- الجيش يلتقي سرًّا وكيل المحكمة الدستورية التي تنظر قضية إغلاق الحزب

- جول يُحذِّر من خطورة عدم الاستقرار على الاقتصاد التركي و"العدالة" أعدَّ البديل

 

إستانبول- سعد عبد المجيد

وسط أجواءٍ من عدم الاستقرار والغموض تقدَّم حزب العدالة والتنمية أمس بدفاعه الأساسي المكتوب أمام المحكمة الدستورية التركية بالعاصمة أنقرة في دعوى النائب العام يالجين قايا المرفوعة ضد الحزب بهدف غلقه ومصادرة ممتلكاته وعزل قادته سياسيًّا بحجةِ معاداته العلمانية بإجراء تعديلٍ بالدستور يسمح بحرية الملابس بالجامعات، ومنها ضمنًا حجاب المرأة، وكذا تهمة سعي الحزب نحو بناء دولة الشريعة الإسلامية وهدم الجمهورية العلمانية بتركيا.

 

كانت وسائل الإعلام التركية تشير إلى عدم تقديم حزب العدالة والتنمية أي دفاعاتٍ قانونية تتعلق بالحجاب الذي استند إليه النائب العام أساسيًّا.

 

ويعزو المحللون السياسيون بتركيا سبب تعجُّل حزب العدالة والتنمية في تقديم دفاعاته أمام الدستورية والامتناع عن طلبِ مُددٍ زمنية إضافية مسموح بها قانونًا في نظر دعاوى غلق الأحزاب السياسية.. إلى محاولة حكومية للحفاظ على مسيرة وتوازن الإصلاحات الاقتصادية التي أنجزها الحزب خلال السنوات الست الماضية، وتخليص الاقتصاد التركي من حالة الشلل المؤقت نتيجة غموض الأوضاع السياسية؛ حيث قال تقريرٌ ورد بيومية (زمان) التركية يوم 13/6/2008م: إن الأتراك توقفوا عن الاستثمار، وتحفظوا على إنفاق الأموال تجاريًّا واقتصاديًّا نتيجة الغموض المحيط بدعوى طلب غلق الحزب الحاكم وعزل رئيس الجمهورية.

 

يأتي هذا في وقتٍ نقلت فيه (زمان) يوم 12/6/2008م عن كمال أوناقيطان وزير المالية أن تركيا بسبب عدم الاستقرار لم تعد قادرةً على تحقيق نسبة 7- 8% نموًّا اقتصاديًّا سنويًّا "ولو تمكَّنا من تحقيق الاستقرار السياسي لن يقف أمامنا أحد".

 

طيب أردوغان رئيس الحكومة ورئيس حزب العدالة والتنمية الذي سبق وطلب تفسيرًا وإيضاحًا من المحكمة الدستورية حول قرارها بإلغاء التعديلات الدستورية، وعلى أي أساسٍ قانوني استندت فيه، قال في مظاهرة من مؤيدي الحزب بمحافظة سينوب يوم 13/6/2008م: "إن القرارَ والسيادة للإرادة الشعبية وحدها، في إشارةٍ واضحةٍ إلى الثقة المفقودة في الجهاز القضائي، كما قرر استمرار عمل الحزب ومجموعته البرلمانية حتى صدور قرار الدستورية المنتظر في سبتمبر القادم 2008م.

 

سيناريوهات

 الصورة غير متاحة

رجب طيب أردوغان

وتتحدث وسائل الإعلام التركية عن سيناريوهات ما بعد قرار المحكمة الدستورية في حالة غلق الحزب أو عدمه بين عرض أفكار مثل انتخابات فرعية- إذا كان القرار بحظرٍ سياسي على مجموعة من أعضاء الحزب البرلمانيين- يجوز فيها لأردوغان أن يرشح نفسه بصفته مستقلاً، أو انتخابات عامة مبكرة يرفضها الحزب الجمهوري، أو إنشاء حزب سياسي جديد قبل قرار الدستورية وضم المجموعة البرلمانية الحالية للعدالة إلى الحزب الجديد، ثم تشكيل حكومة أخرى جديدة، وهو مقترح قدَّمه حزب الحركة الوطنية المعارض للخروج من الأزمة السياسية القائمة، والتي أكدها حسن بولنت كهرمان (سفير سابق) بقوله: "إن تركيا تعيش فعلاً أزمة سياسية كبيرة، ومأزقًا لا يمكن إنكار وجوده، خاصةً بعد إلغاء الدستورية للتعديلات القانونية البرلمانية"، ويضيف: "إن أصعبَ ما يواجه المجتمع التركي حاليًّا هو كيفية حدوث تضامن سياسي واجتماعي بعيدًا عن مؤسسات الدولة".

 

ويرى محسن يازجي أوغلو (رئيس حزب الاتحاد الكبير BBP) أن الأزمة الحالية فرصة للتخلص من دستور الانقلابات القائم بتركيا منذ عام 1982، ويتسبب في مشاكل متكررة لتركيا، وهو نفس الموقف الذي تتبناه أمينة عاينة رئيسة حزب المجتمع الديمقراطي المعارض بالمجلس والمهدد بالغلق أمام الدستورية.

 

ويلتزم حزب العدالة والتنمية الحاكم الحذر والحيطة الشديدين بشأن خطواته قبل أو بعد قرار الدستورية الخاص بدعوى طلب إغلاقه، لكن الرئيس عبد الله جول الذي يُمثل ركنًا أساسيًّا في الأزمة الحالية لوجوده بين دعوى النائب العام قال يوم 13/6/2008م وفقًا لما أوردته إذاعة (مُورال إف إم): إن كل شخصٍ يجب عليه أن يُفكِّر جيدًا في حجم الأموال والأضرار التي تتأثر بها البلاد من أية أزمةٍ سياسية، ومن ثَمَّ يجب على الجميع التعامل بحكمةٍ ومنطقيةٍ للحفاظ على الوطن؛ لأنه إذا ضاع الاستقرار فقد ضاعت تركيا".

 

حرية الملابس مكفولة دستورًا

 الصورة غير متاحة

 تركيات ينددن بقرار المحكمة الدستورية بحظر الحجاب

الجدير بالذكر أن المذكرةَ الاتهامية الثانية التي تقدَّم بها النائب العام إلى المحكمة يوم 30 مايو الماضي لم تشرح ما هو المقصود بالعلمانية التي تعرَّضت للمخالفة من طرفِ الحزب الحاكم، وفي الوقت الذي استخدم النائب العام التعديلات التي أُجريت على المادتين 10 و42/ دستور كأدلة عملية على ادعاء مخالفة العلمانية، يعتبر فريق الدفاع القانوني عن حزب العدالة والتنمية أن التعديلات لم تتعلق بالحجاب مطلقًا؛ لأن البرلمان كان واعيًا بوجود قرارٍ من الدستورية سابق ومن المحكمة الإدارية العليا في هذا الخصوص، وإنما التعديل تعلَّق بحرية الملابس بالجامعات، وهذا من بين ما تؤكده العلمانية نفسها؛ لكونها- أي حرية الملابس- من الحقوق والحريات الأساسية للمواطن المنصوص عليها دستورًا، ويعتبر فريق الدفاع عن حزب العدالة والتنمية أن استخدام النائب العام تقريرًا خبريًّا ورد بجريدة إيرانية تحت عنوان "تركيا تستعد لثورة إسلامية" دليلاً على ادعائه؛ لا سندَ قانونيًّا له.

 

لقاءات وشبهات

من جهتها قالت يومية (يني شفق) التركية 14/6/2008م: إن عثمان باكسوت وكيل رئيس المحكمة الدستورية، الذي نفى اللقاء مع الفريق إلكر باش بوغ نائب رئيس أركان الجيش، عاد واعترف باللقاء الذي جرى يوم 4 مارس 2008 في مركز قيادة القوات بأنقرة، وفقًا لجريدة (يني شفق)، قبل تقدُّم النائب العام بدعواه ضد العدالة، والذي أثار جدلاً بتركيا حول علاقة الجيش بالسياسة وتدخله في القضايا المعروضة أمام المحكمة الدستورية، ويأتي هذا في وقتٍ أصدرت فيه رئاسة الأركان بيانًا يوم 14 يونيو أشار إلى وقوع لقاءات بالفعل بين نائب رئيس الأركان ووكيل المحكمة الدستورية، وأن اللقاءات جاءت بعد انسحاب القوات التركية من شمال العراق ولم تكن لها علاقة بقضية التعديلات الدستورية التي كانت منظورةً أمام المحكمة، كما أشار البيان العسكري إلى أن الجيش سيتخذ الإجراءات القانونية على ما أسماه بوجود حملة إعلامية سلبية ضده.

 

على صعيدٍ متصلٍ بتحركات ذات طابعٍ سياسي يقوم بها التيار العلماني في مواجهة حكومة حزب العدالة ذكرت يومية (يني شفق) أيضًا أن فاروق لوغلو السفير التركي السابق بأمريكا، والذي أقام مأدبة طعام مؤخرًا بأنقرة شارك فيها الرئيس السابق نجدت قيصر وزوجته، وحكمت شتين رئيس الحزب الجمهوري السابق، والنائب العام الأسبق صبيح قاناد أوغلو، ونصرت أراص رئيس جامعة أنقرة، وطونجا ألب أوزجن الرئيس السابق لجامعة حاجي تبه بأنقرة.. قال في تعليقه على التساؤلات العامة الكثيرة التي طرحت حول تجميعه الشخصيات المذكورة في مكانٍ واحدٍ بعد قرار الدستورية بإلغاء التعديلات البرلمانية الدستورية.. قال: إن التجمع المذكور في مأدبته تحدَّث عن مباريات كرة القدم!، وأن الأمر لم يكن أكثر من مأدبة طعام".

 

يُشار بالذكر إلى أن المحكمة الدستورية طلبت في بيانٍ معلَنٍ للرأي العام يوم 13/6/2008م من النائب العام القيامَ بمهامه القانونية أمام التعليقات وردود الأفعال الناتجة عن قرارها بإلغاء تعديل مادتين دستوريتين كانتا ستسمحان بحرية الحجاب ضمنًا بالجامعات، خصوصًا أن أعضاء هيئة المحكمة الدستورية أصبحوا هدفًا إعلاميًّا.

 

وشجب بيان المحكمة عدم قيام النيابة العامة بدورها أمام الانتقادات، مثلما وصف الانتقادات الشعبية والإعلامية للقرار بأنها غير أخلاقية وغير إنسانية، ولكن بيان الدستورية أشار إلى الحق في انتقاد القرارات القضائية في إطارٍ من الاعتدال والإنصاف والحِفاظ على النظام واستقرار السلام وإبعاد المجتمع عن مشاعر الحقد والكره والنفور.

 

قرار الحزب الكردي أولاً

وتشير آراء المحللين القانونيين بتركيا إلى أن المحكمةَ الدستوريةَ ستستمع الدفاعات الشفوية من الطرفين بعد الانتهاء من قبول مذكراتِ الدفاع المكتوبة، ثم يقوم خبير قانوني بكتابة تقريرٍ عن الدعوى تنظر فيه المحكمة لاحقًا، وبعد ذلك يحدد رئيس المحكمة جلسةً للنظر في إصدار القرار النهائي للدعوى، وهذه الفترة الزمنية تستغرق أكثر من شهرٍ على أقل التقديرات، غير أن الدستورية التركية يجب عليها أولاً إصدار قرارها في دعوى طلب غلق حزب المجتمع الديمقراطي (كردي) DTP المعارض بالبرلمان، والمنظورة أمامها منذ نوفمبر 2007م.