أجاز برلمان جنوب السودان مؤخرًا تشريعًا خطيرًا يهدد وحدة السودان تهديدًا مباشرًا؛ التشريع المجاز بالإجماع يُجيز للحركة الشعبية إنشاء سلاح جوي لجيشها المسمَّى بالجيش الشعبي، ليكون هذا الجيش قويًّا ومتماسكًا، كما صرح بذلك "دانيال دينق" رئيس لجنة الأمن والدفاع ببرلمان جنوب السودان.. هذا القرار يثير عدة أسئلة؛ أهمها: هل تجيز (اتفاقية نيفاشا) هذا العمل؟
فبنود الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاقية السلام تتحدث عن قوات مشتركة لحكومة الجنوب، ولا تسمح بإنشاء جيش متطور في ظل دولة ما زالت موحدةً تحكمها حكومة مركزية؛ النائب الأول فيها هو رئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية، وسلاح الجو سلاح هجومي أكثر من كونه سلاحًا دفاعيًّا كما يرى الخبراء العسكريون، وهو من أكثر الأسلحة تكلفةً ماليةً من حيث الطائرات والمطارات والطيارين، فهل حكومة الجنوب مؤهلة فنيًّا وتقنيًّا لمقابلة متطلبات إنشاء هذا السلاح أو أن هناك دولةً كبرى تحتضن هذا المشروع استهدافًا لوحدة السودان؟
لا يخطئ المراقب لشئون السودان في أن الولايات المتحدة وراء هذا المشروع؛ إذ إن مستشار حكومة الجنوب هو السيد "روجرونتر" الذي كان مبعوثًا رئاسيًّا أمريكيًّا في السودان، وأحد صقور المحافظين الجدد (اليمين المسيحي المتشدِّد) في الإدارة الأمريكية.
ماذا تريد الولايات المتحدة من هذا التصرف؟ أمريكا التي لا ترتاح لشمال السودان لانتمائه إلى العروبة والإسلام؛ تريد أن تُحدث معادلةً تجعل الجيش الشعبي الذي كان متمردًا قوةً معادلةً للجيش السوداني القومي لإخافة الشمال، لكي يرضخ لابتزازات الجنوب بالقبول بالسودان الجديد؛ أي سودان علماني لا مكان للعروبة والإسلام فيه.
هذا ما تؤكده تصريحات "باقان أموم" وزير رئاسة مجلس الوزراء والأمين العام للحركة الشعبية؛ حيث صرح في معرض رده على الصادق المهدي بقوله: "نحن نسعى لدولة مدنية علمانية ديمقراطية"، محذرًا إياه من مغبة التفكير في تأسيس دولة دينية في السودان؛ حيث قال بالحرف الواحد: "إذا حاول الصادق المهدي ومن معه من الإسلاميين خلق دولة دينية بالسودان فسنهزمه؛ لأن المهمَّشين هم الأغلبية لا مجموعة الجلابة التي كانت تحكم الخرطوم".
كلام "باقان" هو ما كان يردده زعيمه السابق "جون قرنق"، ولا بأس من أن نعيد إلى الأذهان ما قاله "قرنق" في خطابه في مؤتمر الفيدرالية المنعقد في "بروكسل" عاصمة "بلجيكا" في مارس 2005م بعد شهرين من توقيع اتفاقية "نيفاشا" وفي حضور نائب الرئيس السوداني علي عثمان محمد طه يقول قرنق: "إن الحكومة الحالية والحكومات السابقة قدمت صورة زائفة للبلاد وقد أقاموا دولة سودانية على مزيج هزيل يجمع ما بين دولة استعمارية موروثة ومختلة وظيفيًّا وأيديولوجيتي العروبة والإسلام الإقصائيتين، وأصرُّوا على أن الشريعة يجب أن تكون القانون الأعلى للبلاد".
![]() |
|
سلفاكير |
وقبل أن تفيق الحكومة السودانية من تصريحات وزير رئاسة شئون مجلس الوزراء، نشرت الصحف تصريحًا لسلفاكير النائب الأول لرئيس الجمهورية يؤكد فيه أنه وحكومة الجنوب التي يرأسها لا يعترفان بنتائج التعداد السكاني، وعزا ذلك إلى أن الاستمارات لم تكن كافية، وأنها لم تشمل فقرتي العرق والدين.
الحديث غريب لأن "سلفاكير" وحكومته الجنوبية وافقوا على إجراء التعداد وحث هو نفسه السكان في الجنوب للتجاوب مع الحملة وإنجاح التعداد وموافقًا على كافة الإجراءات التي تم اتباعها بما فيها الاستمارات الخالية من بند العرق والدين.
إذن لماذا هذه التصريحات السالبة التي تؤذي حكومة الشريكين التي تسمى حكومة الوحدة الوطنية، وهي بمثل هذه التصرفات المتكررة جديرة بأن تسمى حكومة المشاكسة الوطنية.
الأسباب
1- الحركة الشعبية ومعهم العلمانيون اللا دينيون من الشيوعيين وغيرهم أزعجتهم اتفاقية التراضي بين حزب الأمة القومي والمؤتمر الوطني كأكبر حزبين في البلاد، والسعي الحثيث لضم ثالث الأحزاب الكبيرة الاتحاد الديمقراطي للاتفاقية، وهم يبذلون قصارى جهدهم لإفشال التراضي الوطني لإنقاذ السودان من خطر التمزق، والتفتت خطر السودان الجديد الذي سماه السيد "الصادق المهدي" بأنه السودان البغيض وهو السودان الذي لا عروبة فيه ولا إسلام.
2- "باقان أموم" خلفيته الفكرية شيوعية فوضوية؛ تربَّى في "كوبا" في معسكر للتدريب هناك؛ لذلك فتصريحاته متسقة مع خلفيته الفكرية وهي إثارة القلاقل والفتنة، سواءٌ كان في موقع المسئولية أو خارجه، ولقد ساءه التفاهم الذي حدث في معضلة "أبيي" وتوافق الشريكين لإحالة ملف "أبيي" إلى محكمة التحكيم الدولية الدائمة ب "لاهاي" وكان يتوقع أن يرفض المؤتمر الوطني ذلك ففقد الرجل التوازن.
3- أما تصريح "سلفاكير" برفض نتائج التعداد فله صلة بقانون الانتخابات الذي أمام البرلمان، وقرب إجراء الانتخابات في العام المقبل؛ فالأمر متعلق بخشية الحركة الشعبية من الانتخابات لأسباب عدة؛ أهمها أن قانون الانتخابات الذي سيجاز حتمًا بالأغلبية يشتمل على دوائر التمثيل النسبي، ومعايير توزيع الدوائر الجغرافية المعتمدة على عدد السكان، وقيادة الحركة الشعبية تعلم يقينًا أن نسبة السكان في الجنوب وفق نتائج التعداد السكاني لا تؤهِّلها لاقتسام السلطة والثروة كما هو الحال اليوم.
4- الحركة الشعبية لا تريد الانتخابات في الجنوب ولا الشمال؛ لعلمها بالتركيبة السكانية والاجتماعية في الجنوب وانفضاض الناس من حولها لممارستها السيئة في الحكم.. هذه هي الأسباب، مع أسباب أمريكية معروفة.
--------
* بالاتفاق مع (المجتمع).
