شهدت العاصمة السورية دمشق يوم الخميس 4 سبتمبر 2008م حدثًا سياسيًّا استثنائيًّا تمثَّل في القمة الرباعية التي ضمت إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد كلاًّ من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.
وكان الموضوع الرئيسي لها هو إعادة تنشيط عملية التسوية بين سوريا والكيان الصهيوني بالأساس بجانب ما أذيع إعلاميًّا أن القمة عُقِدت لبحث "سبل حل أزمات المنطقة".
ومفهومٌ طبعًا أنّ الملف الإيراني هو المقصود بتعبير "أزمات المنطقة" هذا، بجانب الأوضاع في العراق ولبنان، ولا بأس من الحديث عن أزمة دارفور لإعطاء القمة صبغتها الإعلامية اللازمة وإبعاد الإعلام عن الأهداف الحقيقية من وراء عقدها.
هذه القمة تكتسب أهميتها الاستثنائيّة من مجموعةٍ من العوامل، لعل أبرزها طبيعة الأطراف التي حضرتها، وكذلك طبيعة النقاشات التي سادتها، وبخاصة فيما يتصل بلغة الخطاب الرسمي السوري بشأن قضايا التسوية مع الكيان الصهيوني، بجانب دلالات التوقيت الذي يجيء في وقتٍ تشوب المنطقة بعض ملامح توترٍ تقليدي بين إيران والغرب، وامتداد أطراف لهيب حرب القوقاز السياسي إلى المنطقة، وهي الحرب التي كان الكيان الصهيوني وسوريا حاضريْن فيها؛ الأول بدعمه العسكري للنظام الجورجي ووجود وزراء يهود في حكومة الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، والثانية عندما قام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة روسيا وإعلانه تفهمه دوافع حربها ضد جورجيا.
علامات استفهام
هذه القمة يشوبها الكثير من الغموض مهما بدت واضحةً أمام جمهور المراقبين والمتابعين، وتوحي بوجود العديد من البنود التي لم تُعلن بشأن مستهدفات أطرافها من وراء عقدها أو حضورها.
فالحماسة الفرنسية والحضور القَطَري بالذات يثيران الشك في أن الغرب في هذه المرحلة يسعى إلى تفعيل المطالب الصهيونية من دمشق بقطع علاقاتها مع إيران لاستكمال حلقات تطويق الأخيرة في أزمتها النووية الراهنة مع الولايات المتحدة، وتقليل الدعم السوري المقدَّم إلى أطراف الممانعة اللبنانية والفلسطينية، ومن هنا كانت دلالات حضور الطرف القطري أيضًا الذي بات يلعب دور العرّاب بالنسبة للسياسة الأمريكية في الخليج العربي؛ فالحضور القطريّ في الملفين اللبناني والفلسطيني لم يكن ضمن الدور القطري المتنامي في العالم العربي؛ بل هو عبارة عن أداة شديدة الأهمية بالنسبة للسياسة الأمريكية والغربية تجاه الملف الإيراني.
وهو ما كان واضحًا تمامًا في كلمة الرئيس الفرنسي في القمة وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقبها؛ حيث تحدث عن دورٍ سوري مرغوب فيه لدفع إيران إلى التخلي عن برنامجها النووي والاستجابة للمطالب الغربية في هذا الإطار.
على مستوى آخر من التحليل فإنه ومن خلال قراءة في خطاب الرئيس السوري وما طرحه خلال المؤتمر الصحفي من مواقف يمكن للمتابعين أن يصابوا ببعض الدهشة؛ حيث كان كلام الأسد "شديد الرقة" فيما يخص مسألة استئناف المفاوضات غير المباشرة مع الكيان الصهيوني؛ حيث كان كل ما عرقل استئنافها من وجهة نظر الأسد هو استقالة كبير طاقم المفاوضين الصهيوني، وهو على الأقل مخالفٌ تمامًا لنتائج زيارة الأسد الأخيرة إلى سوريا التي تعاقد خلالها على صفقات تسليح ضخمة ذات مغزى سياسي واضح، وهي صواريخ "إسكندر آي" الباليستية ومنظومة (S- 300) للدفاع الجوي التي تعهَّد الكيان الصهيوني بتدميرها لو تم نشرها في الأراضي السورية.
بل إن الأمر الأكثر إثارةً للدهشة هو ما قاله الأسد في المؤتمر الصحفي؛ حيث "أعرب عن تفاؤله في تحقيق السّلام في المنطقة؛ ليس على المستوى الرسمي فحسب، بل بين الشعوب"، وقال ما نصّه: "على الرغم من الصورة المعقدة في المنطقة، بدأت تظهر مؤخرًا بعض البقع المضيئة أو البيضاء في المشهد السياسي، نأمل أن نجعلها أكبر من خلال لقاءاتٍ مماثلة"، وهي ربما عبارات لم يجرؤ على قولها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين أو الرئيس المصري حسني مبارك اللذين لهما علاقات مباشرة مع الكيان الصهيوني؛ حيث من المعروف أن العلاقات العربية الرسمية مع الكيان الصهيوني شيء وملف الشعوب شيء مختلف، ولا يملك أحد التحكم فيه.
أبعاد إستراتيجية
على ضخامة حجم القمة- فرنسا هي رئيسة الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، وسوريا هي رئيسة الدّورة الحالية للقمة العربية، بينما قطر هي رئيس الدورة الحالية لمجلس التعاون الخليجي، بجانب ضلع المنطقة الجديد الباحث عن دورٍ فيها: تركيا- إلا أنه ليس من المتخيل أن تكون نتائج القمة مقتصرة على يوم انعقادها؛ بل يأمل أطرافها في أن "تؤطر" لتحركٍ بعيد المدى بناءً على أجندةٍ خاصةٍ اتفق عليها المجتمعون، كما تم الإعلان في المؤتمر الصحفي.
وهو كلامٌ يقود إلى الحديث عن التحالفات والأدوار في الشرق الأوسط وتوجهات التغيير الحاصل فيها؛ حيث بات من الواضح أن الرئيس الفرنسي ساركوزي قد بدأ في العمل على خلق محورٍ جديدٍ في المنطقة يتحرك من خلاله بشكلٍ مختلفٍ عن التحالف التقليدي الموالي للولايات المتحدة، والذي يشمل محور القاهرة- الرياض- عمان.
ويبدو ذكاء الرئيس الفرنسي في اختياره لكلٍّ من تركيا وسوريا في هذا الإطار؛ فالأتراك ساعين إلى البحث عن دورٍ لهم في المنطقة، باعتبار عوامل القوة الشاملة التي يمتلكونها- الجيش التركي هو الأقوى في الشرق الأوسط مثلاً- ولهم مشكلاتهم مع الأمريكيين بما يجعلهم- على الأقل- أبعد عن واشنطن، وأقرب إلى غيرها، وكان ساركوزي هو- قدرًا- "غيرها" هذا.
كما أن لتركيا دورًا شديد الأهمية في موضوع الوساطة بين السوريين والصهاينة، وهم من بدءوها استغلالاً لعلاقاتهم الجيّدة على المستويين العربي والصهيوني.
أما العلاقات السورية- الفرنسيّة فهي ليست بحاجةٍ إلى إيضاح المستوى القوي لها وعمقها التاريخي التقليدي، وكان لساركوزي سبقٌ أن يكون أول رئيس دولة غربيًّا يزور سوريا منذ سنواتٍ طويلةٍ بعد استحكام الأزمة بين دمشق والغرب منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
وفي هذا الإطار تثور العديد من التساؤلات المشروعة عن واقع النظام الإقليمي العربي وسياقاته؛ فسوريا تمضي بعيدًا في تحالفاتها عن محورها التقليدي مع القاهرة والرياض الذي ظلّ سنواتٍ طوالاً قاطرة دفع العلاقات العربية والسياسات العربية، سواءٌ البينية أو الإقليمية والدولية.
ولكن، ومنذ أن طرحت الرياض مبادرتها للتسوية مع الكيان الصهيوني، والتي تبنَّتها قمة بيروت العربية في العام 2002م، وبدء سوريا مد يد التحالف مع إيران، تراجع مستوى العلاقات بين سوريا من جهةٍ وبين مصر والسعودية من جهةٍ أخرى، ووصلت العلاقات إلى حدِّ القطيعة كما جرى في قمة دمشق العربية الأخيرة بعد أن وصف الأسد القادة العرب ذات مرة بأنهم "أنصاف رجال".
الأسئلة الأخرى تدور حول مصير المحاور التقليدية في العالم العربي وموقفها من الترتيبات الجديدة في المنطقة، فهل مصر والأردن والسعودية سوف تكتفي بالمراقبة فقط، تاركاتٍ المجال لأقطاب جدد مثل قطر وتركيا؟ أم سيكون لها موقفٌ آخر؟ وكيف سيكون مع انشغال العم الأمريكي في انتخاباته التي من المرجح أن تطيح بحلفاء العرب في البيت الأبيض؟ فلو وصل الديمقراطيون إلى الحكم في واشنطن فلن تكون هناك فرصة كبيرة للرياض والقاهرة؛ لأن الحزب الديمقراطي أعلن أنه سوف يُعيد النظر في سلسة علاقات بلاده وتحالفاتها في الشرق الأوسط بناءً على اعتبارات مغايرة لاعتبارات إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن؛ ومن بينها سيكون ملف حقوق الإنسان، ومدى احترام الحكومات لها.
كما أن القاهرة بالذات باتت شديدة الانكفاء على نفسها، وباتت حركتها الخارجية الجادة لا تأتي إلا في حالة واحدة وهي حصول تهديد مباشر للنظام أو تهديد شديد الخطورة ولا يمكن تجاوزه بالنسبة للأمن القومي المصري، كما جرى مؤخرًا في ملف إحالة الرئيس السوداني عمر البشير إلى المحكمةِ الجنائية الدولية.
الأسئلة الأخرى أيضًا مهمة؛ فما هو مصير العلاقات السّورية- الإيرانية ومصير تحالفات سوريا الأُخرى في المنطقة مع جبهات الرفض العربية المعادية للكيان الصهيوني، مثل حركة حماس التي وضعها أكثر حساسيةً من حزب الله اللبناني الذي يستمد قوته من علاقاته مع إيران المبنية على أساس مذهبي وروابط عرقية وسياسية أكثر عمقًا بكثير من علاقتها مع حماس؟
ومن هنا يمكن أن نفهم جوانب من الشائعات التي تروَّج الآن في شأن أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل سوف ينتقل للإقامة في الأردن أو السودان، ورغم نفي الحركة ذلك إلا أن ترديد هذا الكلام في مثل هذا التوقيت يبقى له دلالاته.
الواقع الراهن الآن لا يبعث على التفاؤل؛ لأن العرب جرَّبوا بذلك كل التحالفات عدا التحالف فيما بينهم، وهو وضع يثير الحزن والضيق من هذه الأنظمة الحاكمة التي باتت فاقدةً شرعية تمثيل نفسها فضلا عن تمثيل شعوبها!!