الاقتصاد الرأسمالي بطبيعة تكوينه يمر بسلسلةٍ من الأزمات والانتعاشات، وحالاتُ الاستقرار عادةً ما تكون مراحلَ قصيرةً تفصل بين أزمات أو مراحل انتعاش.

 

والبداية الحقيقية للأزمة المالية العالمية التي نشهدها حاليًّا، أو ما اصطلح على تسميتها بأزمة الرهن العقاري، جاءت في حدود عام 2000م، في أعقاب أزمة سابقة اصطُلح على تسميتها حينذاك بأزمة الشركات عالية التكنولوجيا، والتي شهد التعاملُ في أسهمها نموًا وازدهارًا على غير أسس واقعية؛ مما أسفر عن تكوين ما أطلق عليها "فقاعة" أسهم شركات عالية التكنولوجيا التي سرعان ما انهارت وتسببت تداعياتها في إحداث أزمة ركود في الاقتصاد الأمريكي حينذاك.

 

وكان من وسائل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في مواجهة آثار هذه الأزمة أن قام بتخفيض سعر الفائدة على الدولار الأمريكي؛ رغبةً في تشجيع المستثمرين على الاقتراض من الجهاز المصرفي لتمويل مشروعاتهم، ومن ثم إنعاش حركة الاقتصاد ككل.

 

ولمَّا كان التمويل العقاري هو النظام المعتمد في المجتمع الأمريكي وفي المجتمعات الغربية عمومًا للحصول على مساكن لأبناء هذه المجتمعات، وكانت أرصدة القروض العقارية تمثِّل أكبر بند من بنود القروض في الاقتصاد الغربي والأمريكي بخاصة، ولما كان التمويل العقاري يتم على أجيال طويلة تتراوح بين 20 و30 عامًا.. فإن لتخفيض سعر الفائدة الذي تم حينذاك دورًا كبيرًا في إنعاش سوق التمويل العقاري، وعليه فقد أقبل أفراد على الحصول على قروض عقارية.

 

وتحمَّست مؤسسة الإقراض العقاري في تقديم الإغراءات لتشجيع الأفراد على الحصول على تمويل عقاري لشراء وحدات من مشاريع الاستثمار العقاري التي شهدت توسعاتٍ كبيرةً حينذاك في التسهيلات في الشروط التي كانت تنظم عملية التمويل العقاري؛ فتم التنازل عن شرط المقدَّم أو السماح لأفراد لهم سجلات ائتمانية غير جيدة بالحصول على وحدات سكنية جديدة، أو السماح للأفراد غير القادرين على إثبات دخولهم بالحصول على وحدات سكنية دون إلزامهم بذلك، وتم تسمية هذه الحالات من التمويل العقاري بـ"التمويل العقاري من الدرجة الثانية"، وقامت مؤسسات التمويل العقاري ذاتها بالتخصص في هذه النوعية من التمويل.

 

ثم كانت النقلة السلبية التالية عندما أسفر انتعاش السوق العقاري حينذاك عن ارتفاع أسعار الوحدات السكنية، فقامت مؤسسات التمويل العقاري بإعادة تقييم هذه الوحدات ومنح حائزيها قروضًا عقارية إضافية، ثم استخدامها في أغراض استهلاكية أخرى.

 

وكانت بداية الشعور بالأزمة بداية عام 2004م عندما قام البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع سعر الفائدة على الدولار الأمريكي؛ بهدف الحفاظ على استقرار قيمته أمام العملات الأخرى؛ مما أدى إلى زيادة الأعباء على مديني الرهن العقاري، وبدأ جانب منهم يشعر بعجزه عن سداد الأقساط التي استحقت عليه.

 

ومع ضغوط مؤسسات التمويل توجه هؤلاء إلى بيع الوحدات السكنية؛ مما أسفر عن زيادة المعروض من الوحدات السكنية، وأدى هذا بدوره إلى حدوث انخفاض عام في أسعار الوحدات السكنية؛ ما زاد من تفاقم المشكلة ودخول فئات أخرى في نطاق العاجزين عن سداد الأقساط المستحقة عليهم.

 

وانضم إلى تداعيات الوضع السابق أن مشروعات الاستثمار العقاري الجديد التي بنت اقتصادياتها وجدواها على وجود طلب على الوحدات العقارية، قد واجهتها حالة من الركود وصعوبة تصريف هذه الوحدات الجديدة في ظل وجود كمٍّ من الوحدات المعروضة في السوق من مديني التمويل العقاري المتعثِّرين.

 

 الصورة غير متاحة

 مخاوف لدى المستثمرين بسبب الأزمة المالية العالمية

ونظرًا للارتباطات الوثيقة بين مكونات الاقتصاد الرأسمالي والتأثير البالغ لأيٍّ من هذه المكونات بما يحدث لغيره من المكونات؛ فقد أسفرت حالة الركود في السوق العقاري السابق توضيحها عن تأثر أسهم وسندات شركات التمويل العقاري وشركات البنوك التي تساهم في التمويل وشركات التامين التي تقدم التغطية التأمينية وشركات الاستثمار العقاري التي تُنشِئ وحدات سكنية جديدة؛ مما أدى إلى موجه هبوط عام في مستوى أسعار الأسهم والسندات في سوق الأوراق المالية.

 

ورغم أن بدايات الإحساس بوجود أزمة عامة في الاقتصاد الأمريكي كانت منذ ما يقرب من عام تقريبًا في سبتمبر 2007م إلا أن حجم الأزمة الحقيقي لم يتضح حتى الآن، حتى إن بنك الاحتياطي الأمريكي كان قد أعلن في فبراير الماضي أن الأزمة قد وصلت إلى قمتها حينذاك، ولكن الحقيقة التي شهدناها جميعًا أن هناك قمة أعلى قد وصلت إليها الأزمة في شهر سبتمبر الماضي، ولا يوجد ما يؤكد أن الأزمة لن تصعد إلى قمم أعلى مستقبلاً.

 

وقد زاد من تفاقم الأزمة ثلاثة عوامل:

العامل الأول: أن هذه البنوك والشركات العاملة في مجال التمويل العقاري تعتمد في نشاطها على الاقتراض بشكل أساسي بحيث تكون درجة الخسائر فادحةً في حالة تعرض المؤسسة لأية مشاكل، وغالبًا ما يتبين استحالة قدرتها على تصحيح موقفها والقيام من عثرتها.

 

العامل الثاني: أن مكافآت القائمين على إدارة هذه المؤسسات المالية وأرباح المالكين لها تعتمد أولاً على حجم النشاط؛ مما يمثِّل حافزًا لهؤلاء على التوسع في نشاطها دون الالتفات الكافي إلى جودة عمليات التمويل والتزامها بالضوابط المالية المفروضة.

 

العامل الثالث: لقد ثبت من تطورات الأزمة أن قدرة مؤسسات الرقابة على فحص ومتابعة أنشطة مؤسسات التمويل والاستثمار هي قدرة محدودة للغاية، ولا تكفل الطمأنينة لجودة عمليات التمويل، ويرجع ذلك إلى تعقد عمليات التمويل والابتكارات المالية العديدة التي تفاجئنا بها مؤسسات التمويل يومًا بعد يوم؛ مما يتجاوز خبرة القائمين على مؤسسات الرقابة، أضف إلى ذلك التشابكات المالية المعقدة بين جهات التمويل وجهات التغطية التأمينية والجهات التي تتعامل في سندات التمويل العقاري، سواءٌ داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

 

وكانت الطامة الكبرى التي أسفرت عنها أزمة الرهن العقاري وأصابت تداعياتها مكونات النظام الاقتصادي في أمريكا والغرب عمومًا، بل والعالم بكاملة.. هو اهتزاز الثقة الذي يمثِّل هي في حد ذاته سلبية خطيرة تشل النشاط الاقتصادي.

 

وبعيدًا عن أزمة الرهن العقاري وتداعياتها فلا بد أن نذكر أن هناك مسارًا آخر كان له تأثير قوي في تفاقم الأزمة الاقتصادية على الاقتصاد العالمي، وبدون أية محاولة للتنظير فإن تضاعف سعر برميل البترول 3 أضعاف خلال عام واحد لا بد وأنه قد أربك الحسابات في كافة المؤسسات الاقتصادية التي تعتمد في نشاطها بدرجة أو بأخرى على البترول، وانعكس ذلك بدوره على اقتصاديات الدول بشكل عام، وقد قام بعض المحللين الاقتصاديين بالنظر إلى الصعود الحاد في سعر البترول في إطار التنافس الاقتصادي القائم بين الصين كقوة اقتصادية صاعدة والولايات المتحدة الأمريكية التي ما زالت تمثل القطب الاقتصادي الأول في عالمنا الحاضر.

 

وإذا كانت الولايات المتحدة تتمتع بمكانتها المتقدمة في مجال التطور العلمي والتكنولوجيا بما يتيح لها ورقة قوية في مجال الصراع على الزعامة الاقتصادية للعالم، فإن الصين قد أثبتت تمتعها بالقدرة على الإنتاج بأسعار منافسة؛ مما يمكِّنها من احتلال مساحات أوسع من السوق العالمي يومًا بعد يوم.

 

وعليه فقد شجَّعت الولايات المتحدة على ارتفاع أسعار النفط باعتبار أن ذلك سيمثل إعاقة لقدرة الصين على تقديم منتجاتها بأسعار منخفضة تمكِّنها من السيطرة على مزيدٍ من أسواق العالم.

 

هذا عن الأزمة الاقتصادية التي تربك النشاط الاقتصادي العالمي اليوم، والتي نشهد محاولاتٍ مجموعةً للخروج منها بشكلٍ أو بآخر.

 

أما عن آثار هذه الأزمة على منطقتنا العربية المصدر الأول للبترول في العالم، والتي تتمتع بفوائض مالية ضخمة، فما زال يستقر الجانب الأعظم منها في المؤسسات المالية الغربية بما يكتنف ذلك من مخاطر.

 

وأما عن آثار هذه الأزمة وتداعياتها على الاقتصاد المصري فسيكون لهذا حديث آخر إن شاء الله.