عندما بدأ الرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي حملته الانتخابية الرئاسية كان يؤكِّد ضرورة أن تسترجع فرنسا موقعها الفاعل والمؤثِّر في الساحة الدولية بعد التراجع الكبير- في نظره- الذي سبق في عهد شيراك ومن قبله ميتران.

 

وفي خطابٍ له حول السياسة الخارجية في أغسطس 2007م بعد وصوله إلى سدة الحكم، طرح ساركوزي ثلاثة تحديات يراها أمام الدبلوماسية الفرنسية تتمحور حول الأسئلة التالية:
1- كيف يمكن تجنُّب صدامٍ بين الإسلام والغرب؟ معللاً ذلك بوجود ما وصفه بجماعات متطرفة ترى إقامة خلافة إسلامية منغلقة غير قابلة للحداثة ولفكرة التعددية!.

 

2- وكيف يمكن دمج القوى الصاعدة مثل الصين والهند والبرازيل في النظام العالمي الجديد؟ لأنها- في نظره- بقدر ما يمكن أن تكون عنصرًا محرِّكًا للنمو العالمي ستكون عاملاً في حدوث اختلالات خطيرة؛ معللاً ذلك بأنها تريد أن تكون قوى كبرى دون احترام قواعد اللعبة لمصلحة الجميع.

 

3- وكيف يمكن التصدي لأخطار جسيمةٍ لها علاقة بالبيئة والأمراض المستعصية ومصادر الطاقة؟

 

 الصورة غير متاحة

 نيكولا ساركوزي

ولوحظ أن ساركوزي ركَّز على أن رئيس الدولة وظيفته تتغيَّر بتغيُّر الأمور؛ الأمر الذي يحتاج إلى إرادةٍ فولاذيةٍ ومن يقاسمه أحلامه وطموحاته وأهدافه، واعتبر أن فرنسا قادرة على أن يكون لها حضور عالمي بما تملكه من مقومات بشرية وتكنولوجية ودبلوماسية قوية جدًّا.

 

فكان لا بد من البحث عن منافذ لتحقيق الهدف الإستراتيجي للسياسة الخارجية الفرنسية، والمتمثِّل في تعزيز الحضور الفرنسي الدولي لتكون أحد الأقطاب الدولية المؤثرة والفاعلة؛ وذلك عبر عدة بوابات دولية أوروبية وأمريكية وشرق أوسطية.

 

البوابة الأوروبية

البوابة الأولى التقليدية هي المنظومة الأوروبية واعتبار أن قوة فرنسا هي في ظل اتحاد أوروبي قوي، ويسير ساركوزي في هذا الصدد على النهج الذي سار عليه أسلافه، محتفظًا بالإرث "الديجولي" الداعي إلى بناء منظومة أوروبية قوية؛ ولهذا كان حريصًا في حملته الانتخابية على إبراز أهمية البُعْد الأوروبي في النهضة الاقتصادية والسياسية التي ستقود فرنسا إلى قطبية دولية.

 

وفي هذا الإطار تحرَّك الرئيس الفرنسي لدعم الاتحاد الأوروبي والعمل على إخراجه من الأزمة السياسية؛ بسبب غياب دستور أوروبي بعد الرفض الشعبي الفرنسي والهولندي لمشروع الدستور المقترح من لجنة إعداد الدستور برئاسة فاليري جيسكار ديستان خلال الاستفتاء المخصَّص لهذا الغرض، وقبلت القمة الأوروبية في منتصف شهر ديسمبر الماضي بلشبونة عاصمة البرتغال مقترح ساركوزي بتعديل هذا الدستور ليصبح اتفاقية أوروبية مبسَّطة.

 

لكن بقدر ما يؤكد الرئيس الفرنسي أهميةَ البُعْد الأوروبي لفرنسا فهو مقتنع بأن الاقتصار على هذا البُعْد لا يعطي لبلده الثقل الدولي المطلوب؛ ذلك أن المنظومة الأوروبية سلاح ذو حدَّين؛ فهي تساعد على تقوية الجبهة الداخلية ضمن الإطار الإقليمي، لكنها لا تترك هامشًا كبيرًا للبروز على الساحة الدولية بشكلٍ منفردٍ بالنظر إلى الاعتبارات التي يمليها العمل الوحدوي في إطار التكتلات الجهوية والإقليمية؛ بمعنى آخر إن فرنسا ستبقى رهينةَ القرار الأوروبي في العديد من المواقف الدولية.

 

لذا فإن ساركوزي يريد إحداث قطيعة مع العهد السابق منذ ديجول إلى شيراك على صعيد الدبلوماسية الفرنسية، عن طريق دمج الإرث الديجولي بالتوجُّه الأطلسي، ويقود هذا المعطى إلى التوجه الجديد للسياسة الخارجية الفرنسية.

 

البوابة الأمريكية
 
 الصورة غير متاحة

ساركوزي وبوش

يتمثَّل هذا المسار الجديد في التوجُّه الأطلسي، وهو البوابة الأمريكية التي يراهن عليها ساركوزي لتعزيز الحضور الفرنسي في الساحة الدولية؛ فهو لا يرى مانعًا من تعزيز الدور الأوروبي لفرنسا ضمن دعم الانفتاح، وترسيخ العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وليس على حسابها، أو ليس ضمن تصوُّرٍ تنافسيٍّ حادٍّ معها.

 

وبناءً عليه لا غرابةَ أن يعلن الرئيس الفرنسي مستقبلاً عن عودة فرنسا إلى منظَّمة الحلف الأطلسي لوضع حدٍّ للقطيعة مع هذه المنظَّمة منذ 1966م بقرارٍ من الرئيس الأول للجمهورية الفرنسية شارل ديجول، ولا غرابة أن يتبنَّى الرئيس الفرنسي مواقف إدارة بوش في الملفات المهمة في الساحة الدولية من منظور أمريكي، وعلى رأسها ما يسمَّى بملف الإرهاب؛ الأمر الذي يفسِّر دعم الحضور العسكري الفرنسي في أفغانستان، وتأكيد ضرورة اجتثاث الإرهاب، مؤكدًا رفضَ كل أشكال التحاور والمصالحة مع الحركات المسلحة في العراق.

 

وفي هذا الإطار أيضًا تأتي مواقفه الصارمة من سوريا وإيران وتأكيده منعَ طهران من الحصول على الطاقة النووية بحجَّة استخدامها لأغراضٍ حربيةٍ تهدِّد مصالح "إسرائيل" في المنطقة، لكن السؤال هو: هل هذه المواقف المساندة لإدارة بوش دليلٌ على توجُّهٍ أيديولوجي إستراتيجي؟ أم ينمُّ عن خلفية نفعية برجماتية؟!

 

إن التحالف مع إدارة بوش من شأنه أن يوجِّه الأنظار إلى السياسة الخارجية الفرنسية، وهذا في حدِّ ذاته انتصارٌ في نظر ساركوزي الذي يسعى لجلب انتباه المجتمع الدولي نحوه، ليقول بوجود حركية جديدة فرنسية يصعب تجاهلها أو تجاوزها؛ لأنها تأتي من طرفٍ حليفٍ قوي للولايات المتحدة التي ما زالت تمسك بالقرار الدولي.

 

ويبدو أن ساركوزي يمتلك من الذكاء السياسي ما لا يجعله يغامر بالسياسة الفرنسية في متاهات العنجهية الأمريكية التي جلبت للولايات المتحدة الكثير من الأعداء، خاصةً أن ولاية بوش على وشك الانتهاء، وهناك احتمال أن يحصل نوع من التغيُّر في السياسة الأمريكية الخارجية باعتماد نهجٍ فيه قدرٌ من الواقعية، فيُحَال وصول الديمقراطيين إلى السلطة.

 

فلا يمكن رهن السياسة الخارجية الفرنسية لسياسة أمريكية قابلة للتطور، ولن يراهن ساركوزي بمستقبله السياسي، والحال أنه في بداية ولايته التي ستمتد لخمس سنوات، وهي لا شكَّ قد تطول لولايةٍ ثانيةٍ لتصبح عشر سنوات، بل سيسعى إلى تثبيت هذا المستقبل عن طريق تحالفه السياسي حاليًا مع إدارة بوش؛ لأنه متيقِّن أن بوش سيرحل ولكن سيبقى اللوبي اليهودي المؤثر في صناعة القرار الأمريكي، وهو ما يحتاج إليه ساركوزي لضمان بقائه مدةً أطول في السلطة، وضمان السند لتحركاته ومشاريعه وطموحاته على المستوى الدولي، وعلى رأسها الاتحاد المتوسطي.

 

البوابة المتوسطية العربية من أهم ما يشغل السياسة الخارجية الفرنسية في السنوات القادمة (ملف الاتحاد المتوسطي حيث العالم العربي)، الذي يعوِّل عليه الرئيس الفرنسي كثيرًا لإعادة الاعتبار للحضور الفرنسي على الساحة الدولية، ويبدو أن هذا الاختيار ليس عفويًّا، وإنما هو مبنيٌّ على قراءة دقيقة لتطور الواقع الدولي، هذا الواقع الذي يمكن تلخيصه فيما سمَّاه أحد المراقبين: تراجع عنفوان المشروع الأمريكي كما تجلَّى ذلك في العراق وأفغانستان وباكستان ولبنان وفلسطين وفي إفريقيا (في القرن الإفريقي: مثل كينيا والصومال)؛ حيث لم يصل هذا المشروع إلى تحقيق مراميه في حماية المصالح الأمريكية الصهيونية بالشكل المخطَّط له.

 

وكما يقال: رُبَّ ضارةٍ نافعة؛ فقد استفادت أطراف أخرى من هذا التراجع؛ حيث برزت قوى جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا، أما فرنسا فقد وجدت في بداية التراجع الأمريكي فرصةً لمد نفوذها في المنطقة المتوسطية التي أصبحت الحلقة الأضعف في السياسة الدولية بعد أن انشغلت عنها الولايات المتحدة بالوضع المتفجِّر في العراق، والملف النووي في إيران، وموضوع ما يسمَّى بالإرهاب في أفغانستان، وملفات منطقة الشرق الأوسط عمومًا التي احتلت صدارة الأوضاع الدولية، وكانت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة منافسًا قويًّا لفرنسا فيما كان يعتبر مجالاً حيويًّا لها في المنطقة المغاربية وبلدان جنوب الصحراء بإفريقيا.

 

 الصورة غير متاحة

محمد السادس وساركوزي خلال زيارة الأخير للمغرب

 وباقتراح مشروع الاتحاد المتوسطي في نداء روما، يكون ساركوزي قد دفع مسارًا معطَّلاً منذ اجتماع برشلونة بأسبانيا، ولكن هذه المرة في وضعٍ مريحٍ بالنسبة له؛ حيث يدير دفة الحكم في باريس ويمكنه تحقيق العديد من الأهداف التي يطمح إليها، من أهمها: بروز فرنسا كقطب دولي جديد، وتهميش منافسَيها الأوروبيَّين بشكل ذكي (بريطانيا وألمانيا أساسًا) اللذين لا يطلان على البحر المتوسط، وجلب تركيا إلى الدائرة المتوسطية مقابل سد أبواب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي؛ حتى لا تكون طرفًا أوروبيًّا قويًّا ومنافسًا، وتطبيع العلاقات والإبقاء على النفوذ الفرنسي في لبنان الذي يعود إلى العهد العثماني؛ حيث قدَّم بعض السلاطين العثمانيين في فترات ظهور الإمبراطوريات امتيازاتٍ لقوى أجنبية، ومنها فرنسا التي أُعطِيَ لها حق رعاية المسيحيين في لبنان.

 

ومنذ ذلك الوقت تتمتع الطائفة المارونية المسيحية بدعمٍ فرنسي قوي، وتمَّ فرض نوع من العُرْف السياسي في لبنان يتم على ضوئه اختيار الرئيس اللبناني ضمن دائرة الطائفة المسيحية.

 

وعليه فإن الاتحاد المتوسطي مفصَّل على مقاس الدبلوماسية الفرنسية العارفة بمواطن القوة والضعف في المنطقة المتوسطية؛ بحكم حضورها التاريخي بها منذ عهد الإمبراطورية الفرنسية ونابليون الذي قام بحملةٍ على مصر عام 1798م، ثم الدخول في الحقبة الاستعمارية بدايةً باحتلال الجزائر عام 1830م، ثم تونس والمغرب وبلاد إفريقية جنوب الصحراء؛ الأمر الذي يجعل فرنسا مهيَّأةً اليوم في ظروفٍ مواتيةٍ للإمساك بخيوط اللعبة السياسية في المنطقة المتوسطية وتخومها بخلفية برجماتية!

 

النفعية البرجماتية

لا شكَّ أن السياسة الخارجية الفرنسية في عهد ساركوزي ومشروع الاتحاد المتوسطي الذي يمثِّل أحد أعمدتها تحكمها خلفية برجماتية نفعية لحماية المصالح الفرنسية؛ ذلك أن أكبر التحديات الداخلية التي يواجهها الرئيس الفرنسي الجديد هو التحدي الاقتصادي الاجتماعي وضرورة حل معضلة العجز الاقتصادي، ورفع القدرة الشرائية للمواطن، وتمويل المشاريع التي بشَّر بها خلال حملته الانتخابية.

 

وليس أمام ساركوزي سوى تنشيط الدبلوماسية الفرنسية التي يسعى من خلالها عن طريق الصفقات التجارية والعسكرية الكبرى هنا وهناك.

 

وتكفي الإشارة إلى الزيارة التي قام بها إلى الصين، والتي انتهت بصفقةٍ تجاريةٍ كبرى، وفي المنطقة المتوسطية، نجح في القيام بصفقاتٍ كبرى مع كلٍّ من الجزائر وليبيا، وبالرغم من الانتقادات الشديدة لزيارة القذافي إلى باريس، لم يعبأ ساركوزي بهذه الانتقادات؛ لأنه مدركٌ لأبعادها النفعية في حماية المصالح الفرنسية؛ ذلك أن بلدان جنوب حوض المتوسط مرشَّحة لتكون مصدرًا مهمًا لليد العاملة الرخيصة، وسوقًا كبرى للبضاعة الفرنسية، كما أكَّد ساركوزي في العديد من المناسبات رغبة بلاده في مساعدة كل البلدان الراغبة في إنتاج الطاقة النووية المدنية.

 

من جهةٍ أخرى، فإن الرئيس الفرنسي لا يفتأ يذكر أن التعاطف والتحالف لا يعنيان المجاملة والولاء التام بدون قيد أو شرط، سواءٌ مع الطرف الأمريكي أو الطرف "الإسرائيلي"، ولكن- كما هو معلوم- يبقى الفرق شاسعًا بين الخطاب والممارسة؛ فالمهم في نظر ساركوزي هو حماية المصالح الفرنسية.

 

وبرغم كون هذا التوجه النفعي البرجماتي توجهًا تقليديًّا في السياسة الفرنسية، إلا أنه يختلف حاليًا عن العهود الفرنسية السابقة؛ من حيث إن هذه النفعية المصلحية قد تصل أحيانًا إلى درجة الانتهازية كما حصل في قضية إطلاق سراح الممرضات البلغاريات في ليبيا؛ حيث سارع ساركوزي بإرسال زوجته السابقة إلى ليبيا لتتفاوض مع القذافي ولننتهي القضية بعودة الممرضات إلى بلدهن في صحبة زوجة ساركوزي.

 

وجاءت الانتقادات من الداخل ومن الخارج لهذا الأسلوب غير المعتاد في العُرْف الدبلوماسي الدولي، بل إن وزير الخارجية الفرنسي الاشتراكي برنار كوشنار لم يستسغ تدخل زوجة ساركوزي وتجاوز صلاحياتها في قضيةٍ دقيقةٍ لها أبعاد إقليمية ودولية، ويتحدَّث المراقبون عن إمكانية وجود صفقةٍ كبيرةٍ بين البلدَين قد تكون لبيع وشراء أسلحة.

 

وقد استطاع الرئيس الفرنسي الجديد أن يوظِّف إمكاناته وقدراته وخبراته لإنجاح هذا التوجُّه البرجماتي، وهو معروفٌ بكفاءته في الإقناع والتفاوض من خلال مزاولته لمهنة المحاماة، ثم إنه استفاد كثيرًا من تجربته السياسية وتقلُّده لمناصب عدة؛ من بينها الإشراف على وزارتَي الاقتصاد ثم الداخلية، وأهم من ذلك رئاسة الحزب الحاكم، وهو منصبٌ يحتاج إلى سياسي ماهرٍ يحسن فن المراوغة السياسية والحسابات النفعية المصلحية.

 

إن المتتبعين للشأن الفرنسي يتطلَّعون إلى سياسةٍ خارجيةٍ فرنسيةٍ تجعل من فرنسا قطبًا دوليًّا جديدًا يحافظ على مصالحه، ولكنه يسعى في الوقت نفسه إلى تخفيف حدة تداعيات الأحادية القطبية الأمريكية المهيمنة بإيجاد نوعٍ من التوازن العالمي من أجل إحلال السلم والأمن اللذين يحتاج إليهما المجتمع الدولي حاضرًا ومستقبلاً، ولكن المشكلة هي أن يسعى ساركوزي لهذا من زاوية نفعية برجماتية ويحمل لواء محاربة الإرهاب الإسلامي بدلاً من أمريكا، فتخسر فرنسا أصدقاءها وقطبيتها المحايدة.