يبدو أن اليمن على موعدٍ مع صيفٍ ساخنٍ بين حزب المؤتمر الحاكم وزعيمه الرئيس علي عبد الله صالح وأحزاب المعارضة، التي تُمثِّل اللقاء المشترك على خلفية تصاعد النفوذ في الجنوب اليمني تحديدًا والصدام حول تعديلات قانون الانتخابات؛ استعدادًا للانتخابات البرلمانية عام 2009م.

 

فمِن مفارقات معارك اليمن السياسية أن خطابات قادة حزب المؤتمر الحاكم الأخيرة سارت جميعها نحو التصعيد من أحزاب اللقاء المشترك المعارضة، وعلى العكس اتَّجهت الأوضاع السياسية والعسكرية نحو التهدئة مع جماعة الحوثيين التي دخلت في قتالٍ مسلحٍ مع الحكومة!.

 

الأسباب التي وقفت وراء مسارعة السلطات وتلهُّفها إلى إغلاق ملف الحوثيين بأي ثمنٍ تبدو كثيرة، ولم تمانع السلطة في أن يقبض الحوثيون ثمن جلوسهم معها ومفاوضاتهم لها أيًّا كانت النتائج، المهم أن يجلسوا ويحصلوا على ما يرضيهم من تعويضاتٍ مغريةٍ وتنازلات أكثر إغراءً!.

 

الأزمات وقود النظام!

يبدو أن ملف الحوثيين لم يكن هو ما يقلق السلطة، ولهذا ظلَّ مفتوحًا طيلة أربعة أعوام، لكنه اليوم يغلق لا بدوافع وطنية ولا لأن مصالح الوطن العليا اقتضت ذلك، ولكن لأن مصلحة الحزب الحاكم تقتضي اليوم، وفي هذه المرحلة تحديدًا، التفرُّغ للعدو الأكثر خطورة من الحوثيين ومن دعاة الانفصال، وهو تحالف الأحزاب المشترك.

 الصورة غير متاحة

 عناصر من جماعة الحوثيين

 

وبكل تأكيد ستعود السلطة إلى فتح ملف الحوثيين من جديد عندما تستدعي مصلحة النظام ذلك؛ فالأزمات والمشكلات على ما يبدو هي الوقود الذي يحتاجه النظام للاستمرار في إدارة حكمه بالصراعات.

 

فحزب المؤتمر الحاكم أغلق الأبواب أمام أحزاب المشترك، وسدَّ كل منافذ الحوار معه فيما يخص الخلافات حول قوانين الانتخابات الجديدة، بل إن الأمين العام للمؤتمر اتهم أحزاب اللقاء المشترك بأنها ليست جادةً في الحوار، وتبحث عن العراقيل وليس عن الحلول، وهدَّد بأن المؤتمر لن يظل مكتوفَ الأيدي، وسيمضي في طرح التعديلات الانتخابية على مجلس النواب، أي أنه سيمرِّر في نهاية المطاف ما يشاء بشأن تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ومبادرة الرئيس.

 

واللجنة العامة للمؤتمر ناقشت هي الأخرى خطة التحرك السياسية والتنظيمية للحزب خلال المرحلة القادمة، ووضعت الخطة العملية لمواجهة أحزاب اللقاء المشترك، خصوصًا في المحافظات الجنوبية، ثم جاء خطاب الرئيس صالح في الحسينية بمحافظة الحديدة يوم 8 مارس الماضي ليضع النقاط على الحروف وليرسم مسار العلاقة الجديدة بين السلطة وأحزاب المشترك؛ فخطاب الرئيس الذي هاجم فيه، وبقسوة، أحزاب اللقاء المشترك أعاد إلى الأذهان خطاباته النارية ضد المشترك أثناء حملته الانتخابية عام 2006م، واستدعى أجواء المنافسة الانتخابية المتوترة آنذاك.

 

معركة انتخابية مبكرة

هو بذلك يدشِّن حملةً جديدةً ومعركةً انتخابيةً مبكِّرة في مواجهة أحزاب اللقاء المشترك وفقًا لخطة اللجنة العامة المقرَّرة مؤخرًا، بل إن خطابَ الرئيس الثاني في محافظة حجة يوم 12 مارس يعدُّ دليلاً آخر على أنه بدأ بالفعل يقود حملةً انتخابيةً مبكِّرة؛ إذ تحدَّث فيه عن توجيه الحكومة باعتماد أربعين مليار ريال لربط مديريات المحافظة بشبكة الطرق، كما تحدَّث عن البدء في إنشاء جامعة حجة بحسب وعوده الانتخابية السابقة، ولم ينسَ في آخر حديثه أن يذكِّر أبناء حجة بأنه دائمًا ما يقابل الوفاء بالوفاء، في إشارةٍ منه إلى نتائج الانتخابات المحلية الماضية التي اكتسحها حزب المؤتمر الحاكم!.

 

وبالطبع لن يكتفيَ الرئيس بما قاله في محافظتَي الحديدة وحجة، بل سيواصل حملته الانتخابية في عددٍ من المحافظات الأخرى؛ الشمالية منها والجنوبية، في محاولةٍ منه لإعادة الثقة لدى الشارع اليمني بوعوده الانتخابية التي أطلقها بغزارة في انتخابات 2006م ولم تُنفَّذ؛ إذْ يبدو أن ما يقوم به الرئيس حاليًّا يمكن تصنيفه في سياق العمل الاستباقي الذي يحاول قطع الطريق على أحزاب اللقاء المشترك في المحافظات الشمالية تحديدًا، بعدما صار المشترك أشد تجذُّرًا في المحافظات الجنوبية بفعل عشرات المهرجانات الجماهيرية التي أقامها هناك، حتى لقد صار حامل لواء القضية الجنوبية.

 

وخطاب الرئيس صالح في محافظة الحديدة يمكن النظر إليه أيضًا من زاوية أخرى؛ فالرئيس تعهَّد بأن يُرسل عبر ذلك الخطاب المتشنِّج رسالةً واضحةً لأحزاب المشترك بأن قرارًا قد اتُّخذ بإغلاق باب الحوار معها، فلم يعد الرئيس ولا المؤتمر يحرصان أو يهتمان بعودة الحوار مع المشترك، وعلى هذا الأخير ألا يُفكِّر أو يحاول طرق باب الرئيس لأي سببٍ كان؛ فالرئيس والمؤتمر شيء واحد، هذا ما كان يريد قوله، وبالتالي: ما دمتم فشلتم في حواراتكم مع الحزب الحاكم ووصلتم إلى طريقٍ مسدود، بل وإلى أزمةٍ سياسيةٍ في البلاد، فلا داعيَ لأن تحاولوا معي، فلن تجدوا عندي شيئًا مختلفًا عما وجدتموه لدى المؤتمر!.

 

قميص عثمان

ومن الواضح أن الحزب الحاكم حسم أمره وقرَّر مواجهة المشترك على الأصعدة كافةً، السياسية منها والإعلامية، بل والميدانية؛ فهناك قناعات متأصَّلة لديه بأن المشترك عدو ومنافس أكثر منه شريك، وعلى ضوء ذلك وجد أنه لا مناصَ من مواجهته عاجلاً أم آجلاً، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في أبريل 2009م.

 

فقد كان عام 2007 هو عام المتقاعدين الجنوبيين بامتياز، بعد أن لحق المشترك بهم، وتقاسم الساحة الجنوبية معهم، وهو ما أربكَ حسابات السلطة وخلط الأوراق عليها، وقد عبَّرت قيادات جنوبية من حزب المؤتمر عن قلقها وخوفها من استمرار وقوع الساحة الجنوبية بأيدي المشترك في ظل غيابٍ تامٍّ للحزب الحاكم، وخشيت من أن يؤديَ ذلك إلى نجاح المشترك في مَلء الفراغ الذي يتركه المؤتمر في المحافظات الجنوبية، خاصةً بعد أن صارت القضية الجنوبية هي شعار المرحلة بالنسبة للمشترك باعتبارها المدخلَ والبوابة للإصلاح الوطني الشامل في البلاد.

 

وعلى هذا الأساس طالبت تلك القيادات المحلية قيادات حزبها بسرعة التدخل قبل أن يفقد الحزب الحاكم وجوده وتأثيره وينفردَ المشترك بالساحة الجنوبية.

 

وقد تدخَّل الحزب الحاكم فعلاً، وقرَّر عدم السماح للمشترك بالاستمرار في إقامة مهرجاناته الحاشدة في المحافظات الجنوبية، واستطاع أن يُفشل مهرجانَه في محافظة الضالع في أغرب صورةٍ وأعجبِ مشهد اعتبره معارضون أسوأ حالاتِ السقوط المُريع لنظامٍ قيل: إنه يتحالف مع دعاة الانفصال ورافضي الوحدة وأصحاب الشعارات ليواجه أحزابًا رفعت شعار الاعتراف بالقضية الجنوبية ومحاربة الفساد طريقًا لحماية الوحدة اليمنية.

 

الوحدة أو الموت

فالوحدة التي يزايد عليها الحزب الحاكم- كما يقول معارضوه- ويرفعها كقميص عثمان في وجه خصومه ويتشدَّق بحمايتها (الوحدة أو الموت) يسمح هو، بل ويتواطأ على أن تداسَ بأقدام أولئك الغوغاء الذين جلبهم لإفساد مهرجان المشترك، فداسوا علم البلاد بأقدامهم وقاموا بإحراقها، وأطلقوا شعاراتٍ انفصالية ترفض الوحدة وتُميِّز بين أبناء الوطن الواحد.

 

والأغرب أن الإعلام الرسمي (إعلام الحزب الحكام) احتفى بذلك العمل الشائن الذي عطَّل فعالية المشترك وروَّج له، ولم يلتفت أحدٌ إلى الإساءاتِ التي تعرَّضت لها الوحدة وعلم البلاد، أو إلى الشرخ الوطني الذي حدث بين اليمنيين، أو لسمعة البلاد إقليميًّا ودوليًّا، ولا لتقل الناس في الساحات وإسالة الدماء.. فالمهم أن يفشل المشترك في إقامةِ مهرجانه، ويحدث الافتراق بينه وبين جماهير المتقاعدين، ويتحوَّل التحالف بين الجانبين إلى عداءٍ مستحكمٍ وصراعٍ على مَن يكسب الساحة الجنوبية!.

 

ورقة (سلاح) الوحدة

 

د. ياسين سعيد نعمان

ويرى د. ياسين سعيد نعمان الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني أنه بصرف النظر عمَّا إذا كان هدف السلطة من وراء ذلك هو تخريب النضال السلمي الديمقراطي وضربه في العمق، وتهيئة الظروف لقوى السلطة للسير في هذا الطريق من خلال أدواتٍ من ذوي السلوك المتطرِّف ممن يؤهلون لهذا الغرض، أو ممن لا رصيدَ لهم سوى التحريض وتخريب نضال الجماهير.. فإن أحد أهم أهداف السلطة من كل ذلك هو اللعب بورقة الوحدة ذاتها.

 

ويضيف قائلاً: السلطة أفلست وخسرت كل أوراقها، وفشلت في الوفاء بكل وعودها الانتخابية، ولم تعد قادرةً على مخاطبة المواطن إلا من خلال ورقةٍ واحدةٍ هي ورقة الوحدة؛ لذا فهي تسعى بكل جهدها لتصوير ما يحدث في الجنوب على أنه مؤامرةٌ تستهدف إجهاضَ الوحدة اليمنية، وأن المشترك ساهم بطريقته في تغذية تلك النزعات الانفصالية من خلال تبنِّي القضية الجنوبية.

 

وبمعنًى آخر، فإن الهدف النهائي من كل ما يجري أو ما يُراد له أن يجريَ هو وضع المشترك وحركة المتقاعدين والقضية الجنوبية برمتها في سلة الانفصال، حينها يهب الحزب الحاكم معلنًا صرخته المدوية: الوحدة أو الموت!.

 

فالحزب الحاكم والرئيس على وجه التحديد يريد أن يلعب دور البطل في حماية الوحدة الوطنية في المرحلة المقبلة التي هي مرحلة إعداد وتهيئة للانتخابات النيابية القادمة، ولن يتأتَّى ذلك إلا من خلال صناعة أعداءٍ للوحدة، واستثمار الموجودين في ذلك الجناح المتطرِّف في قيادة المتقاعدين وتوظيفه لخدمة هذا الغرض.

 

تأجيل الانتخابات هدف

وإذا وجد الحزب الحاكم الظروفَ غير ملائمة أو غير مشجِّعة له ليكسب الانتخابات القادمة، وخصوصًا في ظل تزايد السخط الشعبي في الشارع الجنوبي وتزايد احتمالات مقاطعته للانتخابات، فمن المتوقَّع أن يعملَ على تأجيل الانتخابات، وهذا سوف يؤدي إلى زيادة غليانِ المحافظات الجنوبية وافتعال مشكلات، وربما مصادمات ومواجهات بين أحزاب المشترك وتيار المتقاعدين، وخلق أجواء غير آمنة وغير مستقرة، وكالعادة أيضًا سيُستعان بتنظيم القاعدة لتنفيذ بعض العمليات هنا أو هناك، كما حدث قُبيل انتخابات سبتمبر 2006م (حدثت تفجيرات صافر والضبة في 15/9 وجرت الانتخابات في 20/9)!.

 

ولعله ليس من المصادفة أن يتم الإعلان عن هروب أو ظهور عناصر من القاعدة كلما حلَّ موعد انتخابات جديدة!!؛ فانتخابات سبتمبر 2006م سبقتها هروب مجموعة الـ23 من عناصر القاعدة من سجن الأمن السياسي بالعاصمة صنعاء في مطلع فبراير من العام نفسه، أما الانتخابات القادمة في أبريل 2009م فها نحن نرى الآن ظهور بعض قادة القاعدة ممن هربوا من سجن الأمن السياسي، وعلى رأسهم جمال أبدوي، وجبر البناء، وأخيرًا قاسم الريمي، ولا ندري مَن سيظهر مستقبلاً، ومَن سيحتفظ بهذا الأوراق ويحاولُ اللعب بها مع الآخرين، ويقوم بإخراجها عند الحاجة؟!

-----------

* ينشر بالاتفاق مع مجلة المجتمع الكويتية