اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الأمريكي الجديد، وبدأت الأسئلة والقضايا التقليدية في الظهور في المحيط السياسي والإعلامي العربي، سواء على مستوى الإقليم هنا في الشرق الأوسط، أو على مستوى المجتمع العربي والمسلم في الولايات المتحدة، وبطبيعة الحال، وكما في كل مرةٍ فإنَّ أهم ما يدور في وجدان المواطن العربي والمسلم الموجود في بلاده أو ذلك الذي يعيش في الولايات المتحدة هو مجموعة من القضايا والتساؤلات المشروعة.
ومن بين هذه التساؤلات، أو لعله أهمها: ما هي حقيقة النوايا والسياسات المقبلة للمرشحَيْن إزاء قضايا العرب والمسلمين؟، ولعل هذه القضايا تدور حول أزمات العالم العربي والإسلامي الساخنة، مثل فلسطين والعراق ومحور الأزمة الأفغاني- الباكستاني، وكذلك ما يجري في السودان والقرن الإفريقي وفي الشأن الإيراني- السوري، بجانب- بطبيعة الحال- السياسة الأمريكية العامة تجاه الإسلام والعالم العربي، والأهم بالنسبة للمسلم والعربي الأمريكي أوضاع هذه الأقليات في بلاد العم سام، والتي ساءت كثيرًا في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر التي تمر ذكراها السابعة في هذه الأيام.
ونقول حقيقة النوايا والسياسات ولا نقول البرامج؛ فما اعتاد عليه الناخب العربي والمسلم في الولايات المتحدة، وكذلك صنَّاع القرار في العواصم العربية والإسلامية في منطقتنا المشتعلة أنَّ المرشح الأمريكي في الانتخابات الرئاسية بعد فوزه لا يلتزم بما طرحه في برنامجه الانتخابي إلا فيما يخص مصالح المواطن الأمريكي وما يلزمه به أمام الكونجرس والرأي العام، أما ما يخص القضايا التي لا تمس الداخل الأمريكي، ولا يوجد للمواطن فيها مصلحة، مثل الضرائب والضمان الاجتماعي، والسياسات الاقتصادية العامة، فإنَّ التراجُع عنها أسهل ما يكون بالنسبة لأي رئيسٍ أمريكي إلا القلة القليلة منهم، وهؤلاء لا يمكثون عادةً في البيت الأبيض أكثر من فترة حكمٍ واحدة، مثل جيمي كارتر وجورج بوش الأب، أو قد لا يكملونها كما جرى مع جون كينيدي الذي كان لديه برنامج عمل جاد وفعلي لإحلال السلام في الشرق الأوسط، وهو ما لم يكن يرغب فيه الصهاينة ولا صناع القرار الحقيقي في واشنطن.
وذلك لأنَّ الولايات المتحدة دولة أجندة خارجية وداخلية ثابتة، وتعمل مجموعةٌ من المؤسسات على تحقيق بنود هذه الأجندة بكل أمانة، وأهم بنود هذه الأجندة والثابتة مُنذ عقودٍ طويلةٍ على المستوى الخارجي هي: أمن الكيان الصهيوني، وضمان تدفق الطاقة، وحماية المصالح التجارية الأمريكية في فنائها الخلفي في أمريكا الوسطى واللاتينية وفي أوروبا ثم في الشرق الأقصى، وأي خروجٍ عن ذلك يُلاقَى بالكثير من القذارة من جانب مؤسسات الحكم الأمريكية، كما جرى مع كينيدي وكارتر وكلينتون؛ حيث كل شيءٍ مباحٌ من التسجيلات والفضائح، وصولاً إلى القتل لو تطلَّب الأمر، وهو ما جرى مع كينيدي الذي كان من الأصل غير مؤهل ليكون رئيسًا بالمعايير الأمريكية التي تفرض أنْ يكون الرئيس أبيضَ بروتستانتيًّا أنجلو- ساكسونيًّا، بينما كان كينيدي مثلاً كاثوليكيًّا، ولا يحب الكيان الصهيوني بالقدر الكافي.
ولذلك فإنَّ الأجدى بالمواطن العربي والمسلم هنا وهناك أنْ يُساءل حكوماته وأنظمته عن برامجها هي تجاهه وتجاه مصالحه وقضاياه، ويحاسبها على الأسباب التي أدَّت إلى هجرة ملايين العرب والمسلمين إلى الغرب باتوا يلاقون هناك الأمرَّيْن، ولا يُساءل رئيسًا جاء بالمال اليهودي والدعاية الصهيونية، وتدعمه مؤسسات حكمٍ في ولاءاتها الكثير ممَّا يناقض مصالح العرب والمسلمين الحيوية.
البعض من المراقبين العرب- وللسخرية بمن فيهم بعض المتأمركين أو من تلاميذ المدرسة الليبرالية الغربية مثل الكاتبة الأردنية توجان الفيصل- رأى ذات الرأي، وتوصلوا إلى هذه القناعة بعدما قرءوا برامج المرشحين للانتخابات الأمريكية القادمة، ومواقفهم وتصريحاتهم.
أوباما وماكين
بعد معركةٍ سياسيةٍ وإعلاميةٍ كبيرة رست الأمور على ترشيح الحزب الجمهوري لكلٍّ من جون ماكين لمنصب الرئيس وحاكمة ولاية آلاسكا سارة بالين نائبةً له، بينما انتهى الأمر بالحزب الديمقراطي بترشيح أول أسود في تاريخ الولايات المتحدة يدخل السباق على هذا المنصب باراك أوباما، ومعه السيناتور المحافظ جوزيف بايدن على منصب نائب الرئيس.
وأوباما البالغ من العمر 46 عامًا يعوِّل عليه الكثير من أطراف المعارضة في العالم العربي؛ حيث يضع الديمقراطيون معايير مختلفةً لإدارة العلاقات الدولية للولايات المتحدة تختلف عن الديمقراطيين؛ حيث يربطون المساعدات والعلاقات الودية وتحالفاتهم بمدى احترام الحكومات المعنية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وهناك بالفعل في الولايات المتحدة قانونٌ صدر في العام 2005م بعنوان "قانون مراقبة الديمقراطية" "يراقب الديمقراطية" في 45 دولة من بينها مصر ودول عربية وإسلامية أخرى، وكان من المفترض أنْ ترسم تقارير السفارات الأمريكية في هذه البلدان حالة الدولة من هذا الجانب ورفع تقارير بذلك إلى وزارة الخارجية والبيت الأبيض لرسم سياسات العلاقات مع تلك البلدان بناءً على ذلك، ولكن حاجة الإدارة الحالية للحكومات القائمة لمحاربة التيار الإسلامي تحت غطاء مكافحة الإرهاب جعلها تتغاضى عن نتائج هذه التقارير، وهو ما لن يفعله الديمقراطيون لو وصلوا إلى البيت الأبيض.
وأوباما سيناتور عن إلينوي في مجلس الشيوخ الأمريكي، مولود من أبٍ كينيٍّ وجدٍّ مسلمٍ أسود وأمٍّ أمريكية من كنساس، وعندما كان باراك طفلاً يحبو حصل والده على فرصة للدراسة في جامعة هارفارد، لكن الأسرة لم تكن تملك المال الكافي، ثم عاد والده بعد ذلك إلى كينيا وحده؛ حيث عمل كخبير اقتصادي للحكومة الكينية، ثم انفصل عن زوجته، وبعد أن بلغ أوباما عامه السادس تزوجت أمه من مديرٍ إندونيسيٍّ لإحدى شركات النفط وانتقلت الأسرة إلى جاكرتا؛ حيث عاش أوباما الصغير هناك لمدة أربع سنوات عاد بعدها إلى هاواي؛ حيث عاش مع جده لأمه وذهب إلى المدرسة.
وتوجه أوباما إلى دراسة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا بنيويورك، ثم انتقل بعد ذلك للعيش في شيكاغو؛ حيث أمضى ثلاث سنوات في العمل كمنظمٍ للمجتمع، وفي عام 1988م ذهب أوباما لدراسة القانون في جامعة هارفارد، وهناك أصبح أول أمريكي من أصل إفريقي يتولى رئاسة قسم القانون في كلية القانون بالجامعة، وبعد هارفارد عاد أوباما مرة أخرى إلى شيكاغو؛ حيث عمل في مجال قوانين حقوق الإنسان، ورفض العمل في شركات المحاماة الكبرى ليعمل في الدفاع عن ضحايا التفرقة في السكن والعمل، وتزوج أوباما من محامية، ولديه الآن بنتان صغيرتان، ولا يزال أوباما يعمل في المحاماة، كما أنه يُلقي بعض المحاضرات في كلية القانون في جامعة شيكاغو، وأوباما معارض منذ البداية للحرب على العراق.
ويرفع سناتور إلينوي الذي يطمح في أن يكون أول رئيس أمريكي من أصل إفريقي، شعار التغيير الذي يحظى بجاذبية كبيرة لدى الناخب الأمريكي، في ظل الشعور بالغضب من سياسات الرئيس الأمريكي بوش الابن وإدارته التي أثبتت فشلاً ذريعًا، ومن الحرب على العراق، ويعتمد أوباما على أنه خريج إحدى أعرق الجامعات الأمريكية وهي هارفارد، وعلى الدعاية بأنَّه سوف يصلح ما أفسده بوش الابن في المجتمع الأمريكي، بالإضافة إلى أنه سوف يقرِّب بين الأجناس المختلفة التي تشكِّل المجتمع الأمريكي ويساعده في ذلك بشرته السوداء.
إلا أنَّ أوباما كان له خلال حملته الانتخابية العديد من المواقف التي لا تبشِّر بخيرٍ؛ فهو تعهد بضمان أمن الكيان الصهيوني، وتبرَّأ تمامًا من أصوله المسلمة القريبة- جده لأبيه- وكان له مواقفُ مُشينةٌ من الحجاب وقضية القدس خلال حملته للفوز بترشيح حزبه في الانتخابات التمهيدية، ورغم أنَّه تراجع عن موقفه الخاص بأنَّ القدس هي العاصمة الأبدية الموحدة للكيان الصهيوني إلا أنَّ الموقف ذاته تبقى له دلالاته.
أما المرشح الجمهوري جون ماكين فيبلغ من العمر 71 عامًا، وهو سيناتور عن ولاية أريزونا في مجلس الشيوخ الأمريكي، وحارب في فيتنام، وقد هزمه جورج بوش الابن في الانتخابات الحزبية في العام 2000م ليفوز بوش بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات 2000م الرئاسية، وهو من مؤيدي الحرب على العراق، غير أنه يختلف عن المحافظين الجدد بإدانته التعذيب في السجون العراقية وفي معتقل جوانتانامو.
كما أثار معارضة قسم من الناخبين المحافظين تأييده مشروعًا يقضي بتشريعٍ ينظم وضع المهاجرين غير الشرعيين، وقد حصل على دعم المرشح الديمقراطي السابق لمنصب نائب الرئيس عام 2000م جوزيف ليبرمان ويجتذب الناخبين الذين يعتبرون أنفسهم مستقلين، ولا سيما في ولاية نيوهامشير.
وقد أظهر استطلاع للرأي أُجري مؤخرًا أنه الجمهوري الوحيد القادر على إلحاق الهزيمة بالديمقراطيين، غير أنَ سنه المرتفع يشكل عائقًا أمامه، كما أنَّه يعاني من درجةٍ من درجات ثقل الكلام، وسيكون في حال فوزه في الانتخابات في سن الثانية والسبعين أكبر الرؤساء الأمريكيين سنًّا لدى تسلم المهام الرئاسية، ولكن يدعمه رأي شريحة لا بأس بها من الناخبين باعتباره الأقدر على شغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة من أوباما.
وتشير استطلاعات الرأي اليومية التي يجريها معهد جالوب إلى أنَّ الأغلبية الساحقة من الأمريكيين البيض الذين يذهبون إلى الكنيسة أسبوعيًّا مؤيدون لماكين ضد أوباما بنسبة 65% مقابل 26%، بينما يتفوَّق أوباما على ماكين في أوساط الناخبين البيض غير المتدينين بنسبة 51% مقابل 39%، ويتقدم أوباما على ماكين في صفوف الأقليات كلها تقريبًا بحكم انتمائه إلى الأقلية الإفريقية واعتماده سياسة اجتماعية تخدم المواطنين ذوي الدخل المحدود، وسياسة خارجية أكثر تواضعًا وأقل تبجحًا من سياسات الإدارة الحالية.
أفق مستقبلي
من خلال قراءة في برامج كلا المرشحين يمكن استبعاد أي تغييرٍ في سياسات الولايات المتحدة فيما يخص العرب والمسلمين في الداخل والخارج لو فاز ماكين؛ حيث إنَّه امتدادٌ بشكلٍ أو بآخر لسياسات حزبه الحاكم في البيت الأبيض حاليًّا، واختياره لسارة بالين غير الخبيرة بالسياسة الخارجية والمتدينة- بالمعايير الأمريكية طبعًا؛ حيث حملت مولودها الأول سفاحًا وكانت تتعاطى الماريجوانا بحسب الباحث الموريتاني محمد المختار الشنقيطي- يُعطي دلالة مهمة في هذا الإطار؛ فالمعلومات المتوفرة عن بالين وأسرتها تعطي مؤشرات عن أنها بدورها من ذات اتجاه الإدارة الحالية، كما أنَّ الأصوليين البروتستانت يشكلون أقوى داعم لماكين وبالين ولبوش الابن وتشيني من قبلهم، وهم مزيجٌ من الصهاينة والمسيحيين، ومؤمنون بوجود حربٍ أبديةٍ بين الإسلام والمسيحية، أما بناء علاقات على أساسٍ من العدالة مع العرب والمسلمين فليس جزءًا من تفكيرهم، ناهيك عن الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.
أما في حالة أوباما فإنَّ اختياره لبايدن المحافظ- هو جمهوري النزعة أساسًا ولكنَّه عضوٌ في الحزب الديمقراطي- يعطي مؤشرًا على سياساته المستقبلية تجاه العالم العربي والإسلامي وقضاياه، كما أنَّه وطبقًا للمعايير التي تحكم السياسة الأمريكية لن يكون في حِلٍّ من اتخاذ قراراتٍ ثورية في شأن هذه القضايا؛ حيث إنَّ معايير مؤسسة المخابرات واللوبي الصناعي- العسكري الحاكم في الولايات المتحدة لن يسمح له بذلك، كما أنَّ تعقيد الوضع في العراق وأفغانستان وفي الشأن الفلسطيني لا يسمح- بسبب سياسات بوش الابن- بكثيرٍ من ممكنات المناورة؛ فبوش وإدارته عمدا قبل أشهرٍ من الانتخابات إلى ترتيب أوضاع لا تسمح بالخروج عنها من جانب من سيخلفها في البيت الأبيض، فلا يمكن أبدًا حاليًّا الحديث عن إمكان انسحابٍ أمريكيٍّ من العراق أو أفغانستان، التي قرر بوش زيادة عديد القوات الأمريكية فيها، كما لا ننسى أنَّ من قيادات الديمقراطيين من أيَّد قرار الغزو من البداية مثل السيناتور هيلاري كلينتون.
ولكن يمكن التنبؤ بأنَّ ثمة تغييرًا مستقبليًّا أكثر إيجابية حال فوز أوباما بالنسبة لأوضاع الأقلية العربية والمسلمة هناك، ولكن من المرجح أنْ تحتويَ ضغوط الأجهزة الأمنية كثيرًا من المكاسب التي سوف تحرزها الأقليات وفق سياسات باراك أوباما؛ فالعلاقات في أدنى درجاتها مع دول أمريكا اللاتينية والوسطى التي تعطي الولايات أكبر قدرٍ من المهاجرين، بينما أوضاع العرب والمسلمين الأمنية شديدة السوء، وأثرت بالفعل على أعداد الطلبة المقبولين سنويًّا والذين يذهبون للدراسة في الولايات المتحدة.
وفي النهاية لا يبقى سوى القول إنَّ الأمور لا تزال مفتوحةً على كافة الاحتمالات، ولكن على الجميع ألا يفرط في التفاؤل.