توقع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي بعد قراره إرسال قوات بلاده لإعادة السيطرة على إقليم أوسيتيا الجنوبية المنشق عن جورجيا، أن يحتشد الأمريكيون والناتو لإنقاذه من مخالب الدب الروسي، لكنه لم يحصد سوى بيانات "الشجب والإدانة"، فيما يصب الروس حمم نيرانهم فوق بلاده صغيرة المساحة والقدرات العسكرية!
وقال ساكاشفيلي: "هذا عدوان روسي مكشوف جدًّا، ونحن في وضع الدفاع عن النفس ضد جارٍ كبيرٍ وقوي، ونحن بلد يقل عدد سكانه عن خمسة ملايين، وطبعًا قواتنا لا تقارن (بالقوات الروسية)، وإذا لم يعاقبوا (الروس) على ما يحصل في جورجيا فإن العالم أجمع سيواجه مشاكل".
رئيس جورجيا ميخاييل ساكاشفيلي لم يتوقع الرد الروسي العنيف

هكذا صرخ الرئيس الجورجي ساكاشفيلي على قناة أمريكية يستنجد، وبالمقابل جاءه الرد الأمريكي بأن أعلن مسئولون كبار في البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) أن القوات العسكرية الأمريكية المنتشرة في جورجيا لا دخل لها إطلاقًا في النزاع الجاري بين جورجيا وروسيا، وان كان نائب رئيس هيئة الأركان العامة الروسية الفريق الأول أناتولي نوجوفيتسين في مؤتمره الصحفي في موسكو تحدث عن معلومات استخباراتية تفيد وصول أسلحة إضافية من العراق إلى جورجيا مع وصول الجنود الجورجيين العائدين التي قامت القوات الجوية الحربية الأمريكية بنقلهم من العراق.
ولا ريب أنَّ أمريكا لم تعد في حالة قادرة على الدفاع عن جورجيا، وهي غارقة في مستنقع أطماعها في بحيرة النفط الخليجية.
لذلك فإن الحرب التي تدور اليوم رحاها بعنف بين روسيا وجورجيا هي في الحقيقة حرب بين الغرب وروسيا، وبهذا تردّ روسيا على أطماع أمريكا التي وصلت إلى حدودها، وحطّت رحالها في جمهوريات تكتسب أهميتها في نظر الغرب بكونها تحتوي على النفط، أو واقعة في طريق أنابيبه فحسب.
كما أن روسيا أيضًا تنتقم بسبب ما فعلته أمريكا والاتحاد الأوروبي في تِرْكَتِها في وسط أوروبا، عندما كَنَس الغرب بقيادة أمريكا ما تبقَّى من مخلفات الاتحاد السوفيتي فيما كان يسمى يوغسلافيا السابقة، واتخذت أمريكا من القرارات الدولية غطاءً لتحجيم صربيا والقضاء على النفوذ الروسي.
صراع قديم
روسيا قصفت الأراضي الجورجية بلا هوادة
وإذا نظرنا إلى طرفَي الصراع القائم فإن العداء ما بين جورجيا والاتحاد السوفيتي (سابقًا) وروسيا حاليًّا ليس وليد اللحظة الراهنة، وإنما يمتد تاريخيًّا إلى الحقبة التي استولى فيها الروس على الأراضي الجورجية وضمها عنوةً إلى أراضي الإمبراطورية الروسية في العام 1921م.

واستمر هذا الضم القسري حتى قبيل الإعلان رسميًّا عن تفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991م؛ حيث كانت جورجيا سبَّاقةً إلى إعلان استقلالها عن العملاق الذي ينهار قبل ذلك بثمانية أشهر على الأقل.
وفي العام 1992م وبعد أن نالت جورجيا استقلالها، سعت أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا إلى الانفصال عن الأراضي الجورجية؛ حيث طالبت أوسيتيا بالاتحاد مع شقيقتها الشمالية التابعة لروسيا، فيما أرادت أبخازيا أن تظل على وضعيتها المستقلة.
وكان من جرَّاء الحراك الأوسيتي والأبخازي للانفصال عن الدولة الوليدة الدخول في حرب طاحنة؛ طرفها الأول أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وطرفها الثاني جورجيا، لم يحسم فيها الصراع لأيٍّ من الطرفين، ولكنها كرَّست وضعًا استقلاليًّا غير معترف به رسميًّا حتى من قِبل روسيا للإقليمَين الانفصاليَّين، وتوقف إطلاق النار باتفاقية بين الأطراف المتنازعة.
تجمَّد الموقف العسكري بين هذه الأطراف منذ العام 1994م بعد توقيع اتفاقية تم بموجبها نشر قوات حفظ سلام في منطقة النزاع، ولكن سياسيًّا دعمت روسيا الإقليمين الانفصاليَّين، ودخلت في نزاع سياسي مع جورجيا، وفرضت حمايتها العسكرية على أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بحجة الحفاظ على مواطنيها في الإقليمين.
أسباب التصعيد
أولاً: محاولة جورجيا حسم النزاع بالقوة العسكرية بعد مؤشرات سياسية على توجُّه روسيا نحو الاعتراف بالإقليمين الانفصاليين، كردٍّ على استقلال كوسوفا بدعم أوروبي- أمريكي، عن حليفتها صربيا، واستغلال زخم هذا الحدث واعتباره تجربة قابلة للتكرار.
ثانيًا: رد عملي من روسيا على مشروع إدراج جورجيا ضمن دول حلف الناتو، وهو المشروع الذي وقفت روسيا ضده؛ فهي ترى وجود حلف الناتو على القرب من أراضيها تهديد مباشر لها كما صرَّح بذلك رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، ودخول جورجيا في حرب يضعف فرصها في الانضمام إلى الحلف؛ لأن الحلف لن يسعى في هذه الفترة إلى ضم دولة في حالة حرب؛ إذ سيفرض عليه هذا الانضمام تكلفة عسكرية ومواجهة مباشرة مع روسيا، وتحدث الخبراء عن أن الصراعات العنيفة في أوسيتيا الجنوبية من الممكن أن تطيح بآمال الانضمام إلى التحالف العسكري في أي وقت طالما أن دولاً مثل ألمانيا وفرنسا تعارض منح جورجيا عضوية الناتو بسبب صراعها المرير مع روسيا.
ثالثًا: رسالة واضحة إلى النظام الحاكم في جورجيا بأن مصلحتها بالأساس في التقارب مع روسيا وليس الولايات المتحدة أو أوروبا، خاصةً أنها قادرة على العبث بوحدة أراضيها، وليس بمقدور الناتو أو الولايات المتحدة تقديم المعاونة والمساعدة العسكرية لها.
دبابات جورجية محطمة على أرض أوسيتيا

رابعًا: التوقيت مناسب لعمل عسكري روسي يعيد التوازن إلى المنطقة ويعيد إلى الدب الروسي ظهوره من جديد في وقتٍ يتزامن مع انشغال أمريكا بالعراق وأفغانستان، ومواجهة تلوح في الأفق بين واشنطن وطهران، وبالتالي فإن إقدام روسيا على الدخول في حرب مع جورجيا لن يقف ولن يتم تصعيده عسكريًّا من خلال الولايات المتحدة ولن تفكر مطلقًا في الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا في هذا التوقيت.
خامسًا: مقدمة للرد الروسي على المشروع المتعلق بالمخطط الأمريكي لبناء نظام دفاع صاروخي طويل المدى في شرق أوروبا، أو ما يعرف باسم مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي، والذي تجددت المخاوف الروسية منه بعد مصادقة الناتو عليه أثناء قمة الحلف الأخيرة.
سادسًا: وفي حالة انضمام جورجيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) تكون روسيا قد أقامت منطقة عازلة موالية لها لفصل حدودها عن جورجيا، ولا يكون للناتو وجود مباشر على حدود روسيا.
سابعًا: أن انتقال الصراع إلى إقليم أبخازيا المنفصل عن جورجيا يعكس صورة الموقف الروسي وسعي موسكو إلى تفكيك القوة العسكرية لجورجيا، وإيجاد أوضاعٍ جديدةٍ على الأرض تَدْعَمُ الموقفَ التفاوضيَّ لحلفائها في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا واستغلال الموقف المتفجر لفرض موقفها في أي مفاوضات سياسية مقبلة، وتأكيد قدرتها على التأثير في الملفات العالمية.
ثامنًا: أوضحت الكثير من التحليلات ترابط هذا التدخل بالحرب "غير المعلنة" بين مختلف القوى الدولية للوصول إلى الاحتياطات الهائلة من النفط والغاز في بحر قزوين؛ حيث تُعَدُّ جورجيا المخرجَ الوحيدَ لنقل النفط والغاز المستخرج من المنطقة دون المرور بروسيا أو إيران؛ وذلك من خلال خط أنابيب يبدأ من باكو في أذربيجان، مرورًا بجورجيا، ومنها إلى ميناء جيهان التركي، ولا يرتبط سَعْيُ موسكو إلى السيطرة على أنابيب النفط بالعائدات المادية الهائلة التي سوف تجنيها من جرَّاء مرور هذه الأنابيب في أراضيها وحسب، ولكنّ الأمر يمتدُّ ليشملَ أهدافًا إستراتيجيةً تتعلق برغبة روسيا في تعميق دورها كموردٍ أساسيٍّ للنفط والغاز إلى أوروبا؛ ما يَجْعَلُهَا بمثابة الصنبور الذي يتحَكّم في كميات النفط والغاز التي يتم ضَخُّهَا في شرايين الاقتصاد الأوروبي.
وإضافةً إلى النفط وأنابيبه، فإن التمسك الروسي بموطئ قدمٍ في منطقة القوقاز يرتبط بخطوط التجارة العالمية؛ حيث أدى تفكُّك الاتحاد السوفيتي إلى حرمان روسيا من العديد من منافذ الوصول إلى البحار المفتوحة؛ ولذا فإنّ موسكو تسعى إلى لعب دورٍ مِحوريٍّ في حركة التجارة بين أوروبا والهند؛ وذلك في إطار مساعيها إلى استعادة دورها على الساحة الدولية.
الموقف الأمريكي
جورج بوش تخلى عن ساكاشفيلي
1- بمعزلٍ عن النتائج الميدانية للنزاع الذي اشتعل بين روسيا وجورجيا فجأةً، فإن الأمريكان بدَوا وكأنهم في حالة ذهول تام مما يحدث، وهم يسعون إلى إبعاد شبح هزيمة مذلة لحليفهم في تبيليسي الرئيس ساكاشفيلي؛ فقد جاء التدخل الروسي مفاجئًا إلى حدٍّ ما للمسئولين العسكريين الأمريكيين الذين قضوا الأيام الأخيرة في مراقبة القتال في أوسيتيا الجنوبية والتعزيز العسكري الروسي.

2- يقول مراقبون إن الولايات المتحدة الأمريكية التي ظلت تنتظر منذ سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، أن يأتيَ إليها الدب الروسي زاحفًا على بطنه أملاً في رغيف خبز ولو على حساب المصلحة العليا وكرامة بلد له كل مقومات القوة العسكرية التي يمكن أن تصنع منه أحد أعمدة النظام الدولي، باتت تتراجع قليلاً وتحسب للمارد حسابه قبل أن تفكر في ارتكاب حماقة جديدة من أي نوع كانت.
3- وهذا ما أكدته التصريحات الخارجة من البيت الأبيض؛ حيث تحدث المراقبون عن أن بوش الذي وصل في وقتٍ من الأوقات إلى الاعتقاد بأن "العالم هو الولايات المتحدة الأمريكية"، وجد نفسه لأول مرة في امتحان حقيقي لقدرة بلاده على أن تنهيَ الصراع في القوقاز وفقًا لما تشتهيه وبكل الوسائل الممكنة، وأن موقف الإدارة الأمريكية صار في ورطة حقيقية في مواجهة "هَيَجان" روسيا التي تتصرف بدورها وفقًا لخطوطها الحمراء التي قد لا تتوقف عند حدود مجالها الحيوي في القوقاز.
4- ويعتقد على نطاق واسع أن الرئيس الجورجي ساكاشفيلي يخوض حربًا أمريكية قبل كل شيء، ويقول المراقبون إن الولايات المتحدة لم تشجّع الديموقراطية الجورجية الناشئة فحسب، بل ساعدت على تسليح الدولة الجورجية الضعيفة، لكن الذي لا يعرفه الرئيس الجورجي ساكاشفيلي أن الجانب الأمريكي عادةً لا يؤمن له جانب في مثل هذه المواقف؛ إذ كثيرًا ما يترك حلفاءه في العراء إذا كان متيقنًا من خطورة تدخله لفائدتهم.
5- الذي يعزز هذا الجانب أن الناظر إلى التجهيزات العسكرية الجورجية يجدها مقارنةً بنظيرتها الروسية كفأر صغير جانب فيل عظيم؛ فجورجيا ونظامها الذي يخوض حربًا مع روسيا للسيطرة على جمهورية أوسيتيا الجنوبية الانفصالية تواجه تفوقًا عسكريًّا روسيًّا كاسحًا، سواءٌ على صعيد العدد أو على صعيد العتاد.
القوات الجورجية تكبدت خسائر فادحة أمام القوات الروسية

تمتلك جورجيا جيشًا يبلغ 11 ألف جندي، وموازنتها الدفاعية السنوية تقدر بـ29 مليون يورو، بحسب أرقام "السنة الإستراتيجية 2007م"، وبالمقابل تمتلك روسيا جيشًا قوامه أكثر من مليون جندي وموازنتها الدفاعية تبلغ 5.12 مليارات يورو.
يبلغ عديد سلاح الجو الجورجي 1500 جندي، ويمتلك 5 مقاتلات فقط، أما سلاح البر فيبلغ 8000 جندي ولديه 85 مدرعة، في حين يبلغ عديد سلاح البحر 1500 جندي ولديه أربعة زوارق دوريات.
ومن جهة أخرى ينتشر في العراق ألفا جندي جورجي هم الأفضل تدريبًا وتجهيزًا، ومن المقرَّر أن يعودوا إلى بلادهم على وجه السرعة للمشاركة في القتال.
في المقابل يبلغ حجم القوات الروسية مليونًا و37 ألف جندي، يضاف إليهم 20 مليون جندي في الاحتياط، ويعد سلاح البر 395 ألف جندي، ويمتلك 22 ألف مدرعة.
أما سلاح الجو فيقدر بـ170 ألف جندي، ويمتلك 17 ألف مقاتلة، في حين يعد سلاح البحر 142 ألف جندي، فضلاً عن 80 ألف جندي يخدمون في إطار قوات الردع النووي، وهناك تشكيلات روسية عسكرية شبه نظامية يبلغ عددها 419 ألف عنصر.
لذلك فإن المقارن يتأكد من الوهلة الأولى أن جورجيا كانت تعوِّل على الولايات المتحدة وحلف الناتو و حلفائها الأوروبيين وأنها ما هي إلا واجهة وما حديث الرئيس الأمريكي عن "مناشدة" الطرف الروسي التراجع عن حربه ضد جورجيا إلا عنوان بارز ومغلف لخذلان تبيليسي؛ لأن أهم ما يعني واشنطن من نتائج هذا النزاع هو الاطلاع وبشكل مباشر على نوايا موسكو التي أعلنت في أكثر من مناسبة أنها ستدافع عن مصالحا بكل الوسائل، وها هي الإدارة الأمريكية تكتشف ذلك بعد أن قدمت الحليف الجورجي ككبش فداء.
الموقف الأوروبي
1- أوروبا التي رفضت عدة طلبات جورجية سابقة بإرسال قوات لحفظ السلام بدلاً من القوات الروسية الموجودة في منطقة النزاع لن تخاطر بالتدخل المباشر لصالح جورجيا، لرغبتها في القيام بدور الوسيط بين الطرفين (جورجيا وروسيا)، وقد يتعارض ذلك الدور مع تدخلها المباشر في الأزمة.
![]() |
|
كوشنير |
3- وفقًا لتقديرات الخبراء فإن الموقف الفرنسي- والذي قد يكون معبرًا عن موقف أوروبي أعم- سيفاجئ الإدارة الأمريكية ويزيد من ورطتها وانكشاف موقفها ذي الأبعاد المزدوجة، ومثل هذا الموقف يؤكد وفق نفس الخبراء أن هزيمة جورجيا في النزاع ستكون هزيمة أمريكية واضحة.
وفي ضوء هذه المعطيات فإنّ روسيا أرادت من خلال ردها العسكري العنيف توجيهَ رسالةٍ قويةٍ إلى الرئيس ساكاشفيلي ومن ورائه حلف الناتو والولايات المتحدة؛ مفادها أنّ مساعيَه إلى منح الحلف موطئَ قَدَمٍ على التخوم الجنوبية لروسيا لن تَمُرَّ دون عقاب، كما يبدو أن بوتين أرادَ البرهنة عمليًّا لـ"ساكاشفيلي" على أن الناتو وأمريكا لن يُغَامِرَا بالتضحية بمصالحهم مع موسكو، أو بِخَوْضِ مواجهةٍ عسكريَّةٍ معها دفاعًا عن جورجيا، وأنّ غاية الأمر هو مَنْحُهُ دعمًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا، وحتى هذا سيبقى محدودًا بسقف الفيتو الروسي في مجلس الأمن.
