في الوقت الذي اقترب فيه موعد إجراء انتخابات الرئاسة الأمريكية وقربت ساعة رحيل الرئيس جورج بوش، بدأت الإدارة الأمريكية في البحث عن صيغة قانونية قبل انتهاء عهد بوش تضمن بقاء القوات الأمريكية بشكل شرعي في العراق وإقامة قواعد عسكرية دائمة في الأراضي العراقية.
وبدا ذلك جليًّا من خلال سعي الإدارة الأمريكية إلى توقيع ما يعرف بالاتفاقية طويلة الأمد مع الحكومة العراقية، والتي تلقى رفضًا شعبيًّا كبيرًا.
وتهدف الإدارة الأمريكية الحالية من إبرام هذا الاتفاق إلى إظهار إدارة بوش على أنها خرجت منتصرةً من الحرب، وبما يسمح بسحب جزء من القوات لتخفيف ضغط الديمقراطيين وغالبية الشعب الأمريكي المعارضين لاستمرار الاحتلال الأمريكي بسبب حجم الخسائر البشرية التي تكبدتها هذه القوات.
أهداف أمريكية
وبذلك بدأت تتضح معالم النتائج لأكبر عملية عسكرية قامت بها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، كلَّفتها مقتل أكثر من 4000 جندي، وجرح أكثر من ثلاثين ألفًا آخرين، وعدة تريليونات من الدولارات، وزخم عسكري لأكثر من نصف المليون جندي أمريكي بمعداتهم وتجهيزاتهم وأسلحتهم الأكثر فتكًا ودمارًا في العالم، فضلاً عن تحديات داخلية وخارجية أفرزتها الأخطاء والتجاوزات والفضائح التي صاحبت قيامَها بغزو العراق منذ العام 2003 وحتى الوقت الحاضر، وتدهور سمعتها وهيبتها إلى الحضيض.
واتضح أن واشنطن تُعدُّ الخطط للتعامل مع الوضع في العراق على حسب ما تمليه مصالحها الإستراتيجية واحتمالات المستقبل وتطوراته، ومنها إمكانية خروج العراق من البند السابع الذي أخضعت الأمم المتحدة هذا البلد بموجبه للوصاية الدولية تحت الإدارة الأمريكية كقوة احتلال.
من جانبٍ آخر فإن هذه الاتفاقية تحقق أهدافًا داخلية أمريكية؛ حيث إن الرئيس الأمريكي جورج بوش وجد ضالَّته في الاتفاقية الأمنية التي ستحقق له أهدافًا عدة يبدو أنه في أمسّ الحاجة إليها" وتمكِّنه من قطع الطريق على مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما الذي يقول إنه سيسحب القوات الأمريكية من العراق في حال فوزه".
وفي حال إبرام هذه الاتفاقية الشهر القادم في واشنطن كما هو مقرَّر فإن أوباما سيجد نفسه مقيدًا باتفاق ملزمٍ مع دولة أجنبية لن يسهل عليه الفكاك منه"، فضلاً عن أن بوش سيرفع من أسهم مرشح حزبه الجمهوري جون ماكين ويعزِّز فرصه في الوصول إلى البيت الأبيض".
وبموجب هذه الخطط ستقوم الولايات المتحدة بوضع إطار لعلاقةٍ طويلة الأمد مع العراق من خلال اتفاقية تعاون إستراتيجية مختلفة الجوانب، وبالرغم من التطمينات الأمريكية من أن الاتفاقية ستكون شفافةً وليست فيها أية بنود سرية.
ويسعى المهتمون بمستقبل العراق واستقلاله وخروج القوات الأجنبية منه إلى الوقوف على بنود هذه الاتفاقية لما لها من أهمية بالغة في تقرير مصير العراق ومنطقة الشرق الأوسط والتي ما زالت تفاصيلها يلفها الغموض.
فلم يصدر عن المسئولين العراقيين سوى كلمات الحرص على مستقبل العراق واستقلاله والثناء على الوفد المفاوض لمواقفه من هذه القضية، وهو الأمر الذي يثير التساؤل عن مغزى التعتيم المستمر على ما يجري بين الوفد العراقي المفاوض والجانب الأمريكي، ولماذا لا يصرح الجانب العراقي بشيءٍ عما يدور في كواليس المباحثات، وما هي نقاط الخلاف والاتفاق بين الجانبين الأمريكي والعراقي.
تخوف وضغوط
وبالرغم من التطمينات الأمريكية من أن الاتفاقية ستكون شفافة وليست فيها أي بنود سرية، إلا أن الكثيرين من أبناء الشعب العراقي متخوفون من أن يفرض الإطار الحالي لأمريكا كقوة احتلال أساسًا تستغله الإدارة الأمريكية لتحقيق أهداف إستراتيجية تضرُّ بأمن وسيادة وثروات العراق على المدى البعيد.
وتشير كل الدلائل التي تسربت عن بنود هذه الوثيقة إلى أنها- أي هذه الوثيقة- تمثل صيغةً لتبرير الوجود العسكري الأمريكي لأجَلٍ غير محدد، وهي تبيح للقوات الأمريكية القيام بعمليات عسكرية غير محدودة في العراق واستباحة أرضه وسمائه ومياهه ولو ضد دول الجوار، وهو البند الذي مثَّل مصدر قلق للجانب الإيراني وحث العراق على رفض هذه الاتفاقية.
وإزاء الضغوط الإيرانية على الجانب العراقي لرفض الاتفاقية بالإضافة إلى الرفض الشعبي لها، اضطرت الإدارة الأمريكية إلى تقديم مسودة جديدة خفَّضوا خلالها سقف مطالبهم، مع ما يتجاوب مع المطالب العراقية.
وعزا النائب البارز عن التحالف الكردستاني محمود عثمان ذلك إلى "رفض الجانب العراقي السقف المرتفع للاتفاقية الأمنية، وكون المسودة (الأولى) تمس بالسيادة العراقية"، مؤكدًا أن "المسودة الأمريكية تتضمن تسليم أي عراقي تعتقله القوات الأمريكية إلى القضاء العراقي، وعدم توفير أية حصانة للشركات الأمنية والحمايات، على أن يتم الاتفاق لاحقًا بخصوص الحصانة الخاصة بالقوات الأمريكية".
وتتضمن المسودة أيضًا "عدم تحريك أية وحدات عسكرية أمريكية إلا بعد موافقة الجانب العراقي، وكذلك عدم استخدام أي موقع بحري أو جوي أو أرضي في مهاجمة دول الجوار".
موقف المالكي
نوري المالكي

والحقيقة أن الناظر إلى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يجد أنه أمام استحقاقات ربما تكون الأصعب منذ توليه السلطة؛ تتمثَّل في محاولته اليائسة إرضاءَ إيران دون أن يخسر الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت نفسه.
فالخناق بدأ يضيَّق عليه وحلفائه مع تزايد الضغوط الأمريكية لاعتماد الاتفاقية الأمنية التي تعارضها إيران، ومعظم الفصائل والأحزاب الشيعية البارزة في العراق؛ لأنها تضع البلاد تحت انتداب أمريكي يمتد لعقود إن لم يكن لقرون قادمة.
وبات عليه أن يختار بين إيران حليفه القديم وداعمه الأساسي أو الولايات المتحدة الحليف الجديد الذي سهَّل وصوله إلى سدة الحكم؛ حيث إن إرضاء واشنطن يعني القبول بقواعد أمريكية عسكرية دائمة وتسليم ثروات البلاد النفطية بالكامل للشركات الأمريكية العملاقة، وتمتع حوالي 150 ألف جندي أمريكي ومعهم نصف هذا الرقم من موظفي الشركات الأمنية بالحصانة الكاملة تجاه أية ملاحقات قضائية عراقية، وسيطرة سلطة الانتداب الأمريكي الجديد على أجواء العراق ومياهه الإقليمية بالكامل.
وبالرغم من الرفض المعلن من جانب الساسة العراقيين للاتفاقية، إلا أن جريدة الـ(إندبندنت) البريطانية نقلت على لسان سياسي عراقي لم تحدد هويته قوله إن الصفقة تمثل "انتهاكًا صارخًا لسيادتنا، وإذا ما أبرمت فإنها ستنزع الشرعية عن الحكومة في بغداد, والتي سوف يُنظَر إليها ساعتئذٍ على أنها دمية أمريكية".
وقد ظلت الولايات المتحدة تنفي مرارًا رغبتها في إقامة قواعد دائمة لها في العراق, لكنَّ مصدرًا عراقيًّا لم تذكر الجريدة اسمه قال إن تلك "مجرد حيلة تكتيكية".
وترى (إندبندنت) أن الصفقة من شأنها أن تفاقم الحرب بالوكالة التي تدور بين إيران والولايات المتحدة حول من يكون صاحب النفوذ الأكبر في العراق.
وتضيف أنه على الرغم من أن وزراء عراقيين صرحوا بأنهم سيرفضون أية اتفاقية تقيد السيادة العراقية, فإن مراقبين سياسيين في بغداد يخامرهم شعور بأنهم سيوقِّعون عليها في النهاية، لكنهم يرمون إلى إثبات مصداقيتهم كمدافعين عن استقلال العراق؛ وذلك بإظهار تحديهم الآن.
غير أن الصحيفة ترى في الزعيم الروحي لدى الشيعة آية الله العظمى على السيستاني العراقيَّ الوحيدَ الذي يملك سلطة وقف الاتفاق, ومع ذلك فهو يعتقد أن خسارة الشيعة العراقيين الدعمَ الأمريكي سيضعف موقفهم بشكل كبير.
تكريس الاحتلال
وفي النهاية يتبين أن المعاهدة التي تسعى الولايات المتحدة إلى إبرامها ما هي إلا تكريس للاحتلال الأمريكي، فضلاً عن أن ظاهرة التعتيم على ما يدور لا تمتُّ بصلة للشفافية مع مستقبل العراق وربطه بأخطر معاهدة مع دولة عظمى لها مصالح في المنطقة ولها من الأعداء بعدد الأصدقاء، وهو منحى قد يرهن مصير الشعب العراقي واستمرار التدخل الخارجي في شئونه الداخلية بفترة ليست بالقصيرة لتستمر دوامة العنف ومعاناة الشعب العراقي رغم غناه وامتلاكه من الثروة ما تحلم به دول كثيرة.
كما أن هذه الاتفاقية تتمثل في انصراف نية الولايات المتحدة إلى احتلال العراق إلى الأبد وعدم الانسحاب منه على وجه الإطلاق؛ وذلك "بالتستر وراء اتفاقية أمنية تهدف إلى احتلال العراق إلى الأبد".