يبدو أنَّ العاصمة السورية المنيعة لم تعد منيعة!!.. ما بين حينٍ وآخر يستيقظ سكان العاصمة السورية على أصوات انفجارات وطلقات رصاص تقبض معها أرواح العديد من المسئولين وكاتمي الأسرار، أو حتى بعض المدنيين، معلنةً انتهاء أسطورة جهاز الأمن السوريِّ، وربما انتهاء الصورة الحديدية للنظام البعثي الحاكم في دمشق.

 

صبيحة يوم السبت 27 سبتمبر.. كانت الأمور تسير على ما يرام في منطقة مفرق المحلق الجنوبي المؤدي إلى طريق حمص شمالاً وطريق المطار والطريق المؤدي لمقام السيدة زينب في الضاحية الجنوبية في العاصمة السورية.. المنطقة عادة مكتظَّة، ويوجد بها موقف للحافلات، وفجأةً ارتفعت أصوات انفجاراتٍ عنيفةٍ هزَّت أرجاء المنطقة، مطيحةً بحوالي 17 قتيلاً من المدنيين وحوالي 14 جريحًا.

 

التقديرات الأولية أشارت إلى أنَّ حجم العبوة الناسفة وصل إلى حوالي 200 كيلو جرام، ومن حجم العبوة وحجم الخسائر والمكان المختار لتنفيذ العملية؛ فإنَّه يمكن القول بأنَّ وراء تنفيذها جهةً منظمةً أمنيةً شديدةَ الاحترافية، جهة قادرة على تجهيز سيارة بهذا الحجم من المتفجِّرات بعيدًا عن أعين النظام السوري، وذراعه الأمنية الطويلة.

 

وأيًّا ما كان حجم الخسائر فإنَّ الانفجار بلا شكٍّ أدى إلى شرخٍ عميقٍ في جدار الأمن داخل العاصمة السورية، وكذلك- وهو الأهم- في ثقة النظام الحاكم في نفسه وفي مناعته في مرحلةٍ ربما هي الأصعب في تاريخ سوريا ما بعد الاستقلال.

 

إشكالات أمنية

سوريا باتت هدفًا.. هذا هو ما يقوله منطق الأحداث، ويبدو وكأن هناك من يعمد إلى زعزعة الأمن داخل البلاد؛ باعتبار أنَّ ذلك هو السبيل الوحيد لزعزعة بقاء نظام دمشق في مكانه؛ وذلك لأنَّ الجميع يعرف أنَّ الآلة الأمنية التي يسيطر عليها الرئيس السوري ومجموعة حزب البعث إنما هي الضمانة الأولى لبقاء نظامٍ فقد الكثير من شرعيته في السنوات السابقة، وبات هدفًا للعديد من الأعداء؛ سواء في الداخل أو في الخارج.

 

وكانت الضربة الأقسى التي تلقاها النظام السوري هي اغتيال عماد مغنية المسئول العسكري لحزب الله في قلب النظام الأمني السوري، في فبراير الماضي، ثم اغتيال العميد محمد سليمان المساعد الأمني الشخصي للرئيس السوري في مدينة طرطوس السورية الساحلية خلال وجوده في استراحته في أوائل شهر أغسطس الماضي.

 

اغتيال سليمان بالذات له أكثر من تأثير كما له دلالة؛ حيث إنَّ سليمان بجانب مهامه الأمنية العديدة- مثل التنسيق مع حزب الله اللبناني، والإشراف على الأجهزة الأمنية في القصر الجمهوري- فإنَّه كان مسئول الارتباط مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقتله عطَّل كثيرًا من أنشطة الوكالة في سوريا، وصعَّب من مهمتها الاستطلاعية، وهو بلا شك ما يضر بالموقف السوري في هذا الملف، الذي فتحته واشنطن وتل أبيب بعد ضرب موقع الكبار العسكري الذي يقول الأمريكيون والصهاينة إنه كان نواةً لمشروع مفاعل نووي سوري.

 

 الصورة غير متاحة

 بشار الأسد

كما أنَّ من قاموا باغتيال سليمان أرادوا إعتام العين الأمنية للنظام السوري، وإرسال رسالةٍ إلى الرئيس السوري بشار الأسد أنَّهم موجودون وقادرون، وأنَّه من الأفضل له أنْ يقوم بما يريدون، وهي ذات المغازي الموجودة وراء تفجير دمشق الأخير؛ حيث إنَّ من قام بهذه العملية أراد قول نفس العبارات، بل والقول إنَّهم- أي من يقفون وراء ذلك كله- قادرون على الوصول إلى الرئيس السوري ذاته.

 

وربما لن يمكن حتى وقتٍ طويلٍ قادمٍ كشف الصورة الملغزة التي تقف وراء هذه الأحداث، المرتبطة ببعضها البعض ولا شك، ولكن السؤال الأهم هو من يقف وراء ذلك كله؟!

 

أسئلةٌ واحتمالات

هناك أكثر من احتمال وراء ذلك كله؛ الأول بطبيعة الحال هو وقوف أجهزة المخابرات الصهيونية أو الأمريكية وراء الحادث، والهدف من ذلك بطبيعة الحال معروف، وهو هدفٌ متعدِّد الأبعاد، ومن بين أبعاده:

- إضعاف الموقف السياسي للنظام السوري في أية مواجهةٍ سياسيةٍ أو عسكريةٍ مع الكيان الصهيوني، وحتى إضعاف موقفه التفاوضي عبر إضعاف موقفه الأمني الداخلي.

 

- إزاحة بؤرة اهتمام النظام السوري عن الملف اللبناني، وكذلك الوضع في العراق، وشغله بأمنه الشخصي، بما يقيِّد أنشطة حزب الله اللبناني نسبيًّا، وكذلك الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة حماس.

 

- قص بعض أجنحة وأصابع إيران القوية، ضمن الحرب بالوكالة التي يخوضها المعسكر السوري- اللبناني ضد المعسكر الأمريكي- الصهيوني، في إطار المواجهة الكبرى في الشرق الأوسط.

 

- إرسال رسائل سياسية لدمشق؛ مفادها أنَّ الطريق الوحيد للاحتفاظ بالسلطة هو مواءمة الأجندة الأمريكية واعتبارات التسوية مع الكيان الصهيوني ومتطلبات الأمن التي يرفعها؛ مثل التخلي عن دعم حماس وحزب الله وقطع العلاقات مع إيران.

 

وبطبيعة الحال هناك هدف أو غاية أخرى شديدة الأهمية، وهي محاولة إسقاط النظام السوري على المدى البعيد.

 

المستوى الآخر من الاحتمالات هو الأكثر رعبًا بالنسبة للرئيس السوري، وهو أنْ يكون النظام السوري هو من يقف وراء هذه الحوادث؛ أي بمعنى آخر يكون الذراع الأمنية- وهي الممثل الشرعي والوحيد لعبارة "النظام السوري"- وراء ما يجري، وهو احتمال تعضده عدة عوامل، من بينها تجاوز الرئيس السوري بعض ثوابت السياسات التي وضعها والده الراحل حافظ الأسد، وهي الثوابت التي كان الجهاز الأمني وتحديدًا المكتب الثاني أو المخابرات الحربية السورية هي المسئولة عن تنفيذها.

 

ومن بين هذه الثوابت الملف اللبناني والتسوية مع الكيان الصهيوني؛ فالرئيس السوري بدأ في التخلي عن المبدأ القائل بأنَّ لبنان هي امتدادٌ لسوريا بشكلٍ أو بآخرٍ، وبدأ في مفاوضاتٍ جديَّةٍ مع الكيان الصهيونيِّ، ستؤدي لو انتهت كما ترغب الولايات المتحدة في تغيير كافة اتجاهات ومفاتيح عمل النظام السوري وأولوياته.

 

كما أن تبديل سوريا لتحالفاتها في المنطقة أضرَّ بموقفها كثيرًا؛ حيث الابتعاد عن البعد القومي العربي لها لصالح التحالف مع إيران، وهو ما تراه قوى كثيرة في دمشق خروجًا على "تابوهات" مقدَّسة عديدة للسياسة السورية، وتهديدًا مباشرًا للأمن القومي السوري الذي خسر بذلك ظهيره العربي، وتزداد مخاطر هذا الوضع إذا ما اندلعت الحرب مع الكيان الصهيوني؛ حيث لن يقف العرب مع دمشق إلى حدٍّ بعيدٍ، بينما لن تغني طهران عن سوريا شيئًا كثيرًا.

 

 الصورة غير متاحة

عماد مغنية

كما أنَّ سياسات بشار الأسد الجديدة مصدر خطر كبير على الكثير من مراكز القوى في سوريا، وفي المخابرات الحربية بالذات، وعلى رأسهم آصف شوكت صهر الأسد، ورجل سوريا القوي، الذي يحمِّله البعض مسئولية الإطاحة بمغنية وسليمان للاعتبارات السابقة.

 

بالإضافة إلى أنَّ سياسات دمشق في الملف اللبناني، وتحديدًا فيما يخص المحكمة الدولية لقتلة رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، تضرُّ كثيرًا بموقف رقاب كبيرة وغليظة في النظام الأمني السوري، ولذلك يُمكن فهم التسخين الحالي للجيش السوري على الحدود الشمالية مع لبنان بإرسال 10 آلاف مقاتل مجهزين بالمدافع والآليات وخيام المعسكرات طويلة المدى، وعودة المخابرات العسكرية السورية إلى العمل في شمال لبنان لصالح علويِّي جبل محسن، وهو ما كشفت عنه تقارير المخابرات المصرية مؤخرًا، وأرسلتها القاهرة إلى بيروت.

 

وبلا شكٍّ أنَّ هناك أصابعَ للأجهزة الأمنية السورية وراء هذه الأحداث، وآخرها تفجير دمشق؛ حيث إنَّ العملية من الضخامة بحيث لا بد وأنْ كان سيتم رصدها من جانب النظام الأمني السوري، الذي يضع رقيبًا أمنيًّا وراء كل 60 مواطنًا، وهي نسبةٌ كبيرة جدًا وفق الدراسات الأمنية، وتعني أنَّ عمليةً بهذا الحجم لا يمكن ألا يتم رصدها من جانب جهازٍ أمنيٍّ على هذا القدر من الانتشار والضخامة.

 

وما بين احتمالات التواطؤ والخيانة وصولاً إلى احتملات المسئولية المباشرة؛ فإنَّ الأسد حاول الاستجابة لبعض متطلبات هذه المرحلة، وقاد تحركًا دبلوماسيًّا يهدف إلى فكِّ عزلة سوريا، وربط الأسد نفسه بمصالحٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تجعل من التضحية به هدفًا صعبًا، وتجعل حمايته من جانب هؤلاء الذين يساومهم خارجيًّا واجبًا عليهم مع كل ما يقدمه من أوراقٍ مغريةٍ، مثل التسوية مع الكيان الصهيوني.

 

وهو ما يجعل مهمة من يفكر في الإطاحة به داخليًّا صعبة؛ حيث يعلم أنَّ الأسد وقتها سيكون مطلوبًا من جانب قوى أكبر لن تتردَّد في قطع رقاب من يمسونه، لا سيما لو أوغل أكثر في موضوع التسوية.

 

أسئلة واحتمالات، وكلها قابلة للنقض والتبدُّل، ولكن حتى وضوح الحقائق تبقى سوريا في مرمى النيران!.