لم يكن المشهد عاديًّا أمام ما تبقى من فندق الماريوت في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، الركام والحطام والدماء تغلف كل شيءٍ، والفندق الفخم الذي كان قِبْلَة الدبلوماسيين في العاصمة الباكستانية بات عنوانًا للموت والدمار.

 

المشهد بدا وكأنه "تحية" خاصة للرئيس الباكستاني الجديد علي آصف زرداري الذي لم يكد ينتهي من خطاب القسم أمام البرلمان وبدأ يتهيَّأ للذهاب للفندق هو ورئيس وزرائه يوسف رضا جيلاني لحضور احتفالية خاصة بمناسبة تسلم زرداري منصبه، وبدا وكأنه "عقاب" لزرداري على خطاب القسم؛ فزرداري لم يحترم التقاليد الباكستانية التي تفرض على الرئيس ارتداء الزي التقليدي الباكستاني خلال هذه المناسبة، كما أن الرئيس الباكستاني تحدث باللغة الإنجليزية، كما أنه خلال الخطاب أكد على "ثوابت" سياسة بلاده في مجال مكافحة الإرهاب!.

 

كذلك فإن ما كشفته الصحف الباكستانية الصادرة صباح الأحد 21/9/2008م خطير؛ حيث أشارت إلى أن الفندق كان "يستضيف" عناصر من قوات المارينز الأمريكية، وهو وإن صح، فإنه كفيل بإثارة جنون هؤلاء الذين يقفون خلف تفجير الماريوت.

 

هذا الحادث وغيره من أكبر الحوادث التي شهدتها باكستان في الفترة الأخيرة تشير إلى أن أيام الرئيس الباكستاني الجديد لن تكون سهلة؛ حيث يغلِّف العنف وطابع الأزمة كل الأحداث التي شهدتها البلاد، بما في ذلك علاقات باكستان مع الولايات المتحدة.

 

إن أي رئيس دولة يكون له طريقان كبيران يجب أن يسير فيهما، ويقوم بتقدير سياساته فيهما بشكل متوازن ودقيق بناءً على اعتبارات الأمن القومي والمصالح الحيوية لبلاده:

الأول: هو الحالة الداخلية العامة.

والثاني: هو علاقات بلاده ومصالحها الخارجية.

 

ووفق ما يجري في باكستان هذه الأيام؛ فإن الأوضاع بالنسبة لرئيس مدني سوف تكون بمثابة الجحيم الذي لا فكاك له!.

 

مخاوف داخلية

الحادث الذي وقع في باكستان أمس، هو الأسوأ من نوعه منذ اغتيال رئيس الوزراء السابقة بنازير بوتو في أواخر العام الماضي 2007م، ومشكلته أنه شديد الاحترافية، وشديد الضخامة؛ بمعنى أنه لا يمكن أن يكون قد مر على أجهزة الأمن الباكستانية دون أن يلفت نظرها، كما أن طريقة تنفيذه- على مرحلتَيْن لتيسير مهمة الشاحنة الرئيسية التي هدمت الفندق على رأس قاطنيه- تشير إلى أن هناك جهة منظَّمة شديدة الكفاءة وراءه.

 

المخاوف الداخلية الباكستانية في هذا الإطار ليس أن يكون من نفَّذ العملية من حركة طالبان أفغانستان أو طالبان باكستان أو حتى تنظيم القاعدة؛ بل المخاوف الرئيسية من أن يكون وراء هذا الحادث طرف رسمي؛ فالشاحنة التي نفَّذت العملية كانت تحمل طنًّا من المتفجرات، وهذا معناه أن يتم تجهيز الشاحنة بمساحة واسعة من أجل وضع المتفجرات بها، وهو ما يمكن رصده أمنيًّا بسهولة بسبب ضخامة حجم العمل المطلوب، ومن هنا فإنه على الأقل يوجد طرف رسمي، حتى لو لم ينفذ العملية بيديه؛ فإنه تواطأ فيها.

 

وتزداد احتمالات هذا الأمر إذا ما علمنا أن أجهزة الأمن الباكستانية قد تلقَّت بالفعل إنذارًا أمنيًّا قبيل الحادث، وتم بالفعل استنفار الوضع الأمني، إلا أن الحادث وقع، ومن هنا طرح البعض نظرية شديدة الخطورة، وهي أن من يقف وراء الحادث هو جهاز المخابرات العسكرية الباكستانية الرهيب؛ المعروف اختصارًا باسم (ISI)؛ حيث إن ما طرحه زرداري ومجموعة الحكم الجديدة في البلاد من مواقف وطبيعة هذه المجموعة ذاتها، تثير قلق المؤسسة التي تحكم باكستان فعليًّا، وهي الجيش بأجهزته المختلفة، وعلى رأسها جهاز الـ(ISI).

 

فحتى لو كانت عناصر قبلية مسلحة أو من القاعدة قد نفَّذت هذه العملية، فإن ذلك من المستحيل تقريبًا أن يتم دون علم جهاز المخابرات الباكستاني؛ الذي أسس هذه المجموعات قبل عقودٍ من الزمن إبان الاحتلال السوفييتي السابق لأفغانستان.

 

ولعل ما يعضِّد من هذا الاحتمال العوامل الآتية:

- المواقف التي أتى بها الحكم الجديد في البلاد، والذي يميل إلى "نظرية" إبعاد الجيش عن السياسة في باكستان، وهي نظرية وليست أمرًا قابلاً للتطبيق؛ لأن الجيش هو عصب الحركة والعمل في الدولة، وهو ضمانة أكيدة للأمن القومي الباكستاني، حتى ولو كانت الأمور متدهورة على هذا النحو في باكستان.

 

- المجموعة الجديدة في الحكم- زرداري ونواز شريف وغيرهما- مدنيون، وهو أمر يراقبه الجيش بحذر دائمًا، والتجربة السياسية في باكستان خلال عقود ما بعد الاستقلال تؤيد ذلك؛ حيث لم يستقر أي حكم مدني للبلاد أكثر من سنواتٍ تعدُّ على أصابع اليد الواحدة، بل إن أطول فترة حكم في البلاد قادها رئيس كانت فترة حكم الجنرال محمد ضياء الحق، ودامت 11 عامًا خلال فترة الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وانتهت باغتياله.

 

 الصورة غير متاحة

 برويز مشرف

كما أن الغالبية العظمى منهم متهمون بالفساد وبالتورط في العديد من الملفات القذرة؛ ضمن أساليب العمل السياسي غير الشريف، فزرداري كان متهمًا بالفساد من جانب نواز شريف نفسه، بينما نواز شريف كان خلال فترة حكمه يدير الأمر ببعض الحماقة السياسية؛ حيث تحدَّى الجيش أكثر من مرة، بل ولجأ إلى محاولة غير سليمة دستوريًّا وقانونيًّا لعزل قائده في العام 1998م، وكان وقتها هو الرئيس السابق برويز مشرف.

 

- ضمن قرارات المجموعة الجديدة في حكم البلاد قرار شديد الخطورة، ويُمكن له أن يؤيد نظرية وجود مسئولية من نوعٍ ما على الـ(ISI)، وهو أن الحكومة قررت تقليص وضعية الجهاز ووضعه تحت إشراف وزارة الداخلية، وهو ما يعني تقييد يد الجيش في الحكم عبر تقييد ذراعه الطويلة، كذلك يعني ضربه في مقتل للأمن القومي الباكستاني؛ حيث إن تقييد وضع الجهاز يعني عدم قدرته على متابعة الملفات الأهم التي تواجه الدولة الباكستانية.

 

ولو نظرنا إلى هذه الملفات لوجدنا أنها بالفعل شديد الخطورة في منطقةٍ شديدة الخطر؛ فهناك أمن المنشآت النووية الباكستانية، وهناك الهند، وملف أزمة كشمير، وعلى الجانب الآخر هناك الملف الأفغاني وأنشطة الجماعات المسلَّحة في منطقة القبائل والتي ينشط بعضها داخل البلاد، بجانب التوتر الحادث في العلاقات مع الولايات المتحدة؛ بسبب تدخل الأخيرة عسكريًّا من آنٍ لآخرٍ في المناطق الحدودية الباكستانية المتاخمة لأفغانستان.

 

ولذلك فإن ترك الأمور داخل البلاد بعيدًا عن قبضة الجيش وأجهزته التنفيذية يعني تهديد بقاء الدولة الباكستانية، كما أن عددًا من المراقبين طرح عدد من المواقف الأولية من أن قائد الجيش إشفاق برويز كياني شعر بالخيانة بعد أن بدأت الحكومة الجديدة في تطويق أدوات نفوذه، بالرغم من أنه هو الذي ساعد في إنهاء أزمة عزل برويز مشرف سلميًّا، وهنا ثمة ملاحظة لها أهميتها، وهي أن كياني كان يرأس جهاز الـ(ISI) المخيف قبلاً، وبطبيعة الحال لن يسمح بتهميشه، على الأقل على إدراكه لأهمية الدور الذي يلعبه.

 

حدود وعلاقات مشتعلة!!

الجانب الآخر الذي ينتظر زرداري هو العلاقات المأزومة بين الدولة الباكستانية وبين كل من الولايات المتحدة والمجموعات المسلَّحة التي تتخذ من جبال منطقة بلوشستان ووزيرستان مقرًّا لها.

 

الملفان مرتبطان ببعضهما البعض؛ فالأزمة مع الولايات المتحدة جاءت بسبب أمرين؛ الأول هو إقدام قوات الولايات المتحدة في أفغانستان بطلبٍ مباشرٍ من الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بشن عملياتٍ عسكريَّةٍ داخل الأراضي الباكستانية لتعقب عناصر تنظيم القاعدة وطالبان باكستان، خاصة بعد ما تردَّد عن اختباء قيادات القاعدة؛ مثل أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، في جبال وزيرستان.

 

وبطبيعة الحال بدأ البيت الأبيض في الفترة الأخيرة في التحرك بعصبية في هذا الملف؛ رغبةً منه في إحراز نصرٍ يحفظ ماء وجهه قبل انصراف بوش الابن وأركان إدارته فيما يخص الحرب على ما يسمَّى بـ"الإرهاب"، ويضمن في ذات الوقت رفع أسهم المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة جون ماكين.

 

ولذلك وقعت الحكومة الباكستانية بين نارَيْن؛ فهي أولاً متهمةٌ بالتقصير من جانب الولايات المتحدة، وتواجه اتهامات دائمة من واشنطن بأنها لا تقوم بما يجب أن تقوم به لضرب الجماعات المسلحة والقضاء عليها، ولذلك فالقوات الباكستانية تقوم منذ فترةٍ بشن حربٍ شعواءٍ ضد مسلحي القبائل وعناصر القاعدة الذين يؤوونهم، خاصة بعد توسيع هؤلاء لنطاق استهدافهم لمعسكرات الجيش الباكستاني وقادة الحكم في البلاد، بمن فيهم الرئيس السابق برويز مشرف ورئيس الوزراء يوسف جيلاني.. رد الفعل هذا زاد من حالة العداء مع القبائل.

 

ثانيًا فإن موقف الحكومة الباكستانية المتخاذل من العمليات الأمريكية- التي أدى بعضها لسقوط عشرات المدنيين في وزيرستان مما فاقم في تأثيرات هذه العمليات- زاد من حالة الغضب الشعبي الذي تواجهه إسلام أباد أمام عموم المواطنين والقوى السياسية الأخرى؛ التي من المستغرب أنها قد اختفت تمامًا بعد أزمة عزل القضاة الشهيرة التي كانت إحدى أهم دعائم إسقاط حكم برويز مشرف.

 

ولذلك حاولت الحكومة الباكستانية والجيش في الفترة الأخيرة موازنة هذا الأمر؛ فالجيش الباكستاني أصدر أوامره لقواته بالتصدي لأية محاولة أمريكية لاختراق الحدود وتوجيه ضربات إلى داخل منطقة القبائل، وهو ما تم بالفعل في الأيام الأخيرة؛ حيث قامت القوات الباكستانية برد بعض الطائرات المروحية الأمريكية إلى داخل الأراضي الأفغانية كانت تنوي اختراق الحدود في وزيرستان، بينما زاد الجيش من عملياته ضد مسلحي الإقليم.

 

زرداري في خطابه قبل كارثة الماريوت بساعات قليلة أكد على ذلك؛ حيث قال إن بلاده لن تسمح للقوات الأجنبية باختراق سيادتها، ولكن إسلام أباد من جهةٍ أخرى سوف تواصل حربها ضد "الإرهاب".

 

الآن هذا البلد النووي في وضعٍ لا يُحسد عليه، وهو بحاجةٍ إلى توافقٍ وطنيٍّ أولاً على أجندةٍ قوميةٍ تلاقي إجماعًا أو على الأقل تأييدًا من جانب غالبية القوى السياسية الفاعلة في البلاد، مع إعلاء مصلحة الدولة الآخذة في الانهيار على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة، وبدون ذلك سوف تصبح البلاد- بسلاحها النووي- عرضةً للوقوع فريسة السلب والانقسام!.