بلقائها مع الرئيس السوداني عمر البشير مساء أمس الأحد 13/10/2008م تكون لجنة المبادرة القطرية قد افتتحت مشوارها لحل أزمة دارفور، في إطار خطة هدفها المعلن الوصول لحل نهائي لأزمة إقليم دارفور، إضافةً لهدف يرى مسئولو اللجنة أنه الأكثر أهميةً، وهو المتمثل في دعم الرئيس السوداني المطلوب محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.
اللجنة القطرية تتحرك في إطارٍ عربيٍّ هذه المرة؛ حيث كان مجلس وزراء الخارجية العربية قد قرَّر في سبتمبر الماضي تشكيل لجنة وزارية عربية خاصة بأزمة دارفور، وأسند المجلس لإمارة قطر مهمة رعاية واستضافة هذه المحادثات، كما أسند رئاسة اللجنة إلى الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثانٍ رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري وعمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي جان بينج، وتضم اللجنة في عضويتها كلاًّ من مصر والسعودية والجزائر وسوريا وليبيا.
اللقاء الذي جمع اللجنة بالبشير كان محوره شرح الخطة المقترحة لعقد مؤتمر مصالحة بين أطراف النزاع في دارفور، وبيان المجهودات الداخلية والخارجية الأعضاء اللجنة، ومن بينها المشاورات التي شهدتها ولايات الإقليم الثلاث؛ بعد أن اجتمعت اللجنة مع المسئوليين والنازحين، وشرحت لهم أبعاد الخطط المقترحة لجمع طرفي النزاع على مائدة المفاوضات.
مهام اللجنة الرئيسية ترمي إلى ترتيب ورعاية محادثات سلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلَّحة في إقليم دارفور، بالتعاون مع الوسيط الدولي المشترك للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، فضلاً عن تنسيق الموقف العربي والدولي لتحسين الأوضاع في دارفور.
كما يدخل في إطار اختصاص اللجنة مناقشة التحركات التي تقوم بها الخرطوم في أوروبا ومع أطرافٍ مقربةٍ من واشنطن في سبيل الوصول إلى حلٍّ للأزمة التي نشبت بين السودان والغرب، ويركز الجانب العربي في هذا الإطار على الشأن الخاص بالحكومة السودانية والمحكمة الجنائية الدولية، بعد الاتهامات التي وجَّهها المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو في يوليو الماضي للرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جريمة "إبادة جماعية" في إقليم دارفور.
تعنت وتنصير
ولا يخفى على أحد حقيقة الموقف الغربي شديد التعنت في موضوع دارفور، فالرئيس السوداني قام بإصلاحاتٍ عديدة وملموسة في الأقليم المشتعل؛ حيث وضعت الخرطوم يدها على أصل الأزمة في دارفور، وهو الجانب الاقتصادي والاجتماعي، ونفذت بعض المشروعات الخاصة بالمياه وتوطين القبائل الرُّحَّل في أماكن يتم استصلاحها زراعيًّا.
![]() |
|
الرئيس السوداني عمر البشير خلال زيارته لدارفور |
كما بدأت القيادة السودانية مؤخرًا في مساعي جادة لدمج أبناء الإقليم بمؤسسات الدولة المختلفة، لكي يتم القضاء على الاتهامات الموجهة لها بتهميش أبناء الإقليم.
كما ذهب البشير إلى أبوجا في نيجيريا ليوقع على اتفاقٍ مع كُبرى فصائل التمرد، وهو فصيل ميني آركوي ميناوي في حركة تحرير السودان، مما أوضح أنَّ الوضع الإنساني في الإقليم تُسأل عنه فصائل التمرد، وليس الخرطوم، فعمليات الإغاثة الإنسانية التي تتم في الإقليم يجري تعويقها من جانب قوات فصائل التمرد التي تهاجم قوافل الإغاثة وتستولي على المواد الغذائية والطبية التي يحملونها، وكثيرًا ما علقت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لأنشطتها في الإقليم لهذا السبب.
الغرب لا يعترف بذلك، بل ويضغط على الخرطوم سياسيًّا بقرار يتهم البشير بالمسئولية الجنائية الكاملة عما يجري في دارفور، ويذيع بيانات عجيبة عن ضحايا الحرب في الإقليم؛ حيث تقول الأمم المتحدة إنَّ ضحايا الأزمة في دارفور وصلوا إلى 300 ألف في غضون السنوات الأربع التي تفاعلت فيها الأزمة، وهو رقم مبالغٌ فيه بشكلٍ كبيرٍ، خاصة إذا علمنا أنَّ تعداد سكان السودان لا يزيد على ما بين 30 إلى 35 مليون نسمة، يتركز جزءٌ كبيرٌ منهم في الخرطوم وما حولها.
كذلك فإن طبيعة الإقليم صحراوية جافة مما لا يسمح بأنْ يكون هناك كثافة سكانيَّة كبيرة في دارفور، وبالتالي فإنَّ أرقام الأمم المتحدة تعني أنَّ عمليات القتل طالت حوالي 15% من مواطني دارفور، وهو أمرٌ خارج حدود التصور؛ حيث لم تتحقق هذه النسبة ذلك طيلة سنوات الحرب الأهلية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب.
الغرب الانتهازي استغل أيضا حاجة سكان الإقليم لمواد الإغاثة الإنسانية وقام بعمليات واسعة للتنصير في الإقليم، وبخاصة في أوساط القبائل الأفريقية السوداء ذات الأصول غير العربية، ومن أبرز هذه المنظمات منظمة أوكسفام البريطانية الشهيرة.
مخاوف رسمية
وإنْ كان الجميع يركز في وسائل الإعلام على جهد الوزراء والمسئولين لجمع الفرقاء السودانيين في دارفور والخرطوم على مائدة حوارٍ واحدةٍ؛ إلا أنَّ ملخص التحركات العربية والقطرية الأخيرة في السودان كشف عن الكثير مما تخفيه وراءها.
فجامعة الدول العربية والمواقف الرسمية العربية لم تفعِّل نفسها فيما يخص أزمة إقليم دارفور إلا بعد القرار الذي أصدره لويس أوكامبو بملاحقة الرئيس السوداني عمر البشير فيما يخص أزمة الإقليم، وهي سابقةٌ تعد الأولى من نوعها في تاريخ القانون الدولي التي يتم فيها ملاحقة رئيس دولة لا يزال في الحكم من جانب القضاء الدولي.
الموقف الجديد للمحكمة الجنائية الدولية أثار جميع الحكومات العربية، وذلك تخوفًا من أنْ يكون القرار إرساءً لسوابق عديدة قد تطال حكام عرب آخرين، سواءٌ بالقوة المسلحة أو عن طريق المؤسسات الدولية التي يسيطر عليها الغرب.
وفي حقيقة الأمر فإنَّ الإجراءات الأمريكية في هذا المجال ليست حديثةً كما يتصور البعض، بل هي قديمة، وتعود إلى مطلع التسعينيات الماضية، بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرةً؛ حيث أقرت الأمم المتحدة في العام 1993م- إبان فترة تولي الدكتور بطرس غالي مسئولية الأمانة العامة للمنظمة الدولية- مبدأ التدخل الدولي في الشئون الداخلية للدول متى انتهكت الأنظمة حقوق الإنسان أو الأقليات هناك، وهو ما تطور فيما بعد إلى آلياتٍ وأطرٍ مُؤسَّسيَّةٍ وقانونيَّةٍ ملزمةٍ، سواءٌ في الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة أو في بنية الإدارة الأمريكية نفسها.
ففي العام 1997م تقدم السِّيناتور أرلن سبكتر من ولاية بنسلفانيا والنَّائب الجمهوري فرانك وولف بمشروع قانون "قانون الحريَّة من الاضطهاد الديني"، ونجحا في تمريره في الكونجرس، وجاء فيه ما يلي:
1- يتم تأسيس مكتب بالبيت الأبيض تحت مُسمَّى "مكتب مراقبة الاضطهاد الدِّيني" بعد ستين يومًا من إصدار القانون، ويكون المكتب مستقلاًّ عن وزارة الخارجية الأمريكية، ويتولى الرئيس الأمريكي مسئولية تعيين رئيس المكتب.
2- فَرْض عقوبات على أي حكومات أجنبية في حال تورطها في أيِّ عمليات اضطهادٍ دينيٍّ أو حتى إذا فشلت في حماية الأقليات الدينية على أراضيها من أي عمليات اضطهاد لم تكن الدولة طرفًا فيها.
والجدير بالذكر أنَّ هذا القانون قد أمد رئيس "مكتب مراقبة الاضطهاد الدِّيني" بسلطاتٍ واسعة النِّطاق؛ حيث منحه الحرية التامة في مراقبة الأقليات الدينية حول العالم والمناداة بتطبيق عقوبات اقتصاديَّة حال ثبوت عمليات اضطهادٍ دينيٍّ؛ بحسب ما أذاع تقرير معهد الأمن العالمي.
ومن أمثلة العقوبات التي يحق للمكتب اقتراحها: إلغاء كافة أشكال التجارة ووقف خطوط الطَّيران والقروض والمعاملات المالية، ومن تطبيقات ذلك فرض عقوبات على السودان؛ تحظر استيراد كافة البضائع والمنتجات السودانيَّة، ووقف جميع المعاملات الماليَّة بين الولايات المُتَّحدة وأي مواطن في السودان، ومنع أيِّ طائرات مملوكة لأشخاصٍ أمريكيين أو الحكومة الأمريكيَّة من الهبوط على الأراضي السُّودانيَّة.
عيون مصرية
هذه الإجراءات الأمريكية أثارت الكثير من القلق في أوساط العديد من الحكومات والأنظمة العربية، وكان قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق البشير هو مفتاح الحركة الجديدة فيما يخص أزمة إقليم دارفور، كما أنَّ للمخاوف المصرية خصوصيةً في هذا الشأن، فسقوط البشير معناه تولِّي نائبه الأول سيلفا كير زعيم الحركة الشعبية الحكم في البلاد، وهو ما يعني أنَّ الجار الجنوبي لمصر الذي يسيطر على نهر النيل لن يكون عربيًّا مسلمًا، بل سيكون إفريقيًّا موالي للغرب.
ووفق مراقبين لا يمكن التعويل كثيرًا على مبادرة الجامعة العربية في هذا الشأن؛ حيث إنَّ حل الأزمة مرهون بإرادات غير عربية؛ حيث إنَّ المتمردين مثلاً لا يثقون بجامعة الدول العربية، وليست لهم كامل الحرية في قبول صلحٍ مع الخرطوم دون إذن الغرب؛ الذي يمدُّهم بأسباب وجودهم من أموالٍ وسلاحٍ ومواد غذائية وخلافه.
من الجانب الآخر لا يمكن للرئيس السوداني قبول الاشتراطات الغربية لحل الأزمة؛ حيث إنَّ المطالب الغربية في هذا الإطار تمس بقاء البشير ذاته في الحكم أو حتى الحياة، فضلاً عن طمسها هويةَ الدولة العربية والإسلامية في السودان؛ مما يبرز حجم التعقيد الحالي للأزمة، ويبرهن أنَّها لن تشهد حلاًّ أكيدًا في الوقت القريب.
