبهذا المنطق الاستعماري تعاملت فرنسا مع الجزائر؛ حيث ظلَّت محافظةً على نفوذها الاقتصادي والثقافي والصناعي؛ ولذلك ظلَّت العلاقات الثنائية يشوبها التوتر وعدم التفاهم، لا سيما أثناء مرحلة الستينيات والسبعينيات، إلى أن جاء الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد إلى سدَّة الحكم في الجزائر، فاختلت موازين القوى لصالح ما يسمَّى بالتيار الفرانكفوني التغريبي التابع روحيًّا إلى فرنسا؛ حيث عمل رموز هذا التيار على إعادة ربط العلاقات مع فرنسا.

 

وقام الرئيس بن جديد بزيارة إلى باريس لأول مرةٍ في تاريخ الجزائر المستقلة؛ حيث إن العرف الجزائري (غير المكتوب) الذي كان سائدًا في عهد الرئيسين بن بلَّه وبو مدين كان ينص على ألا يقوم الرئيس الجزائري بأي زيارة إلى فرنسا؛ باعتبارها العدو التقليدي الأول للجزائر والجزائريين، إلا أن التألُّق في العلاقات الثنائية بين البلدين سرعان ما خفتت أضواؤه بعد إقالة بن جديد.

 

مرحلة جديدة

وبعد تولي الرئيس الراحل محمد بو ضياف رئاسة المجلس الأعلى للدولة كانت الجزائر قد دخلت مرحلة الفوضى والفتن الكبرى، واستمر الوضع في التعقيد طيلة الفترة التي تولَّى فيها كلٌّ من علي كافي والأمين زروال الحكم؛ حيث كانت باريس في ذلك الوقت تقف موقف المتفرِّج مما يجري في الجزائر؛ من عملياتِ التذبيح والتنكيل والتقتيل الممارسة ضد الشعب الجزائري بمختلف مواقعه وفئاته.

 

وظلَّت فرنسا تراقب بانزعاج كبير التقاربَ الذي بدا بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية، وتعتبره مجرد تسلُّل أمريكي إلى ملعبها القديم؛ حيث ساهمت وسائل الإعلام الفرنسية عبر حملاتها الإعلامية المكثَّفة والمسمومة فيما جرى في الجزائر؛ من تسميمِ الأجواء، وزيادةِ توتر العلاقات بين البلدين، حتى وصلت إلى رفض الرئيس الأسبق الأمين زروال مقابلة الرئيس الفرنسي آنذاك؛ إثر تصريحٍ اعتبرته الجزائر تدخلاً فاضحًا في مسائلها الداخلية؛ وذلك بعدما كان اللقاء مبرمجًا بين الرئيسين على هامش إحدى الدورات العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

 

إلا أنه وبعد أن جاء الرئيس الحالي عبد العزيز بو تفليقة إلى سدَّة الحكم، دخلت الجزائر مرحلةً جديدةً تحاول من خلالها محو كل التراكمات والرواسب التاريخية، وطيِّ صفحات الماضي الحالك بين البلدين، وفتح صفحات أخرى من أجل التأسيس لإقامة علاقات متينة قائمة على المصالحة الحقيقية والبراجماتية النفعية للطرفين؛ حيث حاول الرئيس بو تفليقة الانفتاح على صنَّاع القرار في الغرب لمساعدة بلاده في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

 

مقايضة وإعادة حسابات

ويرى مراقبون أن زيارة شيراك إلى الجزائر عام 2003م وزيارة ساركوزي خلال يناير الماضي يمكن وصفها بإبداء حسن نية من الطرف الفرنسي للتعامل الإيجابي مع الإشارات المطمئنة التي أرسلها الرئيس بو تفليقة، خصوصًا أنه جرت إعادة الاعتبار للثقافة الفرنسية وجرّ الجزائر إلى حظيرة الدول الفرانكفونية وبعض الهيئات الثقافية والاقتصادية التي تعتبر فرنسا صاحبةَ الكلمة الأولى والأخيرة داخلها.

 

ورغم ذلك، فقد وُجِّهت انتقادات لاذعة من أطراف جزائرية معارضة ومعروفة بحساسيتها المفرطة لمثل هذا التوجه الأيديولوجي وبغيرتها على ثوابت الأمة ودفاعها المستميت عن ضرورة الحفاظ على الخصوصية الثقافية الجزائرية، بعيدًا عن أية مقايضة من قبيل تلك التي تقوم بها فرنسا مع الجزائريين على أساس مقايضة الهوية الثقافية بالاقتصاد والمال والاستثمار.

 

وقد لجأ بو تفليقة قبل ذلك إلى خطة ذكية لتدشين التقارب الجزائري الفرنسي؛ حيث ألمح في بداية عهده الرئاسي إلى أن الجزائر قد تخرَّج من تحت العباءة الفرنسية؛ وذلك بتكثيف الزيارات المتبادلة بين المسئولين الأمريكيين والجزائريين وإجراء مناورات عسكرية بين القوات الجزائرية والأمريكية؛ الأمر الذي أقلق الفرنسيين وجعل فرنسا تعيد حساباتها في علاقاتها مع الجزائر؛ حفاظًا وصيانةً لمصالحها الإستراتيجية والسياسية والثقافية والاقتصادية.

 

قانون مشئوم!!

وبالرغم من ذلك فإن الطرف الفرنسي ما زال وفيًّا لماضيه ولتاريخه الاستعماري الموغل في الاستهزاء بمشاعر الشعوب المستعمرة!!؛ وذلك من خلال مصادقة البرلمان الفرنسي على قانون 23 فبراير الممجِّد للاستعمار وممارساته، واعتباره عملاً حضاريًا قام به المستعمر الفرنسي لتحرير شعوب شمال إفريقيا من ربقة التخلُّف والجهل والفقر!!.

 

فهذا القانون أعاد العلاقات الجزائرية الفرنسية إلى نقطة الصفر بعد أن كان الطرفان يستعدان لتوقيع اتفاقية الصداقة منذ نحو عامين من الآن، والغريب في الأمر أن الفرنسيين لم يحترموا مشاعر الجزائريين، ولم يقدِّروا رئيسهم بو تفليقة، واختاروا الوقت الذي كان فيه الرئيس الجزائري في غرفة العمليات بإحدى مستشفياتهم ليصادقوا على هذا القانون المشئوم الذي يصف أعمالهم الوحشية بالحضارية؛ حيث ينص هذا القانون في مادته الرابعة على ما يلي: يجب أن تُولَى مراكز البحث الجامعي حول تاريخ الحضور الفرنسي فيما وراء البحر، وخاصةً في شمال إفريقيا، الأهميةَ والمكانةَ التي تستحقها، ويجب على المدارس الفرنسية وبرامجها أن تمجِّد الاستعمار وحضوره الإيجابي فيما وراء البحر، لا سيما في إفريقيا الشمالية.

 

ويبقى القول بأنه إذا كان من السهل طيّ صفحات الماضي، فإن من الصعب جدًّا تمزيق هذه الصفحات من الذاكرة الجماعية، خاصةً عندما يبقى الطرف الفرنسي وفيًّا لتاريخه الاستعماري الأسود، ولا يعترف بالجرائم المرتكبة في حق الجزائريين!!.

--------

* بالاتفاق مع (المجتمع).