بعد عمليات الصعود المستمرة على جميع الصعد الداخلية والخارجية التي نجح حزب العدالة والتنمية التركي في تحقيقها، والممثَّلة في الحصول على الرضا الجماهيري بعد النجاحات الاقتصادية التي أسهمت في تحسين مستويات المعيشة للشعب التركي، والقبول الخارجي من دولٍ طالما نظرت بتخوُّفٍ وريبةٍ للأحزاب الإسلامية، وسَعَت من أجل وضع العراقيل في طريق صعودها.. هذه النجاحات التي نجح حزب العدالة والتنمية في تحقيقها عجزت كثيرٌ من الأحزاب المعارضة، خاصةً العلمانية منها، في الوقوف في طريقها، بالرغم من استخدامها لكثيرٍ من أوراق اللعب الخاصة بتشويه التجربة والقضاء عليها قبل أن يتحقق لها النجاح، إلا أنه وبسبب عدم نجاح ذلك لم يكن أمام هؤلاء- خاصةً ونحن مقبلون على الانتخابات البلدية في تركيا- إلا اتهام قيادات الحزب بمعاداة العلمانية؛ من أجل الحدِّ من شعبيةِ الحزب في الأوساط التركية.
إذْ فاجأ وكيل النيابة العامة عبد الرحيم بالشين كايا الجميع بالطلب الذي تقدَّم به إلى المحكمة الدستورية العليا لحظر نشاط حزب العدالة والتنمية الحاكم؛ بزعم أنه تحوَّل إلى بؤرةٍ خطيرةٍ تهدِّد العلمانية، وأنه يتغاضى عن عمل المحجبات في مؤسسات ومرافق الدولة الرسمية؛ مما يخوِّله بالمطالبة بمنع 71 من قادة العدالة والتنمية من ممارسة النشاط السياسي لمدة 5 سنوات، ومن بينهم رئيس الجمهورية عبد الله جول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان والعديد من الوزراء؛ وذلك كله وسط ذهولٍ وانتقادات الأوساط السياسية في الداخل والخارج على حدٍّ سواء.
دعوى بالشين
![]() |
|
المطالبة برفع الحظر عن الحجاب مطلب شعبي للتركيات |
وفي الواقع لا تُعبِّر دعاوى بالشين عن إدانةٍ بقدرِ ما تعكس رؤية حزب العدالة لمستقبلٍ طيبٍ للشعب التركي، الذي طالما عانَى من أوضاع مأساوية في ظلِّ الأحزاب السابقة لحزب العدالة والتنمية، ومن ذلك دعوة أردوغان الأتراك إلى إنجابِ ثلاثة أطفال على الأقل ليبقى الشباب الشريحة السكانية الأكبر في البلاد، ودعوته إلى ترك مسألةِ الفتوى في شأن موقع الحجاب في الدين الإسلامي لعلماء الدين بدلاً من أساتذة الجامعات الذين يعارضون ارتداء الحجاب، معتبرين أنه بدعةٌ عربيةٌ، إضافةً إلى سعي الحزب إلى رفع الحظر عن الحجاب في الجامعات.. كل ذلك من شأنه أن يُوفِّر الأمن والاستقرار للأتراك أكثر مما يُمثِّل تهديدًا للعلمانية، فما الضير في إنجابِ أكثر من ثلاثة أبناء طالما أنَّ ذلك لا يُمثِّل ضررًا لحريةِ الأفراد خاصةً أنه لا يفرض عليهم ذلك؟!.
وبالنسبة لمسألة الفتوى، فإنَّ المتعارفَ عليه عربيًّا وإسلاميًّا، بل وفي الدول الغربية التي يوجد بها أقليات مسلمة، أن يتولَّى الفتوى علماء الدين، طالما أن ذلك لا يمس نظام الدولة ولا يُؤثِّر في مسيرتها؛ مما يعني أن دعاوى بالشين تفتقد للموضوعية، وأنها ليست أكثر من محاولةٍ لتشويه الصورة وإثارة الرأي العام التركي المؤيد للعلمانية ضد حزب العدالة والتنمية.
دعاوى سابقة
وقد سبق أن اتهمت المعارضة العلمانية- ممثلةً في حزبِ الشعب الجمهوري- حزب العدالة والتنمية بمعاداة العلمانية؛ بسبب ما أسمته ممارسات الحكومة المنافية للعلمانية، والتي كان آخرها السعي إلى تعديل الدستور من أجل رفع الحظر عن الحجاب في الجامعات، والذي تصدَّى له العلمانيون، خصوصًا أساتذة الجامعات والقضاة.
إلا أنَّ ذلك- وحسب ما يؤكده الخبراء والمحلِّلون- حقٌّ يُراد به باطل؛ حيث إن الهدف من وراء ذلك كله ليس الخوف على العلمانية، وإنما الضغط على الحزب الحاكم قبل الانتخابات البلدية المقرَّر إجراؤها السنة المقبلة؛ للحدِّ من ارتفاع شعبيته، وكذلك الضغط على المحكمة الدستورية نفسها قبل أن تنظر في مسألة الحجاب والتعديل الدستوري المتعلِّق بها الذي أقرَّه البرلمان، وكذلك تهديد أردوغان بأسلحةٍ قديمةٍ جديدةٍ من أجل عدم الخوض في المسألة الكردية التي يسعى إلى حلها خلال السنة الجارية.
كما أن هذه هي الفرصة الأخيرة للعلمانيين للضغط على حزبِ العدالة والتنمية قبل إحالة عددٍ من قضاة المحكمة الدستورية العليا الذين عيَّنهم الرئيس السابق العلماني المتشدِّد أحمد نجدت قيصر إلى التقاعد، والمعروفين بمواقفهم العلمانية والسياسية المتشدِّدة؛ ليخلفهم قضاةٌ يعيِّنهم الرئيس جول في نهاية السنة؛ ما يعني أن سلاح المحكمة الدستورية شارف على الخروج من أيدي العلمانيين الذين تتراجع قوتهم مع ارتفاع شعبية حزب العدالة والتنمية.
مغامرة سياسية
أردوغان وجول يواجهان نظامًا متشددًا يتمسك بالعلمانية
بالرغم من توقُّع البعض أن لا يلقيَ حزب العدالة والتنمية بالاً لدعوى بالشين؛ باعتبار ذلك أمرًا عاديًّا ويحصل للعديد من رؤساء الدول والحكومات، بل واعتبار أوساط سياسية كثيرة الدعوى مزحةً أو مغامرةً سياسيةً لا تقوم على أساس، خصوصًا أن التعديلات الدستورية الأخيرة جعلت عملية حظر الأحزاب أمرًا صعبًا للغاية، إلا أنَّ قيادات حزب "العدالة والتنمية" تعاملت مع الموضوع بجدية، معتبرةً أنه يمثل إهانةً للديمقراطية وسمعةِ تركيا.

إذْ وصف أردوغان الدعوى بأنها اعتداء على إرادة الشعب والناخبين الذين صوَّت 47% منهم لحزبه في انتخابات يوليو الماضي، وهي المرة الأولى التي يشعر فيها بضرورة الإشارة إلى أنصاره؛ إذْ حَرَصَ دائمًا على عدم إقحام الشارع في خلافاته مع العلمانيين الذين خرجوا في عشراتِ التظاهرات دفاعًا عن النظام العلماني؛ لمنع بلوغ التوتر للشارع.
ومن جهته انتقد مفوض التوسيع في الاتحاد الأوروبي "أولي رين" محاولات المدعي العام في تركيا حظر حزب العدالة والتنمية الحاكم، وطلب من القضاء عدم التدخل في السياسة.
وقال رين للصحفيين على هامش مؤتمر دولي في بروكسل: "في ديمقراطية أوروبية عادية تُناقَش المشكلات السياسية في البرلمان وتُبَتُّ في صناديق الاقتراع وليس في المحاكم".
وأكَّد أن الفصل بين السلطات "هو مبدأ أوروبي أساسًا، بمعنى آخر أن السلطة التنفيذية لا تتدخَّل في شئون قضائية، والقضاء لا يتدخَّل في شأنٍ سياسي ديمقراطي".
وفي العموم تُعدُّ هذه فرصةً جديدةً لحزب العدالة والتنمية من أجل قياس شعبيته في أوساط الجماهير التركية، وإثبات قدرته على مواجهة التحديات والوقوف أمام كل مَن يحاول أن يُفشل تجربة الحزب، خاصةً بعد أن نجح في تحقيقِ المعادلة الصعبة الخاصة بالحصول على الرضا الجماهيري من جهة وكسب ثقة العديد من الأطراف الخارجية ممثَّلةً في القوى الكبرى المهيمنة في العالم من جهةٍ ثانية، خاصةً أنه معروف عن تلك القوى الوقوف أمام الأحزاب الإسلامية في العديد من دول العالم؛ خوفًا من تأثير ذلك على مصالحها.. فهل ينجح الحزب في تخطِّي تلك العقبة والحفاظ على بقائه؟ أم ستنجح المحكمة في تكرار السيناريو السابق الخاص بحظر نشاط العديد من الأحزاب الإسلامية؟.
