بعد مداولات طويلة استمرت ثلاثة أيام قررت المحكمة الدستورية التركية برئاسة المستشار هاشم قيليطش عصر الأربعاء 30/7/2008م عدم غلق الحزب، وتوقيع عقوبة الحرمان المالي بقيمة النصف فقط مما حصل عليه من مساعدات الدولة للسنة الحالية وإنذاره بمراعاة الدقة.

 

المحكمة الدستورية برئاسة المستشار هاشم قيليطش كانت عقدت جلسة مداولات طويلة يوم الأربعاء هي الثالثة على التوالي، وجاء إعلان قرار بعدم غلق الحزب عصر اليوم من طرف رئيسها؛ بعد أن نوَّه بقرار المحكمة السابق بخصوص وقف تنفيذ التعديلات الدستورية الخاصة بحرية الملابس للمرأة بالجامعات، وإهانات وتحقيرات تعرضت لها المحكمة في الفترة الأخيرة، وأن المحكمة راعت قصر الدعوى لصالح الدولة والوطن والملايين التي تنتظر القرار، والمحكمة لا تنتظر تلقينًا أو تحركًا من خارجها.

 

 الصورة غير متاحة

المستشار هاشم قيليطش

وقال: إن غلق الأحزاب السياسية لا يمكن أن يسعد أي عضو من المحكمة، وكنا نتمنى إحداث حالة من التوافق والتضامن السياسي حول التعديلات الدستورية ولكن هذا لم يحدث للأسف، ودعا إلى التراجع عن القلق والاضطرابات السياسية بالبلاد.

 

وعقدت المحكمة الدستورية جلساتٍ طويلةً من المداولة والمذاكرة القانونية؛ بدءًا من يوم 28/7/2008م لتصدر أول قرار لها في دعوى طلب إغلاق وحظر حزب العدالة والتنمية؛ برفض طلب أحد المواطنين ردّ عدد 4 من قضاة المحكمة الأصليين بتهمة عدم الثقة والشكوك المحيطة بهم، وعلَّلت المحكمة رفض طلب رد القضاة بأن المتقدم بالطلب ليس من حقه؛ لأنه يمثل الشخص الثالث في الدعوى؛ أي لا مصلحة مباشرة له بالدعوى ومن بعد ذلك ناقشت هيئة المحكمة التقرير الفني القانوني الاستشاري الذي قدَّمه الدكتور عثمان جان أحد أعضاء اللجنة الفنية القانونية بالمحكمة، والذي طلب فيه عدم حظر حزب العدالة والتنمية؛ لأنه لم يرتكب مخالفة للدستور أو القوانين، وهو حزب الأغلبية البرلمانية المدعوم شعبيًا، وأن غلق وحظر حزب سياسي يعني نوعًا من الإعدام.

 

وزير الدولة سعيد يازجي أوغلو اعتبر القرار حكيمًا، وقال وزير الدولة للشئون الاجتماعية والعمل فاروق شليك: نحن مستمرون على الطريق ولا توقف.

 

ومن ناحية التيار العلماني اليساري الأتاتوركي المتشدد قال وزير العدل الأسبق حكمت سامي ترك من الحزب اليساري الديمقراطي: إن صدور قرار من الدستورية خلال 3 أيام يسجِّل رقمًا قياسيًّا تاريخيًّا في دعاوى الدستورية، بعدم غلق الحزب أو بحظره؛ لأن قرار الحظر يعني احتياج مزيد من الوقت لإعداد أمور قانونية يتضمنها القرار وحيثياته، لكن ربما يتضمن القرار تحذيرًا للحزب لأنه تحول لمركز عداء للنظام العلماني القائم، وإذا جاء حظرًا على عدد كبير ممن طلب النائب العام حظرهم من البرلمانيين بالعدالة يحتاج الأمر لانتخابات تكميلية على الأقل، ولكن مسألة استقلال نفس الأعضاء وعودتهم للمجلس جائز في رأي، وإن كان هناك رأي مخالف لهذا ويرى أن ينتظروا للمجلس القادم.

 

 الصورة غير متاحة

أعلام تركيا ترفرف في شوارع أنقرة عقب إصدار الحكم

ويرى يكتا جونجور أوزدن رئيس المحكمة الأسبق أن هناك اتهامًا ثقيلاً أمام المحكمة، ومن ثمَّ يحتاج الأمر للمزيد من الوقت للمناقشة، وأيًّا كان القرار يجب احترامه وتقديره.

 

ووجَّه انتقادات شديدة لتعديل قانون المحكمة وفرض موافقة عدد 7 من 11 عضوًا على قرار غلق الأحزاب السياسية، معتبرًا إياه انقلابًا ضد القانون وتقييدًا لعمل المحكمة، ولا أنتظر قرارًا بحظر سياسي على الأعضاء مع قصر مدة المداولة؛ لأن الحظر على عدد 71 سياسيًّا يتطلب النظر في كل حالة بمفردها.

 

فرحات كنتل المحلل السياسي التركي قال: كنت أفكر في قرار بعدم الغلق؛ لأن العكس كان يعني المزيد من الاستقطاب الداخلي والاضطرابات.

 

ويقول يلماظ أسمر الأستاذ بجامعة باغجه شهر إنه كان ينتظر قرارًا بعدم غلق حزب العدالة والتنمية، وأن يكون الأمر عقوبةً ماليةً فقط، ولكني أعتقد أن الأهم ماذا سيفعل الحزب الحاكم وطيب أردوغان في مواجهة التوترات الموجودة، وأن يتوجه الحزب ناحية التصالح مع النظام.

 

ويرى الدكتور محمد بكار أوغلو النائب السابق لرئيس حزب السعادة المعارض من خارج المجلس أن الإسراع بالقرار شيء إيجابي؛ لأن تركيا بحاجة للاستقرار من عدة نواحٍ ولمصلحتها وخاصةً بعد تفجر دعوى تنظيم أرجاناكون الانقلابي المسلح وتفجيرات حي جونجوران بإستانبول مؤخرًا التي قتلت 17 مواطنًا وجرحت العشرات.

 

 الصورة غير متاحة

أردوغان محاطًا بالمهنئين أمام مقر حزب العدالة عقب الحكم

سراب يازجي الأستاذة بجامعة بيلجي الخاصة بإستانبول قالت: أنا منذ البداية لم أكن قادرة على فهم الأسباب التي أوردها النائب العام في عريضة اتهامه للحزب الحاكم صاحب الأغلبية البرلمانية، وأرى أن صدور القرار بعد 3 أيام فقط من المداولة صحيحٌ، وأن يكون القرار المفترض هو استمرار الحزب؛ خاصةً أن التقرير الفني القانوني والاستشاري للدكتور عثمان جان طلب عدم حظر الحزب.

 

يذكر أن النائب العام يالجين قايا كان تقدم بدعوى أمام الدستورية يوم 14/3/2008م يطالب فيها بغلق وحظر ومصادرة أموال وممتلكات حزب العدالة والتنمية الحاكم وصاحب الأغلبية البرلمانية وفرض حظٍر سياسي على عدد 71 عضوًا وقيادة بالحزب بينهم الرئيس عبد الله جول، استقال جبرًا من الحزب بعد انتخابه رئيسًا لتركيا في أغسطس 2007م، وطيب أردوغان رئيس الحزب وبولنت آرينش رئيس المجلس السابق ومجموعة من الوزراء وأعضاء البرلمان، وذلك بتهمة معاداة الحزب للمبادئ العلمانية التي أُسست عليها الجمهورية التركية عام 1923م من طرف كمال أتاتورك.

 

يُذكر أيضًا أن جيشًا ضخمًا من العاملين بالإعلام التركي والعالمي تزاحم بكاميراته وأدواته الإعلامية وبكثافة على مدار 3 أيام أمام بناية المحكمة في العاصمة أنقرة؛ انتظارًا لمعرفة قرار المحكمة في واحدة من أهم الدعاوى الحزبية المثيرة والتاريخية في الحياة السياسة بتركيا؛ بسبب كون الدعوى تتعلق بالحزب الحاكم وصاحب الأغلبية البرلمانية، وتضمن الدعوى رئيس الجمهورية من ناحية العزل السياسي.