في الوقت الذي يواصل فيه الكيان الصهيوني عقابه الجماعي ضد الشعب الفلسطيني في غزة تحت وقع الحصار والغارات والاستهداف المباشر، قررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تقديم المزيد من الدعم للكيان الصهيوني فيما يُسميه الغرب "الحرب ضد المنظمات المتطرفة".

 

وفور وصولها إلى الكيان الصهيوني أكدت المستشارة الألمانية تطابق وجهات نظر بلادها مع الكيان بشأن مخاوف طريقة حل القضايا العالقة في الشرق الأوسط، مكررةً التصريحات المستهلكة للرئيس الأمريكي بأن الحلَّ يجب أن يشمل دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب في سلامٍ وأمن.

 

ميركل بذلك تعد أول مستشار لألمانيا يلقي خطبةً في الكنيست "الإسرائيلي"؛ وذلك بعد مرور أكثر من 6 عقودٍ على نهايةِ الحرب العالمية الثانية.

 

وتندرج زيارة ميركل، أول مستشارة ألمانية مولودة بعد الحرب العالمية الثانية، في إطار الاحتفالات في الذكرى الستين لإعلان قيام الدولة العبرية في 15 مايو 1948م.

 

وسبق أن ألقى الرئيس الألماني السابق يوهانس راو كلمةً أمام الكنيست في عام 2000م ليكون أول رئيسٍ ألماني يقوم بإلقاء كلمةٍ أمام النواب الصهاينة.

 

وقاطع عددٌ من النواب في الكنيست وقتها كلمة راو وهي تجربة مرَّ بها الرئيس الألماني الحالي هورست كولر عام 2005م عندما ألقى كلمةً بالألمانية أمام الكنيست أيضًا.

 

علاقة خاصة

ويمكن وصف العلاقات بين ألمانيا والكيان الصهيوني بأنها علاقة من نوعٍ خاص، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من مذابح ارتكبتها آلة الحرب الألمانية آنذاك، ومنها مزاعم بارتكاب مذابح "الهولوكست" ضد اليهود، فرضت التزامات عديدة على ألمانيا، وكان على رأسها الاعتذار لدولة الكيان الصهيوني وتقديم تعويضات مالية ضخمة قُدِّرت بمئات المليارات من الدولارات لأهالي ما يُعرف بضحايا "الهولوكست" الذين تمَّت المبالغة في تقدير عددهم بشكلٍ كبير، كذلك لا تزال الحكومة الألمانية تدفع رواتب تقاعدية لقرابة 35 ألف يهودي غادروا ألمانيا في أثناء الحرب؛ وذلك لتعويضهم عمَّا جرى لهم!.

 

ولم يتوقف الأمر عند التعويضات الضخمة، بل أصبح اللوبي اليهودي في ألمانيا يمارس نفوذًا قويًّا على وسائل الإعلام الألمانية، وكذلك مراكز صناعة القرار السياسي، والاقتصادي، وكل ذلك لما فيه من مصلحة لدولة "إسرائيل"، وقد مارس هذا اللوبي مؤخرًا ضغوطات لإتمام صفقة أسلحة متطورة "لإسرائيل" بأسعار مخفضة كما مارس هذا اللوبي حملةً عنيفةً ضد بعض المنظمات الألمانية التي حاولت الضغط على الحكومة لإيقاف التبادل التجاري مع "إسرائيل" في أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ نظرًا للممارسات الدموية التي كانت ترتكب بحق الفلسطينيين، ويتدخل اللوبي الصهيوني حتى في صياغة الكتب المدرسية الجامعية فيما يتعلق بمذبحة "الهولوكوست" لتقوية وجهة النظر الصهيونية.

 

وحرصت ألمانيا على مدى أكثر من خمسة عقود على تقديم مختلف أنواع الدعم لدولة الكيان الصهيوني، وتمثل ذلك في توالي الدعم العسكري الألماني السخي للدولة العبرية ليشمل أحدث الغواصات من نوع "دلفين" وصورايخ باتريوت المضادة للصواريخ، إضافةً إلى أحدث التقنيات التي تدخل في صناعة الطائرات والدبابات وغيرها من الأسلحة الخفيفة والثقيلة على أساس إن ذلك ضروري لضمان أمن الكيان الصهيوني.

 

أمن الصهاينة

كما حرص الساسة الألمان بشكلٍ متكررٍ على تعهدهم بأمن الدولة العبرية؛ حيث صرَّح المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر عام 2002م بقوله: "أريد أن أوضح أن إسرائيل ستحصل على ما تحتاجه لضمان أمنها في الوقت المناسب".

 

وبالرغم من فروض الطاعة والولاء التي قدَّمتها ألمانيا على مدى العقود الماضية، فإنَّ حكومة برلين تحاول أن تتقرب أكثر من الكيان الصهيوني بل وتريد الارتماء في أحضانه، واتضح ذلك جليًّا في تصريح ميركل قبل قدومها إلى "إسرائيل" بقولها "إن التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل.. تهديدات لنا أيضًا".

 

وأضافت: "علينا تحمُّل مسئولية الماضي، ونُريد أن نظهر بوضوح التزام ألمانيا الأبدي في سياستها الخارجية بحق إسرائيل في الوجود".

 

أهداف الزيارة

وبالرغم من أنَّ بعض المراقبين يعتبر أن زيارة المستشارة الألمانية إلى "إسرائيل" زيارة رمزية ولا تتضمن برنامجَ عملٍ سياسيًّا مهمًّا، إلا أن البعض الآخر يرى أنها زيارة متعددة الأهداف.

 

فيما يرى البعض أن الزيارة تمثل تعهدًا جديدًا من جانب ألمانيا بضمان الأمن "الإسرائيلي" المهدد من وجهة نظرها، وخاصةً من جانب فصائل المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، من خلال إبرام بعض الصفقات العسكرية التي لن يتم الإعلان عن جزءٍ منها، ويتم التكتم على الجانب الأعظم.

 

كما أن الزيارة تُمثِّل اعتذارًا جديدًا ومتكررًا من جانب الحكومة الألمانية لـ(إسرائيل) ضد ما يُسمَّى بـ"الهولوكست"؛ حيث قامت ميركل بزيارة "ياد فاشيم" النصب التذكاري لما يُسمَّى بضحايا المحرقة النازية، وقالت: "نظرًا لمسئوليتها في المحرقة تؤكد الحكومة الألمانية تصميمها على بناء مستقبل" مع إسرائيل.

 

وأخيرًا فإن الزيارة- حسبما يرى المراقبون- تهدف إلى الاتفاق على خطواتٍ جديدةٍ لإجهاض البرنامج النووي الإيراني الذي يرى الكيان الصهيوني أنه يُمثِّل خطرًا كبيرًا على أمنه القومي.

 

وفي النهاية، فإنه في الوقت الذي يتلقى فيه الكيان الصهيوني من الولايات المتحدة والدول العظمى في العالم مختلف أنواع الدعم سواء كان ماديًّا أو عسكريًّا أو اقتصاديًّا، فإنَّ الشعبَ الفلسطيني ينتظر من رؤساءِ وقادةِ الدول العربية والإسلامية أن تتوحد مواقفهم ويتم الوفاء بالوعود التي قطعوها على أنفسهم من أجل رفع الحصار ووقف الاعتداءات الصهيونية بحقهم.