فيما يُعدُّ رُبَّما آخر المهام الدِّبلوماسيَّة الكبرى لها في منطقتنا العربيَّة قبل تسليم الأمور إلى خَلَفِها غير المعروف هويَّتُه حتى الآن؛ قامت وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة كونداليزا رايس أخيرًا بجولةٍ مغاربيَّةٍ شملت كلاًّ من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، واستثنت موريتانيا بسبب مُعارضة واشنطن للانقلاب العسكريِّ الأخير الذي وقع في هذا البلد العربيِّ البعيد الواقع في أقصى ركنٍ من أركان العالم العربي الغربيَّة.
رايس التي جاءت إلى المنطقة مُحمَّلةً بالمطالب والأجندات- المُهِمَّة بالفعل في حقيقة الأمر- لم تقضِ وقتًا طويلاً فيها بخلاف العادة؛ حيث لم تستغرق زيارتها إلى أربع دولٍ عربيَّةٍ؛ من بينها بلدانٌ مُهمَّةٌ وأخرى ترتبط لدى الأمريكيِّين بملفَّاتٍ مُهمَّةٍ، سوى يومَيْن فقط بالرَّغمِ من ضخامة العناوين الموضوعةِ أمام الإعلام فيما يخصُّ هذه الجولة.
بكلِّ تأكيدٍ فإنَّ الجولة يشوبُها بعض الغموض خاصةً مع اقترانها ببعض الظَّواهر ذات الأبعاد والأُطُرِ السِّياسيَّة والمحتوى الأمنيِّ، كما لا يمكن للمُتابعين فهم هذه الجولة بأبعادها دون ربطها ببعض الأمور والأحداث التي تجري بعيدًا عن المنطقة بآلاف الأميال، سواءً في واشنطن ذاتها أو في بقاعٍ أُخرى من العالم الذي تسعى واشنطن لفرض وصايتها الدَّوليَّة عليها.
وما بين الرفض الشَّعبيِّ للزِّيارة- من مؤشراته مثلاً أنْ أصدرت أحزاب تجمُّع اليسار الدِّيمقراطيِّ في المغرب بيانًا عبَّرت فيه عن رفضها زيارة رايس للمغرب العربيِّ- وتحفُّظ بعض قادة البلدان التي زارتها رايس على الزيارة بسبب بعض بنودِ أجندتها كما سوف نرى لا تبدو هناك ملامحٌ جادَّةٌ لسياسةٍ عربيَّةٍ مُوحَّدةٍ أو على الأقل على مستوى المواقف ممَّا يطرحه المسئولون الأمريكيون في زياراتهم المتواترة إلى الشَّرق الأوسط.
تحفُّظٌ رسميٌّ
ولم يكن هُناك رضا رسميٌّ عربيٌّ كاملٌ عن هذه الجولة التي بدت فيها رايس أشبه بمَن يتلصَّصون بسبب اعتبارَيْن الأول أمنيٌّ؛ حيث ظهرت دعواتٌ على شبكة الإنترنت من جانب تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد المغرب لاغتيال رايس، والثَّاني سياسيٌّ مُتعدِّد الأبعاد.
فالوزيرة الأمريكيَّة تعلم أنَّها باتت جزءًا من الماضي، وتعلم أنَّ القادة العرب سوف يبدؤون في التَّحفُّظ على استقبالها؛ باعتبار أنَّها أصبحت خارج السُّلطة تقريبًا الآن في الولايات المُتَّحدة، وأنَّ إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن باتت في موقفٍ ضعيفٍ؛ حيث باتت مساحة الوقت المُتاح لها في البيت الأبيض لا تسمح لها باتِّخاذ قراراتٍ كُبرى أو مُؤثِّرة، وباتت رايس "لا عوز لها" من جانب القادة العرب.
كما أنَّ رايس جاءت إلى المنطقة بأجندةٍ استفزازيَّةٍ ومُتناقضة على أبسط تقديرٍ، وقامت بزيارةِ بلدانٍ بينها مُشكلات، ورضا قادة إحداها عن الزِّيارة يعني سخط الآخر عليها، ولذلك لم تكُن الزِّيارة ناجحة ربما باستثناء الجانب الليبيِّ منها.
معمر القذافي

فزيارتها لليبيا- هي الأولى من نوعها لوزير خارجيَّة أمريكي إلى ليبيا مُنذ العام 1953م- كان الهدف الأساسيُّ لها هو تلميع مواقف نظام العقيد الِّليبيِّ معمَّر القذافي من العديد من الملفَّات التي أعطى فيها القذافي للغرب الكثير من الهدايا المجَّانيَّة بلُغة السِّياسة الدَّوليَّة؛ مثل الانتشار النَّوويِّ والإرهاب، وهو ما لم تُخفِه وزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة، فالمتحدث باسم الوزارة شون ماكورماك قال في تصريحٍ لافتٍ له قبل بدء رايس جولتها: إنَّ واشنطن تُريد أنْ تجعل من القذافي مثالاً يُحتذى بالنسبة إلى بلدان "محور الشَّر" الأمريكي، وتحديدًا إيران وكوريا الشمَّاليَّة فيما يخص التَّخلِّي عن مشروعات امتلاك أسلحة الدَّمار الشَّامل وتحسين مستوى العلاقات مع الغرب، ومشاركة الولايات المُتَّحدة في حربها المزعومةِ على ما يُعرف باسم الإرهاب والتَّخلِّي عن دعم المُنظَّمات التي تصفها واشنطن بالإرهاب.
وكانت العلاقات ما بين البلدين قد قُطِعَت رسميًّا في العام 1981م بسبب الاتهامات الأمريكيَّة لطرابلس بدعم "الإرهاب"، وقد تمَّ استئناف هذه العلاقات في العام 2004م بعدما أعلن القذافي أنَّ بلاده تخلَّت عن سعيها لحيازة أسلحة الدَّمار الشَّامل.
وممَّا زاد من مستوى التَّحفُّظ الرَّسميِّ العربيِّ على الجولة أنَّ لغة خطاب رايس خلال جولتها لم تكُن مُهذَّبة؛ فهي ذهبت إلى تونس لإعطاء الرَّئيس التُّونسيِّ زين العابدين بن علي درسًا في الأخلاق الدِّيمُقراطيَّة وأهمِّيَّة احترام حقوق الإنسان، وبعد ذلك طالبته بمشاركة بلاده في حربها ضد "الإرهاب"، وما دامت لغة الطلب غير مُهذَّبة؛ فإنَّه بطبيعة الحال لن تكون هُناك استجابة على أقلِّ تقديرٍ.
وهو ذات ما تكرَّر في المغرب؛ فرايس ذهبت إلى الرِّباط من ضمن ما ذهبت إلى هناك لبحث عمليَّة الإصلاحات التي بدأها المغرب والتي تدعمها الإدارة الأمريكيَّة، وفق بيانٍ صادرٍ عن وزارة الخارجيَّة المغربيَّة، وهو ما يقود للحديث عن المشكلة الكُبرى في جولة رايس والتي كانت في مرحلة الجزائر- المغرب؛ فالوزيرة الأمريكيَّة ذهبت إلى هُناك وفي جعبتها ملفٌّ مهمٌّ يرعاه حلف شمال الأطلنطيِّ والمخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة، وهو ملف تمركُز بعض التَّنظيمات الجهاديَّة المُرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الصحراء الكُبرى، وتحديدًا في تخوم الجزائر الجبليَّة وصحراء مالي وشمال تشاد والنَّيْجر، وزاد من إلحاح هذا الملف في الوقت الرَّاهن موضوع التفجيرات الأخيرة التي شهدتها الجزائر، والتي أثبتت أنَّ هذه التَّنظيمات لا تزال فاعلة.
ولقاءات رايس في الجزائر والمغرب توضِّح أهمِّيَّة هذا الملف، ففي المغرب مثلاً، وقبل المباحثات التي أجرتها مع وزير الخارجيَّة المغربيِّ الفاسي الفهري التقت الوزيرة الأمريكيَّة يوم السَّبْت الماضي رئيس الوزراء المغربي عباس الفاسي ووزير الدَّاخلية شكيب بن موسى ورئيس الاستخبارات العسكريَّة ياسين منصوري في مأدبة عشاءٍ بعيدة عن أجواء اللقاءات الرَّسميَّة التي تُثير الإعلام وتدفعه لمتابعتها، وهو ما يعني وجود مطالب جدِّيَّة من الأمريكيِّين نقلتها رايس إلى قيادات هذَيْن البلدَيْن، ولكن ما أفشل الحوار حول هذا الأمر كان تدخُّل رايس الواضح في قضيَّة الصَّحراء الغربيَّة؛ فالمغاربة والجزائريُّون لا يقبلون بالتَّدخُّل الأمريكيِّ في هذا الأمر، فالتَّدخُّل الخارجيِّ المقبولِ لديهم في هذا الملف لا يكون سوى من جانب الأمم المُتَّحدة فقط.
العاهل المغربي محمد السادس

وهنا نرى مفارقة زمنيَّة وجغرافيَّة؛ فحديث رايس عن أزمة الصَّحراء في الجزائر أدَّى لغضبٍ مغربيٍّ، ولذلك لم يقُم العاهل المغربيِّ الملك محمد السَّادس باستقبال رايس، وأعلن أنَّه في مدينة وجدة لافتتاح بعض المشروعات، أمَّا الجانب الجزائريِّ الذي كان من الممكن اعتبار أنَّ زيارة الوزيرة الأمريكيَّة له ناجحةٌ لا يُمكن أبدًا اعتباره طرفًا في أيِّ تحالفٍ أمريكيِّ؛ حيث تُعتَبَر الجزائر أحد أهم حلفاء روسيا في المنطقة، وبين البلدَيْن اتفاقيَّاتٌ عديدةٌ للتَّعاون العسكريِّ والاقتصاديِّ.
ومن هنا فإنَّ مناقشات رايس في الجزائر التي زارتها أولاً أغضبت الطرف المغربيِّ، ولم يكُن لها تأثيرٌ في علاقات واشنطن مع الجزائر، بل ربَّما لو كانت رايس قد زارت المغرب أولاً لكانت نتيجة مُباحثاتها قد تغيَّرت، فحتى لو كانت رايس وقتها قد اتَّفقت مع الرِّباط على موقفٍ ما من ملف الصَّحراء بشكلٍ يُغضِب الجزائر، فما صنع ذلك فارقًا في علاقات الجزائريِّين مع الأمريكيِّين التي ليست هي بعلاقات تحالفٍ من الأصل، بينما كان ذلك وقتها لو حدث سيكون في مصلحة علاقات واشنطن مع الرِّباط التي هي حليفٌ أساسيٌّ للأولى.
وزاد من حساسية الموقف أنَّ فتح واشنطن لنطاق الحديث عن أزمة الصَّحراء الغربيَّة جاء بطلبٍ من الجبهة الشَّعبيَّة لتحرير السَّاقية الحمراء ووادي الذَّهب المعروفةِ باسم جبهة البوليساريو التي ترعاها وتدعمها الجزائر، وهو ما جعل المغاربة لا يُرحِّبون كثيرًا بزيارة رايس.
خلفيَّات الحدث
بلا شك لم تكن هذه الجولة عاديَّة في توقيتها وأهدافها، فهي: أولاً:- تجيء ضمن سلسةٍ من الجولات المثيلة التي بدأها أركان الإدارة الأمريكيَّة بمن فيهم الرَّئيس الأمريكيِّ جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني؛ حيث قام بوش قبل فترةٍ بجولةٍ أوروبيَّة وزار الصِّين لحضور افتتاح فعاليَّات الألعاب الأولمبيَّة الصَّيفيَّة "بكين 2008"، أمَا تشيني فقد قام بجولةٍ في وسط آسيا وشرق أوروبا شملت أذربيجان وجورجيا وأوكرانيا.
هذه الحزمة من الجولات والزِّيارات تهدف ضمن ما تهدف إليه إلى الآتي:
- ضمان تثبيت بعض أركان السِّياسة الأمريكيَّة وثوابتها في مرحلة ما بعد بوش، أيًّا ما كانت نتيجة الانتخابات الرَّئاسيَّة الأمريكيَّة القادمة.
- تَّأكيد التَّحالفات الأمريكيَّة في العالم قبل انصراف إدارة وحضور أُخرى.
- وضوح العثرات التي تُواجه السياسة الأمريكيَّة العالميَّة، ولاسيما في ظلِّ وجود التَّحدِّي الرُّوسي والإيراني في شرق أوروبا ووسط آسيا والشرق الأوسط.
- ضمان المصالح الأمريكيَّة الحيويَّة في الأقاليم التي شملتها هذه الجولات، مثل إمدادات النَّفط عبر آسيا وأوروبا، ومشروع الدِّرع الصاروخيَّة الأمريكي، وكذلك الأمن الإقليميِّ في الشرق الأوسط وشرق أوروبا.
في الإطار بدا أنَّ هذه الجولات ترسم بعض آفاق سياسات التَّحالُفات الأمريكيَّة الجديدة أو على الأقل المُرشَّحة للاستمرار في مرحلة ما بعد المحافظين الجُدُد، ذلك أن رايس على سبيل المثال استثنت عواصم محورها التقليديِّ في المنطقة؛ مصر والسَّعوديَّة والأردن من آخر جولتَيْن لها في المنطقة، وفي المُقابل أطلقت يد قطر في الملفِّ السُّوريِّ والملف الفلسطينيِّ من الجهةِ الخاصة بجانب الممانعة في غزَّة ودمشق، وهو ما يبدو وكأنَّه تحوُّلٌ أمريكيٌّ تكتيكيٌّ في تحالفات واشنطن في المنطقة مع تغيُّر الأهداف المرحليَّة من موضوع مكافحة الإرهاب كأولويَّةٍ أُولى إلى أهمِّيَّة إحداث اختراقٍ في ملف التَّسوية بين العرب والكيان الصُّهيونيِّ.
كما أنَّ إدارة بوش يبدو وكأنَّها قد استنفدت وقتها وأغراضها مع القاهرة والرِّياض بالذَّات، وقرَّرت أنْ تترُك ملف التعامُل مع هذا المحور لمَن سيخلف بوش الابن في البيت الأبيض أيًّا كان، ليُدِيرَه بالصُّورة التي يراها مناسبة للمرحلة القادمة.