إنذار كبير ذلك الذي تطلقه التقارير الواردة من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 مع تواصل الاعتداءات الصهيونية على عرب فلسطين هناك، وتحديدًا مدينة عكا في حيِّها الشرقي، والذي يُعرف عربيًّا بحي المنشية؛ حيث تستوطن غالبية يهودية كبيرة، باستثناء عددٍ قليلٍ من العائلات العربية.
ذلك أن الاعتداءات العنصرية الصهيونية التي بدأت منذ مساء الجمعة 10/10/2008م برزت بصورة مرسومة وخطوات مُمَنْهَجَة تصاحبت مع بعض المسيرات؛ كانت بمثابة "استعراض قوة" تم فيه رفع الأعلام الصهيونية، وجرى خلالها الاعتداء على المنازل العربية، وبخاصة المنازل التي يقطنها العرب في الشارع المسمَّى "هيوتسريم" بحي "شيكون 3"؛ إذ كانت المنازل العربية هدفًا للعديد من الهجمات بحسب مصادر من عرب 48، بينما الشرطة الصهيونية واقفةٌ لا تتخذ أي إجراءٍ لحماية المواطنين العرب في المدينة، فيما امتنعت عن ردع المهاجمين وعملت على إخلاء المنازل العربية من أصحابها!.
وقال عدد من السكان العرب في الحي إنَّهم طيلة الوقت عُرضة للاعتداءات، وإنَّ الهجوم يستهدف الوجود العربي في الحي الذي طالما مُنع العرب من السكن به، ويُعتبر آخر معقلٍ صهيوني بالمدينة، وقد دفعت وطأة الاعتداءات العديد من السكان العرب إلى التفكير في الهجرة من الحي بصورة نهائية.
عنصرية قذرة
تجيء اعتداءات عكا امتدادًا لممارسات سكان المغتصبات الصهيونية في الضفة الغربية المحتلة ضد أصحاب الأرض من الفلسطينيين قبل أن تنتقل أعمال العنف والاضطهاد العنصري الصهيونية إلى داخل أراضي فلسطين 48 ضد المواطنين العرب هناك؛ وذلك بنيَّة استكمال أركان المشروع الصهيوني في تفريغ فلسطين وما وراءها من سكانها الأصليين.
الاشتباكات الأخيرة والاعتداءات التي مارسها الصهاينة في مدينة عكا ضد سكانها العرب حملت نذيرًا كبيرًا أوجب الالتفات والانتباه، وعدم الانسياق وراء "تصريحات السلام" التي يطلقها من آنٍ لآخرٍ المسئولون الصهاينة، على غرار رئيس الوزراء الصهيوني المستقيل إيهود أولمرت أو خليفته المكلَّفة تسيبي ليفني.
فالمطَّلع على بعض تصريحات النواب والسياسيين الصهاينة في إطار هذا الحدث يتأكد تمامًا أنَّ الأمور تُخفي وراءها أكثر من مجرد انفلات أمني رافق عيد الغفران اليهودي؛ فهناك دعواتٌ إلى حمل السلاح ضد عرب المدينة، وانتقادات كبيرة لعدم تدخل الشرطة الصهيونية ضد العرب!.
عضو الكنيست الليكودي المتطرف يوفال شطاينس ادَّعى أنَّ دولة الكيان الصهيوني تحوَّلت إلى الدولة الوحيدة التي يتعرَّض فيها الصهاينة للملاحقة، ويتعرَّضون للأذى!!، بينما صرَّح عضو الكنيست من كتلة "المفدال (الاتحاد القومي)" المتطرفة آرييه إلداد مساء الجمعة 10/10/2008م بأنَّه يتعيَّن على اليهود "حمل السلاح إذا لم تعالج الشرطة الأحداث في عكا"، وهي تصريحات ومواقف يمكن أنْ تعطيَ بعض المؤشرات على حقائق الأوضاع بفلسطين في الوقت الراهن أمام العرب بأرضهم التاريخية.
دعوة إلى القتل
رائد دلاشة أحد الرموز الإعلامية لعرب 48 قال إن ما يجري في عكا غير قاصر عليها، بل إن الاعتداءات التي تشارك فيها الشرطة الصهيونية مع المتطرفين الصهاينة ضد العرب شملت المدن الأخرى التي يعيش فيها عرب 48، وهي اللُّد والرملة ويافا وحيفا، وطالت هذه الاعتداءات القرى البعيدة؛ مثل قرية البقيعة في مدينة الجليل.
![]() |
|
امرأة من عرب 48 تقف وسط منزلها الذي طاله اعتداءات المتطرفين اليهود |
وتكشف المعلومات التي وردت في وسائل إعلام صهيونية إلكترونية عديدة أنَّ الهجمات التي وقعت مؤخرًا على المواطنين العرب في عكا لم تكن عشوائيةً بل منظمة؛ حيث تمَّ توجيه نداءات إلى المواطنين اليهود من المدينة للخروج إلى الشوارع وتنفيذ الهجمات على السكان العرب.
ونصُّ الدعوة كالآتي: "بعد تناول وجبة يوم الجمعة (موعد انتهاء صوم الكيبور) نخرج جميعًا إلى الشوارع؛ لا أحد يبقى في البيت، لا يهم من أين هو؛ فقد حضرت مجموعة مكونة من 300 مستوطن لمساندتنا؛ نلتقي جميعًا بعد انتهاء الصيام عند البنايات "شيكونات" في الجهة الشرقية، لن نمر مرور الكرام على ما حدث".
ونادت المواقع الصهيونية بمقاطعة العرب في عكا: "لا نشتري من محالِّهم، لا نحترم أعيادهم، ولا نحترم أي مكان تابع لهم، فليخرج العرب من عكا ويذهبوا إلى القرى العربية"، وقالت أيضًا في نداءٍ عنصريٍّ قذرٍ: "أيها اليهودي بعد "بوجروم" يوم الغفران (كيبور).. علينا أنْ نتوحَّد جميعًا في مقاطعة العرب اقتصاديًّا في عكا وخارجها، حتى نقضيَ عليهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا وتربويًّا".
منهج مبرمج
ما جرى في عكا ليس أمرًا منفردًا؛ حيث تسعى المؤسسات الرسمية الصهيونية منذ فترةٍ إلى صهينة عكا؛ من خلال مخططات إسكان ومشاريع تطوير على حساب الوجود العربي بالمدينة، كما تنشط في عكا منذ سنوات حركات يمينيَّة تسبَّبت إلى حدٍّ كبيرٍ في توتير الأجواء في عكا خلال الفترات الماضية بالتحريض ضد العرب هناك، والدعوة المستمرة لاغتصاب أراضيهم.
![]() |
|
أحد المنازل المحترقة في اعتداءات المتطرفين اليهود |
وتجيء هذه الاشتباكات ضمن إطارَيْن أساسيَّيْن: الأول هو السعي إلى تهجير السكان العرب الأصليين من مدنهم الرئيسية في الكيان الصهيوني لإضفاء المزيد من الطابع الصهيوني على الدولة غير الشرعية في فلسطين 48، أما الإطار الثاني فهو مرتبط بالأول وإنْ كان ذا مدى زمني أبعد، وهو المتعلَّق بالمخاوف الصهيونية من مسألة القنبلة الدِّيمُوجرافية التي تهدِّد المشروع الصهيوني كله في فلسطين بحلول العام 2050م؛ حيث من المرجَّح تساوي عدد العرب باليهود في فلسطين القديمة؛ حيث تفيد الإحصائيات الأخيرة التي نشرها مكتب الإحصاء المركزي الصهيوني عن عدد السكان في فلسطين الآتي:
يعيش في الكيان الصهيوني 7.337 ملايين نسمة؛ منهم 5.542 ملايين يهودي يمثلون 75.6% من مجموع السكان، بينما هناك حوالي 1.477 مليون فلسطيني يشكِّلون 20% من تعداد السكان، وهم يقيمون في 3 مناطق رئيسيةٍ؛ هي جبال الجليل، والمثلث، وشمال النقب، بينما هناك 318 ألفًا من عرقيات ودياناتٍ أخرى، كالدروز والمهاجرين، ويشكِّلون 4.4% من تعداد السكان هناك بجانب حوالي 200 ألف عامل أجنبي.
ووفق معدلات التزايد السكاني الطبيعي التي تصل بين العرب إلى حوالي الضعف عنها في الأوساط اليهودية (3: 1.5) وتراجع مستوى الهجرة اليهودية إلى الكيان الصهيوني، فإنَّ عدد السكان العرب في فلسطين سيتساوى أو يفوق اليهود بحلول منتصف القرن الحالي، بينما سيكون في القدس أقرب من ذلك؛ حيث سيكون التاريخ الموعود وفق المعدلات الحالية للزيادة قبل ذلك بكثير، وحاليًّا فإنَّ 25% من مواليد الكيان الصهيوني في الوقت الحالي هم من العرب، وبالتالي فإنَّهم يشكِّلون حوالي 42%من أطفال الكيان الصهيوني الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا.
ووفق تقرير "التهويد يحاصر عكا" الذي وضعه الباحث إياد البرغوثي من مدينة عكا، فإنَّه وفي داخل فلسطين المحتلة، فإنَّ التهويد في المدن العربية التاريخية بشكلٍ عامٍ- وهي حيفا ويافا وعكا والُّلد والرملة- يقوم على أربعة أركان؛ هي:
1- التضييق على السكان العرب وحرمانهم من الخدمات وتهميشهم، مع تجاهل الحالة الجنائية في أوساطهم لدفعهم إلى ترك الأحياء القديمة التي يسكنونها.
2- نزع الهويَّة العربية الفلسطينية عن المدينة وتزييف تاريخها وطمسه، والهدم المنهجي للعمارة الفلسطينية وتعريب أسماء الشوارع.
3- امتلاك البيوت والعقارات من خلال المؤسسات والشركات الحكومية، وسنِّ قوانين تصعِّب من عملية التوريث وتسهِّل السيطرة على الأوقاف الإسلامية خصوصًا وتأجيرها في بعض الأحيان، وتيسير شراء الأملاك من قِبل مؤسسات ورءوس أموال صهيونية عالمية أو محلية.
4- تحويل بعض الأحياء القديمة إلى قرى لفنانين يهود يسكنون ويعرضون فيها إبداعاتهم، وتحويل المعالم والبنايات الكبيرة إلى مشاريع اقتصادية سياحية بملكية يهودية.
قضية اللاجئين
والمشكلة الحقيقية الآن هي أنَّ ملف عرب 48 بات ملفًّا منسيًّا، بينما هو أحد أخطر الملفات ذات الصلة بالقضية الفلسطينية في أبعادها الإستراتيجية بعيدة المدى؛ حيث ترتبط بقضية اللاجئين الفلسطينيين؛ فالقرار الدولي رقم (194) الصادر في العام 1949م بخصوص اللاجئين ينصُّ على عودة هؤلاء إلى أراضيهم المحتلة في العام 1948م، وبالتالي فإنَّ طرد العرب من مدنهم التاريخية في فلسطين المحتلة عام 1948م يقول إنَّه لن يمكن فرض أي حلٍّ على الصهاينة يتضمن عودة اللاجئين إلى قراهم ومدنهم التاريخية.
ومع كون ملف اللاجئين هو أحد أربعة ملفات رئيسية تمثِّل أركان مفاوضات الوضع النهائي؛ بجانب القدس والحدود والمياه.. فإنَّ هذه العنصرية الصهيونية تشير إلى استحالة الوصول إلى حلٍّ نهائي مع الفلسطينيين، وهو ما يدعو السلطة في رام الله إلى عدم الإفراط في التفاؤل بدعواتهم إلى الجلوس على طاولة المفاوضات مع الصهاينة.
الأهم من ذلك أن جامعة الدول العربية لم تأخذ أي موقف إلى الآن؛ ليس فقط مما يجري في عكا على المستوى القريب، ولا حتى على مستوى الملف الأساسي المتعلق بموضوع الترانسفير العربي من فلسطين القديمة؛ مما جعل الكثيرين يتساءلون عن حقيقة الموقف العربي الحالي من القضية الفلسطينية برمَّتها!.

