بعث الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر برسالةٍ بالغة الدلالات إلى المجتمع الدولي، بإصراره على اللقاء مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، في شتى محطات جولته في فلسطين وجوارها العربي، وصولاً إلى دمشق؛ حيث الاجتماع مع رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل.
فقبل أن يحطّ كارتر، الذي يحظى بتقدير واسع في الرأي العام العالمي، رحاله في فلسطين؛ تجاهل كافة التحذيرات ورسائل التنديد والوعيد، التي تم توجيهها له مسبقًا، لثنيه عن خطوة اللقاء مع "حماس".
بدا كارتر أكثر ثقة وتصميمًا في توجّهه هذا، فتحاشى الالتفات إلى الناقدين والمتوعِّدين، واكتفى بإبلاغ الجانب الرسمي الأمريكي بعزمه اللقاء مع قيادات حركة المقاومة الإسلامية، تفويتًا للفرصة على محاولة توظيف قوانين منع اللقاء بالحركات المصنّفة في الولايات المتحدة على أنها "إرهابية"، ومع ذلك؛ كان كارتر يدرك جيدًا أنَّ أحدًا لن يقوى على كيل نعوت من هذا القبيل لرئيس أمريكي أسبق؛ لأنَّ ذلك يحمل في طياته خسارة جسيمة للوبي الصهيوني.
هبط جيمي كارتر إلى المنطقة، وفي الضفة الغربية المحتلة بحث عن قيادات "حماس"، فوجدها موزعة على سجون الاحتلال وربما ملاحقات أجهزة رئيس السلطة المقرّب من إدارة بوش، محمود عباس.
مع ذلك؛ لفت الرئيس الأمريكي الأسبق الانتباه بحرصه على الالتقاء بنائب رئيس الوزراء في الحكومة الفلسطينية الأولى التي شكلتها حركة "حماس"، الدكتور ناصر الدين الشاعر.
وأعلن كارتر من الضفة أنه كان ينوي الذهاب إلى قطاع غزة، وأنه حيل بينه والوصول إلى هناك، فالعراقيل الصهيونية منعته من إدراج القطاع المحاصر في تلك الجولة؛ حيث كان ذلك يعني ربما كسرًا عمليًّا للحصار، وجذبًا لأنظار العالم بمجتمعه الدولي إلى ما يجري من كارثة مبرمجة بحق المليون ونصف المليون إنسان.
لم تنفد الكلمات في جعبة الرئيس الأمريكي، فطار إلى القاهرة، ليلقي محاضرةً مشهودةً في الجامعة الأمريكية هناك، وضَّح فيها الحصار وسمَّى الأشياء بأسمائها.
![]() |
|
د. الزهار وصيام |
وفي زيارته لمصر، كان في مركز البرنامج اللقاء بقيادات بارزة من حركة المقاومة الإسلامية، هما الدكتور محمود الزهار وسعيد صيام.
إنّ ترتيب اللقاء على هذا النحو، ومجيئهما من غزة، أظهرا إصرار كارتر على تحطيم كل المراهنات على منعه من الالتقاء بالحركة الفلسطينية الأبرز، وقد علَّق بعض المراقبين بالقول: إذا كان قد مُنع من زيارة غزة؛ فإنَّ غزة هي التي زارته؛ أي أنَّ الرئيس الأسبق نجح في الالتفاف على مَن حاولوا الالتفاف عليه.
لقاءات القاهرة بين كارتر وقيادات "حماس" حملت مضامين كثيرة، وبدا فيها حرص الحركة على مخاطبة المجتمع الدولي برسائل محددة، وهو ما يبدو واضحًا في المقال الذي كتبه الدكتور الزهار في "واشنطن بوست"، وصدر بالتزامن تمامًا مع اللقاء.
وفي المحطة الأهم، التي حبست أنفاس المراقبين؛ طار الرئيس الأمريكي الأسبق إلى دمشق، ليلتقي رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، خالد مشعل.. لقاء في حدود منتصف ليل الجمعة/ السبت، يتبعه لقاء ثانٍ في ساعات صباح السبت، بما يبرهن على أنّ الخطوط باتت سالكة تمامًا، وهي الخطوط التي أرادت أطراف كثيرة في إدارة بوش وفريق أولمرت وغيرهما بكل تأكيد قطعها.
قد يرى ملاحظون لما جرى، أنَّ جولة كارتر ولقاءاته، هي خطوة تصحيحية أمريكية، وجهد في الاتجاه الإيجابي نحو الشعب الفلسطيني، وأنها قد ترسم أفقًا لعلاقةٍ صحيةٍ لا تقوم على الانحياز الأعمى للاحتلال الصهيوني، وتبقى الأيام والأسابيع المقبلة، وحتى ربما الساعات القليلة التي يترقب الجميع نتاجها، حافلة بتطوّرات ما في هذا السياق.
